هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

هل يُعد احتجاج ناتالي بورتمان على إسرائيل نقطة تحول؟

ربما كان الحائط يبكي في الأسبوع الماضي. كيف تمكنت الممثلة الإسرائيلية المنشأ ناتالي بورتمان الحائزة جائزة أوسكار، وكذلك الباحثة في واحدة من أعرق الكليات اليهودية في الولايات المتحدة، من ضرب إسرائيل بلكمة ثنائية في الذكرى السبعين لتأسيسها كدولة؟

أولاً، صوّت طلاب كلية بارنارد للفنون الحرة النسائية تقريباً لمصلحة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS، وسيطلبون من الجامعة الامتناع عن التعامل مع ثماني شركات تستفيد أو تشارك في معاملة دولة إسرائيل السيئة للفلسطينيين.

ثم قامت بورتمان بالامتناع عن حضور حفل توزيع جوائز “جينيسيس”، والذي يعرف أيضاً باسم “جائزة نوبل اليهودية”، لتسلم جائزة رفيعة قيمتها 2 مليون دولار أميركي- إذ كان من المقرر تكريمها هناك في شهر يونيو/ حزيران. قال وكيل أعمالها في البداية إنها وجدت “الأحداث الأخيرة” في إسرائيل “مؤلمة”. (إذ قُتل ما لا يقل عن 34 متظاهراً فلسطينياً على يد القوات الإسرائيلية على الحدود بين غزة وإسرائيل منذ أن أطلق الفلسطينيون ما يسمونه “مسيرة العودة الكبرى” في 30 مارس/ آذار).

تمسك النشطاء المؤيدون لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS، بإعلان بورتمان كدليل على أن العدد المتزايد من مشاهير هوليوود (عدد منهم يهود) الذين يتحدثون ضد السياسة الإسرائيلية في غزة وفي الضفة الغربية، يصل إلى نقطة حاسمة.

ثم أصدرت بورتمان بياناً على موقع “إنستغرام” في وقت متأخر من يوم الجمعة قالت فيه إن قرارها “أسيء توصيفه” والسبب الفعلي لرفضها حضور الحفل هو وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقالت، اخترت عدم الحضور لأنني لم أكن أريد أن أبدو وكأنني أؤيد بنيامين نتانياهو، الذي كان من المقرر أن يلقي خطاباً في الحفل”. وأضافت “ومن المنطلق ذاته، أنا لست جزءاً من حركة المقاطعة BDS ولا أؤيدها”.

وتابعت: “مثل العديد من الإسرائيليين واليهود في جميع أنحاء العالم، يمكنني أن أنتقد قيادة إسرائيل من دون الرغبة في مقاطعة الدولة بأكملها. أنا أعتز بأصدقائي وعائلتي الإسرائيليين والطعام والكتب والفن والسينما والرقص الإسرائيلي. أُسست إسرائيل قبل 70 عاماً كملاذ للاجئين من الهولوكوست. ولكن إساءة المعاملة تجاه أولئك الذين يعانون من فظائع اليوم، لا تتماشى ببساطة مع قيمي اليهودية. لأنني أهتم بإسرائيل، ينبغي علي أن أقف ضد العنف والفساد وعدم المساواة وسوء استخدام السلطة”.

أدت إهانة بورتمان مؤسسة جائزة جينيسيس، وهي منظمة تأسست عام 2012 من قِبل الأقلية اليهودية الروسية، إلى إثارة غضب السياسيين اليمينيين الإسرائيليين لدرجة قول أحدهم إنه يجب تجريد بورتمان من جنسيتها الإسرائيلية.

لم يحظى تصويت كلية بارنارد المؤيد لحركة المقاطعة بقبول أفضل من ذلك بكثير. وجاء في افتتاحية في صحيفة “نيويورك ديلي نيوز” إن “حركة المقاطعة هي مجرد ترهات خالصة”، وأضافت أن النساء الشابات، الذكيات اللواتي تقدمن بأغلبية ساحقة في بارنارد، قد خُدعن من قبل حركة معادية للسامية عازمة على تدمير إسرائيل.

قبل أن تصدر بورتمان بيانها التوضيحي في وقت متأخر من يوم الجمعة، اتهمت وزيرة الثقافة الإسرائيلية، ميري ريغيف بورتمان بالسقوط “كثمرة ناضجة في أيدي مؤيدي حركة المقاطعة”.

هناك عدد هائل من أصدقائي الأميركيين تجاوزوا الـ30 عاماً، لم يسمعوا أبداً عن حركة المقاطعة، ولكن إذا كنت تريد الإشارة إلى نظريات المؤامرة (الصامتة) فلا يمكنك أن تلوم جورج سوروس هذه المرة.

على رغم ذلك، يُمكنك أن تشير إلى أشخاص مثل الملياردير المحافظ صاحب الكازينوات شيلدون أديلسون، الذي يُعتقد على نطاق واسع أن فرقة المهام مكابي Maccabee Task Force المتعصبة الخاصة به والتي تشكلت عام 2015 لمحاربة حركة المقاطعة كانت وراء أمور أخرى من بينها حملة الملصقات في حرم الجامعات التي استهدفت علناً النشطاء المؤيدين لحركة المقاطعة والمؤيدين للفلسطينيين من طريق وصفهم “بالإرهابيين”.

ووفقاً لصحيفة “الغارديان”، يموّل أديلسون أيضاً منظمة This World The Values Network، أو “منظمة هذا العالم”: شبكة القيم التي أسسها الحاخام شمولي بوتيتش، والتي اشتهرت بملاحقتها إلغاء المغنية لورد في وقت سابق من هذا العام عندما ألغت خططاً لتقديم عروض في تل أبيب. كتب بوتيتش إعلاناً على صفحة كاملة في صحيفة “واشنطن بوست” لوصف المغنية الشابة التي تبلغ من العمر 21 عاماً بأنها “متعصبة”.

