fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم محمد

مقالات الكاتب

هيثم محمدين في السجون المصرية: كيف تحلم بوطن فتصبح خلف القضبان

 

وجهٌ مألوف، لن تتعثّر في العثور عليه بين صفوف التظاهرات، والوقفات الاحتجاجية، والاعتصامات الحقوقية والسياسية والعمّالية.
إنه هيثم محمدين، المحامي والناشط العمّالي، المولود عام 1982، الذي يقضي في السجن أيّامه، على ذمّة التحقيقات، منذ قبضت عليه قوّات الأمن المصرية، فجر يوم 18 أيار/ مايو الماضي، من منزله، واقتادته إلى مكان مجهول، لم يتم الإفصاح عنه، حتى ظهوره في نيابة أمن الدولة، ظهر اليوم التالي، في مخالفة واضحة للقانون.

يواجه محمدين، الذي قرّرت نيابة أمن الدولة، أخيراً، تجديد حبسه 15 يوماً، على ذمّة التحقيقات، جملةً من التهم الملفّقة، على خلفية القضية المعروفة إعلامياً بـ”الاحتجاجات ضد زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق”.

ومن بين تلك التهم، التي درجت الأجهزة الأمنية على استدعائها للتضييق على النشطاء والحقوقيين، العاملين في المجتمع المدني والسياسي، خلال السنوات الخمس الماضية، هي ارتكابه (أي هيثم محمدين)، ومعه عشرون متّهماً، في القضية ذاتها، جرائم الاشتراك مع جماعة أنشئت خلافاً لأحكام القانون، تعمل على منع مؤسّسات الدولة من مباشرة عملها، والتجمهر المخلّ بالأمن والسلم العام، إضافة إلى مقاومة السلطات.

واعتبر حزب “عيش وحرية” اليساري، تحت التأسيس، الذي أعلن تضامنه مع “المناضل الاشتراكي”، أن هيثم محمدين، محبوس على ذمة قضية “ملفّقة”. ووصف البيان الصادر عن الحزب أن ما يتعرّض له محمدين يأتي في سياق الانتقام الأمني المستمر من رموز النضال السياسي.

ثمة موقف واضح وصريح لمحمدين في معارضته وخصومته مع السلطة السياسية الموجودة في مصر منذ 3 تموز/ يوليو 2013، لا يختلف في جوهره عن مواقفه السابقة وانحيازاته التي يتبنّاها كأحد المدافعين عن حقوق الطبقات الفقيرة والمهمّشة والعمّاليّة من موقعه كماركسي، يستعين بالتحليل الطبقي في توصيف طبيعة السلطة التي يعتبرها كياناً مستغلاً ومافيوياً، ينهب ويستغل الثروات، ولا يُعنى سوى بمصالحه الفئوية ضد الشعب.

دشّن محمدين في أعقاب عزل محمد مرسي عن الحكم جبهة طريق الثورة “ثوار”، وسعى إلى أن تكون بمثابة ميدان ثالث، خارج هيمنة المؤسسة العسكرية التي تحرّكت منذ الربيع العربي نحو فرض رؤيتها وواقعها على الحياة السياسية المصريّة، وتقويض الحراك الديموقراطي، وبالتالي خلق انفراجة في المجتمع في ظل الانسداد الذي يؤبّده وجود الإخوان في الحكم.

هيثم محمدين خلال محاكمته

خاض القيادي في حركة الاشتراكيين الثوريين معركة ضد النظام في قضية نقل تبعيّة جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، بموجب اتفاقية ترسيم حدود تم إبرامها في نيسان/ أبريل 2016.

واعتبر محمدين أن المنتفع من الاتفاقية هي إسرائيل، وأن وجود قوّات سعودية في الجزيرتين، يجعلهما بمثابة أرض محتلة. وهتف ضد النظام: “اللي يبيع تيران وصنافير، بكرا يبيع شبرا وحلوان”.

فيما بعد، وتحديداً في 22 نيسان 2016، تعرّض محمدين إلى الاعتقال ضمن حملة اعتقالات واسعة، بسبب حملة الدفاع عن الأرض التي تبنّاها وانتمى إليها الكثير من الشباب المصري، ضد سَعْودة الجزيرتين وتفريط النظام فيهما.

“في ظل تأميم المجال العام وتكميمه وأفوله بقبضة أمنية صارمة وموغلة من المركز إلى الهامش، وحتى الأطراف، لم يعد المرء آمناً، حتى في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي”

أسفرت هذه الحملة الأمنية المستعرة عن اختفاء المئات نتيجة القبض العشوائي على الشباب من الشوارع ومن المقاهي في منطقة وسط القاهرة، وتزامنت معها حملة منظمة في عدد من محافظات الجمهورية. وتم إخلاء سبيله، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته. إذاً، تعرّض محمدين في يظل حكم السيسي للاعتقال والتوقيف أكثر من مرّة، وفي قضايا مختلفة.

