fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

هل يستطيع الروبوت معرفة ما نريد أن نأكله؟

قال لي جايسون كوهين باقتناع تام: “أرى أنَّ جميع منتجات الأطعمة والمشروبات المعروضة في الأسواق اليوم، تقريباً سيّئة. لا يوجد- حرفيّاً- أيّ مُنتج مصمّم لي”.

كوهين هو المؤسّس والمدير التنفيذي لشركة Analytical Flavor   Systems ، الناشئة التي مقرّها في نيويورك، وتهدف إلى بدء عصرٍ جديدٍ من الطعام ذي الطابع شديد التخصّص والفرديّة. نلتقي في مقهى أستراليّ فخم قريب من مكتب الشركة في المنطقة المالية- وهو من الأماكن التي توفّر خيارات متعدّدة من القهوة، مستوردة من مصدر واحد، والتي تُعدّ بسكب الماء على ورقة ترشيح تعلوها القهوة- ومن ثم يمكنه إخباري عن منصة الذكاء الاصطناعي الخاصة به، والمُسمّاةGastrograph ، التي تعني “مخطاط حركة المعدة”، والتي قال إنَّها يُمكن أن تستخدم لتحديد التفضيلات الذوقيّة بالتفصيل وبسهولة ودقّة غير مسبوقتين. كوهين رجل طويل هزيل الجسم، هادئ الطباع، له شعر أشقر بلون القشّ المبلّل. ويحتسي قهوته بتركيز مدروس، ذلك التركيز الذي يمتلكه شخص يأخذ المذاق على محمل الجدّ إلى أبعد حدّ.

في سعيها إلى تصنيع طعامٍ يعرف عنك معلوماتٍ أكثر، فإنَّ أداة Analytical Flavor Systems ، الأساسيّة لتجميع البيانات هي تطبيق الهاتف المحمولGastrograph . وتتمثّل الخاصيّة الرئيسيّة للتطبيق في عجلة مكوّنة من 24 سلكاً، تمثّل كلّ شريحة فئة متميّزة من التجارب الحسيّة، مثل “لحميّ” أو “مرّ” أو “القوام”. يحدّد المتذوّقون حدود إدراكهم النكهة من طريق تتبّع الشريحة التي تُطابق الصفات المكتشفة، ومن ثم يحدّدون حدّة كلّ نكهة على مقياس من واحد إلى خمسة. وتسمح قائمة فرعيّة بسجل أدقّ عن التجربة، أي تحديد نوعية “اللحمي” هذا، على سبيل المثال، تحديد ما إذا كان بقريّاً، أو شبيهاً بالنقانق، أو حتّى اختيارات أغرب مثل لحم الموظ والكنغر. ومن ثم يحثّ التطبيق المتذوّقين على إعطاء المنتج تقييماً بحسب تفضيلهم على مقياس من واحد إلى سبعة.

ويجمع تطبيق Gastrograph أيضاً بيانات عن الشخص المتذوّق-معلومات ديموغرافيّة، ومعلومات عن المستويين الاقتصاديّ والاجتماعي، والتجربة السابقة مع المنتج، عادات التدخين وغيرها- وكذلك معلوماتٍ عن البيئة المحيطة، مثل درجة الحرارة والضغط الجويّ ومستوى الضوضاء، وهي الأشياء التي يُمكن أن تؤثّر في تجربتنا في تذوّق الأشياء. شرح كوهين قائلاً: “نحن نفتح- حرفياً- جميع أدوات الاستشعار التي يحتوي عليها الجهاز”، بما فيها الميكروفون، ومقياس الضوء، ونظام تحديد المواقع العالميGPS “. وأضاف: “نحن نجمع بيانات المجال المغناطيسي أيضاً، التي لا تنبئ حتى الآن بأيّ شيء، ولكن يوماً ما…”، هزّ كتفيه بلا مبالاة. من يدري ما الذي يمكن أن تكشفه البيانات عن تأثير الغلاف المغناطيسي في قدرتنا على تحديد الملوحة؟

