fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

وجه الشبه بين المذهبية اللبنانية والمذهبية العراقية

الفارق يضعف بين الطائفية اللبنانية ونظيرتها العراقية. ثمة عامل خارجهما يقربهما من بعضهما بعضاً. إنه انجذابهما إلى مصادر تُغذيهما من خارجهما. الجماعتان الشيعيّتان موصولتان سياسياً بجذر إيراني راح يرفدهما بطقوس وأحجية اشتركتا في استقبالها واستدخالها إلى منظومة الهذيان الجماعي المذهبي. الأمر نفسه يصح على حال الجماعتين المذهبيتين السنيتين في العراق وفي لبنان، لكن سببه ليس عاملاً من خارجهما، فالشبه والقرابة أصابتهما جراء تخبطهما بهزيمة صدعت البنية السياسية وبالتالي الاجتماعية لكل من الجماعتين، وألحقتهما حيث تلحق الجماعات المترنحة بهزيمتها. وإذا كان سبب لحمة الشيعة العابرة للحدود وجود خارج قوي، فسبب فرقة السنة هو ضعف “خارجهم” وتشتته.

اليوم ينتظر كل من العراق ولبنان استحقاقاً انتخابياً وشيكاً سيشكل مسرحاً لاختبار هذا الافتراض. الانتخابات في مشرقنا لا تعني شيئاً سوى أن تختبر الطوائف والمذاهب أمزجتها، وأن تمتحن تماسكها. في لبنان تحالفت قوى الطائفة الشيعية الرئيسة (حزب الله وحركة أمل) في كل الدوائر الانتخابية. أما في العراق، فلم تتأمن هذه المهمة لأن الشيعة في ذلك البلد غير مهددين. الانتخابات في العراق هي تنافس بين الشيعة والشيعة بالدرجة الأولى. السنة ملحقون بانقسامات الشيعة ولا قدرة لهم على منافستهم، والأكراد منشغلون بانقساماتهم وبهزيمتهم في كركوك، والانتخابات في مناطقهم ستكون تصريفاً لهذين الهمّين بالدرجة الأولى.

وإذا كانت إيران مطمئنة لتحالف الشيعة في لبنان، فهي لا تبدو قلقة من تنافسهم في العراق. وفي كلا الحالين يلوح السنّة بصفتهم مؤشراً من خارج الجماعة. فالتنافس بين الشيعة في لبنان في ما لو حصل، فهو سيعيد للسنة بعض الأنفاس، أما في العراق فالهزيمة عميقة إلى حدٍ لا يتيح للسنّة طموحاً في المنافسة.

الجماعتان السنيّتان في كل من العراق ولبنان تخوضان الانتخابات من دون أوهام استعادة الموقع. في لبنان استسلم السنة لتصدر “حزب الله” الدولة والسلطة وحتى الاقتصاد، وفي العراق كانت الهزيمة ساحقة إلى حد لم تتمكن معه قوة انتخابية سنية واحدة من أن تطرح على نفسها وعلى ناخبيها طموح استعادة الموقع. لا وجه سنياً واحداً في العراق يمكننا أن نقول إنه يحمل مشروع هذه الجماعة. والمفارقة الكبرى على هذا الصعيد، هي أن البحث عن هذا الوجه أفضى بالطامحين إليه إلى العثور على إياد علاوي، والأخير شيعي طبعاً، وهو عجز لهذا السبب عن أن يكون على رأس كتلة سنية، وعجز عندما فاز في الانتخابات عن أن يكون رئيساً للحكومة، ذاك أن المنصب بحسب مرجعية النجف هو لـ”الشيعة” وليس لـ”شيعي”.

وإذا كان الشيعة في كلا البلدين منجذبين إلى مشروع خارج حساباتهم الوطنية، هو المشروع الإيراني، فإن الخارج بالنسبة إلى الجماعة السنية يضاعف تشتتها وفرقتها. الخارج المذهبي بالنسبة إلى الجماعة السنية لا يقع في منطقة هموم الجماعة العراقية. تركيا منشغلة بـ”الخطر الكردي” والخليج غارق في اليمن وفي انخفاض أسعار النفط، ومصر تترنح في أزماتها الخاصة وفي اختناقها بنظام عسكري جديد.

الانتخابات في لبنان وفي العراق هي أيضاً مرآة لهذا الواقع. القوى الشيعية تصول وتجول فيها، متحالفة في لبنان ومتنافسة في العراق، فيما القوى السنية تبحث عن متنفس يخفف عنها حال الاختناق الذي تعيشه. سعد الحريري في لبنان لا يشبه نفسه في هذه الانتخابات. يتصرف كمن فقد البوصلة المذهبية. خسر حلفاء في الطائفة وفي خارجها. بعضهم الآن صديق لقطر وبعضهم صديق للإمارات، وهو إذ استدرك تصدُّع علاقاته مع السعودية في لحظات الانتخابات الأخيرة، لم يترتب على هذا الاستدراك ما يساعده على التقاط أنفاس انتخابية. أما في العراق، فحال السنة أشد بؤساً، ذاك أن الموصل مثلاً، وهي أكبر مدنهم، سيمثلهم من وجوهها قادة “الحشد العشائري” ممن يقودهم “الحشد الشيعي”، وهذا الأخير بدوره ينتظر فتوى مرجعية النجف حتى ينطلق في المنافسة.

لكن لتعميم الهزيمة في الحال السنية وزهو الانتصار في الحال الشيعية، وهذه مغامرة ذهنية تستحق أن تخاض، وجهاً مأسوياً أيضاً، ذاك أن البُلدان المعنية بهذه المعادلة، وهي على الأقل لبنان وسورية والعراق، لم تعد بلداناً، وجماعات البلد الواحد غير مكتفية بما يطرح عليها بلدها من طموحات. الشيعة في لبنان يخوضون انتخابات إقليمية وليست لبنانية، وزعيمهم قال لناخبيه، “أنتم تقترعون لمشروع عابر للحدود”، والسنة في لبنان يحصدون نتائج هزيمة “إخوانهم” في العراق وفي سورية. وإذا كانت الحشود العشائرية السنية مصدر ترزق المرشحين من مشايخ عشائر الموصل على أبواب السلطة الشيعية في العراق، فإن الانتخابات اللبنانية تحفل بما يوازي هذه الحقيقة، فالطوائف خبيثة أكثر من الأحزاب، ويمكنها أن تفتح لسعد الحريري أبواب رزقٍ موازية لما خسره، على أن يتعلم سَعْدٌ الدَرْسَ.

إقرأ أيضاً