ساعدت الحروب الصليبية ذو القبضة الحديدية والممولة بقوة من قبل أشخاص مثل أديلسون على دفع تشريعات مناهضة لحركة المقاطعة في الولايات المتحدة وبلدان أخرى، وأثنت بعض المنشقين، لكن كان لها أيضاً تأثير عكسي.
وكتبت خريجة كلية “بارنارد”، جيني سينغر في صحيفة “ذا فوروارد” يوم الخميس، “إن تصويت بارنارد المؤيد نشطاء حركة المقاطعة هو ما يحدث عندما لا تسمحون لنا بالسؤال بشأن إسرائيل”.

أوضحت سينغر أنها وصلت إلى بارنارد وهي تعرف فقط قصة خيالية أسطورية عن إسرائيل بعد أن قضت 18 عاماً من التعليم اليهودي. وقالت إنها لم تكن مجهزة بشكل جيد لمناقشة زملائها الطلاب الذين اتهموا إسرائيل بالتمييز العنصري والإبادة الجماعية اليومية ضد الفلسطينيين.

وتابعت سينغر: “عندما نُعلّم الأطفال اليهود أن يحبوا إسرائيل دون نقاش، عندما لا نذكر كلمة “فلسطيني”، عندما نمد الأطفال بالحمص والفلافل بدلاً من الحقائق التاريخية، فإننا بذلك نؤذي إسرائيل”.

أنا لست يهودية ولكن مرتبطة بشكل غريب بما قالته سينغر، ولا سيما بعد وصولي إلى إسرائيل للمرة الأولى في وقت سابق من هذا الشهر، في الوقت نفسه الذي بدأت فيه الاحتجاجات في غزة.

اعتقدت أنني أعرف المزيد عن إسرائيل أكثر من المواطن الأميركي العادي. لقد غيرت السنوات التي عشتها في فرنسا في وجهة نظري “الخيالية” التي تأصلت داخلي منذ الطفولة، وهي أن إسرائيل كانت دولة فوق الشبهات بسبب ما حدث لليهود في الهولوكوست.

أما الآن، فأنا على دراية بالمنتقدين المتشددين لإسرائيل، جميعهم من نورمان فينكلشتاين وصولاً إلى ماكس بلومنتال، إضافة إلى “المحارب الإسرائيلي” كما يصف نفسه، شميولي بوتاتش، الذي كان صديقاً لمدة 15 عاماً، ودعاني ذات مرة إلى منزله من أجل حضور وليمة يهودية تُسمى سدر Seder.

لكن عندما وصلت بالفعل إلى إسرائيل، شعرت بأن الجميع- من بورتمان إلى نتانياهو- قد دفنوا الماضي.

جعلتني تلك العقود من مشاهدة الأفلام والبرامج التلفزيونية وقراءة الكتب حول الهولوكوست أتخيل إسرائيل من خلال منظور المأساة والتضحية والشفقة فقط- على رغم احتلال غزة المروع وأيضاً الضفة الغربية.

لم أكن مستعدة لأشعر بالرهبة من إسرائيل، حتى لو لم تكن هذه هي الكلمة الصحيحة تماماً. ربما كان الأمر أكثر من مجرد كونه غيرة حلوة ومرة، نيابةً عن جميع أجدادي الإيرلنديين الكاثوليكيين.

فقد خطرت ببالي بينما كنت أشاهد حياة الرائد الصهيوني تيودور هرتزل المعروضة في متحف هرتزل في القدس أو عندما نظرت إلى أفق تل أبيب البراق من مدينة يافا العربية القديمة التي تضاءل حجمها الآن. أو في صفحات الكتاب الكلاسيكي “يا أورشليم” O Jerusalem، حول النضال الشرس والمظفر لإسرائيل عام 1948، الذي تقرأه بكل إثارة.

كما أن الشعور بأنك في مكان موجود من طريق القوة المحضة للإرادة والمهارة، يعد شعوراً مرعباً.

بعد الهولوكوست، هزم اليهود العرب، واستولوا على هذه الأرض، وبنوا هذه الدولة الحديثة القوية كاملة بالأسلحة النووية في سبعين عاماً فقط. وفي أوقات فراغهم، أعادوا إحياء لغة مندثرة يتحدث بها الجميع اليوم بشكل مخيف كما لو كان الأمر الأكثر طبيعية في العالم.

تحمل الكاثوليكيون الإيرلنديون على نحو معروف 800 عام من الاضطهاد والقمع في ظل الحكم البريطاني، بما في ذلك مصادرة غالبية أراضيهم في أقل من قرن من الزمان والقضاء على لغتهم.

حصلت إيرلندا على استقلالها عام 1922، ولكنها لم تسترد مقاطعاتها الست المتبقية من البريطانيين، والأكثر من ذلك، أنها لم تعد مهتمة على الإطلاق حتى مع التهديد الأخير الذي صاحب خطة انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، بفرض حدود جديدة قاسية. إضافة إلى أن فرص استعادة اللغة الغيلية باعتبارها اللغة الرئيسية تكاد تكون معدومة. لقد تغلب الإيرلنديون على البعض، ولكن ليس بما فيه الكفاية على الأقل مقارنة بالوضع هنا.

لذا شعرت بالغيرة والتواضع أمام إسرائيل- وهو أمر ممتع بعد أن اعتقدت أنه مكان ينبغي عليك إما أن تشفق عليه أو تهاجمه أو تدافع عنه.

دانا كيندي

هذا الموضوع مترجم عن the daily beast ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.


إقرأ أيضاً