fbpx

هنا القصة الثالثة

عمّار المأمون

مقالات الكاتب

“وهم” الدراما الرمضانية: تعميم ثقافة طاعة السلطة

 

يحضر في علم الجمال مصطلح الـ” الباريرغون- Parergon”، بوصفه عنصراً ينتمي مادياً وجمالياً، إلى خارج العمل الفنيّ، لكنه في الوقت ذاته ملاصق له، على حوافه بصورة أدق، كالإطار، أو الكادر المزخرف، فهو الهامش الذي يحدد مساحة التلقيّ التي تحوي “الجهد الفنيّ”.

هذا المفهوم، يوظّف في المنتجات الثقافيّة بوصفها إطارات، تحوي ضمنها الجهود الرمزية التي تعكس سياسات السلطة، خصوصاً أن هذا الإطار يحدد أشكال الأداء وأنواع الحكايات، التي تكسب المضمون هويته الجماليّة من جهة، وكيفية تلقيه من جهة أخرى، فاللوحة نشاهدها ضمن إطار، والكتاب نقرأه ضمن غلاف، وفي “المُنتَجْ التلفزيونيّ”، زمن البث وتوقيته، هو الذي يحدد طبيعة المنتج، وشكل الجهود التقنيّة والأسلوبية التي يحويها، ومعالم الأيدولوجيا التي يتبناها، كما أن هذا الإطار هو ما يبرز هذه المنتجات ضمن زمن البث، ويجذب انتباهنا إليها كي “نستهلكها”.

التنظير السابق، هدفه عدم التسليم بوجود منتج “بريء”، من دون إطار، كإعلان شركة زين “للاتصالات” الذي بدأ بثه مع بداية شهر رمضان، ففي هذا الإعلان لا يحضر أي نوع من الاتصالات، فهو بروباغندا صرفة، تتحرك ضمنه سياسات المنتجين جمالياً، ضمن إطار “الإعلان”، بوصفه صيغة زخرفيّة للخطاب السياسيّ، الذي يصل حد البلاهة بحسب ما نرى في “الإعلان”، فمن قتل الأطفال في سوريا واليمن؟، من سبب غرق الناس؟، أين منظومة الأسد وحلفائه والاحتلال الإسرائيلي؟

هذه الأسئلة مرتبطة بـ”الترفيه” و”زمنه” كإطار، لتحويل الخطاب السياسي، عبر جهود فنيّة وتقنيّة، إلى منتج جماهيري، والأهم أن هذا “الباريرغون”، هو ما يميّز، نظرياً، القرارات السياسية والأخبار الجديّة، عن الترفيه والتسليّة.

ومقدار الانتقادات الهائل الذي يمكن توجيهه للإعلان، ينسحب على صناعة “المسلسلات الرمضانيّة”، بوصفها منتجات مخصصة للبث الجماهيري. هي جهود (جماليّة) مبرمجة ومؤطرّة، تختزن سياسات السلطة والمنتجين، وهدفها خلق الوعي المصطنع بـ”الحياة اليوميّة”، وإنتاج معالم للأدوار التي يفترض بالمستهلكين تبنّيها أو تجنّبها.

هذه “المنتجات” الاستهلاكيّة تهيمن على أوقات الفراغ، وتستهدف زمن اللاعمل، الناتج عن برمجة إيدولوجيّة للنشاط الإنسانيّ، فالزمن الديني يعطل الزمن الاقتصاديّ في المنطقة العربيّة، لتغدو أوقات المشاهدة والترفيه مرتبطة به، فزمن الراحة، له منتجاته وإطاراتها، لترسيخ الخطاب السياسي، عبر 30 حلقة. تملئ هذه “الأوقات”، التي يكون فيها الفرد أكثر هشاشة، هو لا يُنتج فيها، لكنه يُبرمج، حيث تتسلل الحكايات والمقارنات والحقائق السياسية إلى وعيه، من دون صخب الأخبار والتغطيّة المباشرة والتقارير الجديّة.

هذه “البرمجة” نراها في مشهد من مسلسل “وهم” (إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي في سوريا)، إذ نرى شخصيتين تصارعان لأجل البقاء، وكل ليلة، تغلقان باب الدكان، في حي شعبيّ مجهول الهويّة، وتشاهدان الفيلم ذاته مراراً “2000 مرة بحسب تعبير إحداهما”. أثناء ذلك يشرب الشخصان الكحول، ويقرران تعمير غُرفٍ مخالفةٍ على الأسطح، فزمن الراحة، هو زمن التخطيط للـ”عمل”، وفيه يتحدثان عن انتشار المخالفات في دمشق، ورغبتهما في المشاركة بهذا “الإعمار” العشوائيّ،  ما يجعل زمن المشاهدة الخاص، يوحي “للمشاهد” بآليات الإنتاج ضمن فضاء السلطة العام، لكن، هما يشاهدان فيلماً أجنبياً، لا نعلم ما هو، ما يجعل زمن استهلاك “المُنتج اللاوطنيّ” مرتبطاً بمخالفة القانون، وكأنهما يشكلان تهديداً من نوع ما، كونهما لا يتابعان ما يراه الآخرون عادة.