وأبرز القضايا التي قبض عليه فيها، عندما أوقفته قوّات الجيش المصري في كمين في السويس، في أيلول/ سبتمبر 2013، وقد كان في طريقه إلى التضامن مع إضراب عمّال مصنع إسمنت، واتّهم حينها بـ “التعدي على ضابط جيش أثناء تأدية عمله”. ولكن أفرج عنه بعدها بنحو 48 ساعة.

من المثير للسخرية أنه، في كانون الثاني/ يناير 2015، قرّرت لجنة حصر أموال جماعة الإخوان المسلمين، التابعة لوزارة العدل، التحفّظ عن أموال 112 شخصاً وممتلكاتهم، من ضمنهم اثنان من الاشتراكيين الثوريين، وهما هيثم محمدين وهشام عبد الرسول، وشمل قرار التحفّظ كل الممتلكات العقارية والسائلة والمنقولة والحسابات المصرفية والودائع المسجّلة بأسمائهم في المصارف.

وفي أعقاب هذا القرار، علّق أحد إعلاميي الدولة المحسوبين على النظام، هازئاً وواصفاً محمدين بأنه لا يملك في جيبه سوى “خمسة جنيهات” (أقل من دولار).

لم يجد الشاب الثلاثيني بدّاً من التعليق، في حينها، على هذا القرار، فقال: “المذيع اللي بيذيع خبر التحفّظ على أموالي بيقول: طيب واحد زي هيثم محمدين معهوش خمسة جنيه، في جيبه هتعملوا معاه إيه. أنا اتفضحت يا جدعان… التحفّظ على أموالي، غير الموجودة، أصلاً”.

وقد ذكّرت منظمة العفو الدولية بقضيّة محمدين في تقرير أصدرته قبل أيام بمناسبة عيد ميلاده، قائلة إنّ “المحامي وسجين الرأي هيثم محمدين يقضي اليوم، عيد ميلاده، في السجن، بتهم لا أساس لها من الصحة”.

وأشار البيان الصادر عن المنظمة الدولية إلى أن اعتقال محمدين جاء ضمن حملة قمع مستمرّة على المعارضة، بلا هوادة، منذ الانتخابات الرئاسية.

إقرأ أيضاً: الصحافة المصرية في زمن “مكرم”: ممنوع الاقتراب أو التصوير

وفي وقت سابق، أوضحت نجية بونعيم، مديرة حملات شمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، عقب اعتقال هيثم محمدين، أن المنظمة تشعر بقلق عميق إزاء اعتقاله، مشيرة إلى أنه دافع عن مئات العمّال الذين تعرّضوا للاضطهاد لتشكيل نقابات مستقلة والمطالبة بظروف عمل أفضل. وقد تعرّض بنفسه للاضطهاد مرّات عدة من قبل السلطات المصرية بسبب عمله في مجال حقوق الإنسان، وكذلك في مركز النديم.

ودعت مديرة حملات شمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية السلطات المصرية، إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن هيثم محمدين.

وتابعت: “بدلاً من اعتقال المصريين الذين يدافعون عن حقوق الإنسان للآخرين، على السلطات العمل مع هؤلاء الناشطين وتمكينهم من العمل”.

فواقع الحريات في مصر بات أليماً، ولا حريّات أصلاً موجودة لتوصيفها. لم يعد ثمة هامش لحرية التعبير والصحافة، والأمر متماثل بالنسبة إلى حرية العمل السياسي والمجتمعي، سواء التنظيمي أو الحر.

ففي ظل تأميم المجال العام وتكميمه وأفوله بقبضة أمنية صارمة وموغلة من المركز إلى الهامش، وحتى الأطراف، لم يعد المرء آمناً، حتى في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، من المراقبة من جهات الأمن. وكم من السهل أن يقود مجرّد “بوست” إلى السجن.

بحسب ما وثّقه موقع “ويكي ثورة”، فقد شهدت الفترة من 3 تموز/ يوليو 2013، إلى 15 أيار/ مايو 2014، عمليّات قبض على حوالى 41164 شخصاً، من بين هؤلاء 3048 شخصاً من القيادات الإخوانية، بمختلف الدرجات التنظيمية.

وفي تقرير أصدرته “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”، وهي منظمة حقوقية محلية، مقرّها القاهرة، كشفت عن وجود أكثر من 106 آلاف سجين في المعتقلات المصرية، حتى نهاية عام 2016.

إقرأ أيضاً