fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

12 عاماً على حرب تموز والاسئلة التي لا تنتهي

مضى على حرب تموز/ يوليو 12 عاماً وبضعة أيام. لكنّ طقس تموز لم يتغيّر. شرشف الطاولة عند شرفة المطبخ ما زال يلوح مساءً ويتجمّد نهاراً. أولاد الحيّ ما زالوا يختفون عند مغيب الشمس. الجميع يجلس خارجاً. طقس قريتنا حلو. ما زال حلواً.

تبدو الكتابة أحياناً علاجاً ممكناً للذاكرة، لذلك ربما أنسلّ الآن إليها من شرفة بيتنا ذاتها التي اهتزّت يوم تعرضت القاعدة الجوية في رياق، لهجوم سلاح الجو الإسرائيلي في 13 تموز 2006.

أذكر صوت أختي الممرضة حين صرخت “انبطحوا”. وأضافت: “الكوريدور (الرواق) أفضل مكان”. خرجت أختي الثانية من الحمام وهي تصرخ ونزلت أمي عن السلالم وركضت تحضننا. كنا كلنا نطيع نصائح أختي الممرضة، لا أعرف لماذا كنّا نعتبر أنها تملك الحل أو طريق النجاة.

أتذكّر أنّ قوّة الضربة يومها أوقعت مكتبي وتطايرت الكتب. كنت قد أنهيت لتوي تقديم الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة، وكانت أصبعي ما زالت هناك بين الكتب، وقد تناثرت معها. ألف سؤال وقع مع تلك الكتب: ما هذا؟ هل سينتهي؟ هل سنحصل على نتائجنا؟ هل سنموت؟

مساءً خرج الجميع إلى “سطيحة” بيتنا. كل الجيران تجمهروا هناك وطافت التحليلات في حي “المسيحيين”. هذا يقول إن الحرب لن تنتهي، وذاك يرمي التهم على “حزب الله” والمقاومة، وآخر ينتظر تدخلاً أجنبياً. في ذاك المساء عرفت “حزب الله” وفهمت القضية. لم يحدث أن قال أحد الكثير أمامي عن إسرائيل والحروب، قبل ذلك. أخبرتني أمي ليلتها عن فلسطين وعن النكبة. تحدّثت عن أبي عمّار وعن بشير الجميّل. ووصلت أخيراً إلى انتصار أيار/ مايو عام 2000. ما زلت أفكّر بكل ما قالته حتى الآن. لقد ربطت أمي التاريخ كله بتسلسل غريب، وأكدت في النهاية أننا إذا متنا سنكون بأمان. وقالت: لا تخافي. لكنني بقيت خائفة.

كانت طائرة المراقبة “أم كا”، طوال الوقت فوق رؤوسنا. ما زلت أحياناً أسمع صوتها، إنما آتياً من الداخل، من روحي. كان لـلـ”أم كا” لقب “أم كامل”. ربما كان الناس يطلقون عليها لقباً قريباً منهم حتى يهدئوا الخوف أو حتى يتصادقوا مع مسبّبه. المهم، أصبحت أم كامل شخصية شعبية، وبات التندّر وتأليف القصص حولها وحول وأبو كامل والعائلة السعيدة، وسيلةً ممكنة لترطيب الهواء الذي أصبح جافاً كحطبة.

نمنا في ملجأ الجيران ليلةً أو اثنتين، على الأرض. النساء والأطفال في الملجأ، أما الرجال فبين البيوت، يظنون أنهم يحرسونها، ويطلقون العنان للأخبار والبطولات الأفلاطونية.

بعد ذلك، صدر الفرمان الرسمي من أبي وقرر أنّ علينا أن نرحل. لكننا لم نفعل. عاندنا. بعد أيام قصف بيت يُقال إنه كان يحوي مستودع سلاح لـ”حزب الله”، وكان ذلك بالقرب من منزل شقيقتي التي كانت حاملاً بتوأمين. انكسر كلّ شيء يومها. لم نعد ننام أبداً. استسلمنا وهربنا إلى قرية أمي المسيحية حيث “الأمان”.

كتبت مقالتي الأولى عن يوم الرحيل ذاك، وأرسلتها إلى إذاعة “صوت لبنان” التي كانت تقرأ في أحد البرامج مقالات يرسلها المستمعون الكرام. قرأوا المقالة وأبدوا إعجابهم بها. شعرت بأنني قد سجلت انتصاري الأول في هذه الحياة. يومها قررت أنّني لن أفعل شيئاً بعد الآن سوى الكتابة.

بعد 12 عاماً وبضعة أيام على تلك الحرب، سأحضر جناز جدّتي بعد سنة من وفاتها. طفلا أختي التوأمين سيبلغان الثانية عشرة. ريتا مثلي تطرح أسئلة لا تنتهي عن الحياة والموت والحرب. وها نحن نجلس على “سطيحة” بيتنا، نتوقّع حرباً ما، ربما تشنها إسرائيل، أو “داعش” أو على الأرجح القهر المتراكم. “حزب الله” حتى الآن شارك في أكثر حرب، فيما إسرائيل تتفرّج بخبثها على كل شيء. البلاد تترنح من هاوية إلى أخرى. الحكومة لا تتشكل. سقط أكثر من نصف مليون سوري على بعد كيلومترات من قريتي القريبة من الحدود اللبنانية- السورية. الموت في أوجّه في هذه البقعة. الحياة في آخر أيامها.

حين ستسألني ريتا في المرة المقبلة: “ما هي الحرب؟”، سأقول لها: ها هي…

 

إقرأ أيضاً