ضمن أي إنتاج، لا ينفصل الفنيّ عن الخطاب السياسي، فالشكل الجمالي الذي يسعى إلى محاكاة الواقع، يخلق النماذج التي يجب اتباعها أو تجنّبها، ففي “وهم” أيضاً، يبدأ المسلسل بصورة لسوريين على شاطئ البحر، موتى بعد غرقهم، ورحيلهم عن سوريا التي لا نعلم ما يحصل فيها. ولاحقاً، نرى أن من يريدون السفر من الشباب، يستغلهم المهرّب ويسلّمهم إلى “إمارة إسلامية”، تبتز أهلهم في سبيل النقود، أما  الشابين الآتيين من حمص، فما زالت تراودهما فكرة السفر، إلا أنهما أسيرا النصائح بالانشغال بأمور حياتهما، من طعام وشراب في سبيل النجاة، ما يدفع أحدهما إلى السرقة، كونه بلا عمل ويريد الرحيل، إذ لا حضور للسياسي في رغبات الشخصيات، وكأن الحكايات الفرعيّة هذه تعكس بروباغندا الأمن والأمان، أن لا ترحلوا أيها الأشقياء، البلاد بخير، والبناء آتٍ. أما المشكلات والحقوق السياسيّة، فليست إلا حفرة في الشارع، نتيجة سوء تنظيم في الطريق يلام عليه رئيس البلديّة المرتشيّ، فالفساد ليس مشكلة، بل عائق يمكن تجاوزه. إنها السذاجة ذاتها التي استخدمها النظام السوريّ في بداية الثورة السورية، حيث كل المشكلات في البلاد خدميّة، لا تتجاوز شارعاً محفوراً أو طريقاً سيئاً.

تُجزئ هذه المنتجات التجربة الإنسانيّة، عبر التقنيات السرديّة والآلية، فالحكايات وأساليب تكوينها والصراعات فيها، لا تتعدى التساؤلات الشخصيّة أو هموم الحياة، لترسم أشكالاً للانصياع ضمن المساحات الآمنة. هذه الأساليب في خلق الوعي، ذات تأثير أكبر من القوانين والأعراف، إذ تبدو وليدة الآن، كونها تعيد تكوين التجربة الإنسانيّة، ضمن منطق يطابق خطاب السلطة، وتقدم الشكل الأمثل، لما يمكن أن يكون عليه الفرد، سواء  كان جيداً أو سيئاً، وهذا ما نراه في جريمة قتل زوجة مسؤول في الدولة في “وهم”، إذ يتخلل التحقيق خطابات وطنيّة عن هيبة الدولة، وأن “ما حدث” في سوريا، جعل الإعلام أكثر حرية، ما يترك المشاهد مذهولاً أمام “انضباط” عناصر السلطة في سوريا، وحذرهم ودقتهم في التعامل مع مسرح الجريمة، خصوصاً أنه “أصبح من الصعب شراء جريدة وكم أفواه صحافييها”.

الأهم أن هذه المنتجات تدّعي تلبية حاجات المشاهد، فما الذي يريده الفرد في وقت فراغه؟ الضحك، الجنس، المغامرات؟ لكن حقيقة، هي إطار صناعيّ يولد أدوار الطاعة، وهذا هو جوهر الصناعة الثقافيّة، واختلافها عن “الفن”، فبعيداً من أشكال الابتذال المختلفة، وضعف الصنعة، هذه المُنتجات عبر استغلالها زمن المشاهدة، تبني وعي الفرد بما حوله، كما في الحالة السورية، ففي ظل غياب المواطنة أو حماية القانون، يُنتجْ الفرد ذاته عبر الانصياع، ونزع السياسة من حياته،  فالأدوار التي نراها على الشاشة أداتيّة، تصب نهاية في مصلحة السلطة، كأن لا تهرب كي لا يخطفك الإرهابيون الأشرار، الأتراك سيئون سيبيعونك، اعملي لتحصلي على الدواء لوالدك المريض، إذ لا ضمانات صحيّة في البلاد.

 

إقرأ أيضاً