يُعدّ هذا كلّه محاولة للكشف عن أكثر المجالات خصوصيّة: عالم النكهات الحميم الذي يفوق الوصف. النكهات التي تسلب لُبّنا وتلك التي تثير اشمئزازنا، هي قبل كلّ شيء نكهات ذات خصوصيّة فرديّة للغاية، تشكّلها البيولوجيا والثقافة والتاريخ الشخصيّ. لكنَّ قوّة الذكاء الاصطناعي لـGastrograph، تكمن في قدرته على صياغة التفضيلات الذوقيّة والتكهن بها لشرائح تزداد دقةً من الجمهور المستهلِك، من طريق إعطاء شركات الأطعمة والمشروبات المعلومات التي تحتاج إليها لتطوير منتجات أقرب ما تكون إلى الكمال بالنسبة إلى عددٍ متزايدٍ من الإحساسات الدقيقة. يحلم كوهين باليوم الذي يصير فيه لكلّ واحد منا كيس “دوريتوس” خاصّ به.

لا تمتلك الخوارزميّات براعم تذوّق، ولا تحصل شبكة عصبونيّة اصطناعيّة على وجبات خفيفة أبداً. ومن ثم هل باستطاعة دماغ الروبوت أن يخبرنا ماذا نريد أن نأكل؟ أي أنَّ السؤال يدور حول ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على التفوق على فعل التذوّق الحسّي والإبداعي، وكذلك على تطوير أطعمة جديدة- وما الذي سنكسبه أو نخسره من ابتكار أطعمة تعرف عنا الكثير بحق.

كيف يجب أن تُصنع الأطعمة وفق الذوق؟ لقد حير هذا السؤال أصحاب المصانع منذ بدء بداية صناعة الطعام في المصانع، عندما خلقت المعالجة الصناعيّة تحديات جديدة –وإمكانات جديدة- للنكهة. أدّت القدرة غير المسبوقة على معالجة المواد الخامّ إلى ظهور مشكلتين متّصلتين ببعضهما بعضاً، وكلتاهما لا تزالان مشكلتين تحتلّان المركز الأوّل في هذه الصناعة إلى اليوم. الأولى لها علاقة بالتماثل، لا توجد حبّتا قمحٍ ولا بذرتا كاكاو متطابقتان، غير أنّ جميع حبات بسكويت “أوريو” التي تخرج من خطّ الإنتاج يجب أن تكون- إلى أبعد حدّ ممكن- غير قابلة للتمييز عن التي تليها. كيف يمكن تحويل تنوّع الطبيعة إلى منتج متماثل مع تجربة حسيّة مضمونة؟ أما المشكلة الثانية فهي لذة الطعم، ما الذي يجعل من بسكويتة محشوّة بالكريمة أفضل من بسكويتة أخرى محشوة بالكريمة؟ كيف يمكن قياس اللذة؟

أبدع علماء الغذاء، والكيماويون، وعلماء اقتصاد المنزل، والباحثون في شؤون المستهلك، وعلماء النفس التجريبي منذ منتصف القرن العشرين نظاماً جديداً يعالج هذه الأسئلة: العلم الحسّيsensory science . وإذا كنت مثل معظم الناس، فأنت على الأرجح لم تسمع بهذا العلم من قبل. لكنّ مناهجه تشكّل كلّ شيء تأكله. هو ما يضمن التماثل الغريب بين علبة جعة “بدويزر” وعلبة أخرى من النوع ذاته، ويقدّر القرمشة المثالية لرقائق “برينغلز”، ويحدّد المقدار الأمثل لمنكّهات الجبنة في بسكويت “ريتز كراكرز”.

كريستوفر فيندلاي هو رئيس ومؤسس شركة Compusense، إحدى شركات الاستشارات الحسية الرائدة في العالم، مع قائمة عملاء تضم الكثير من أفضل العلامات التجارية للأطعمة والمشروبات والنكهات. قال لي: “نحن نحتفظ بكتلة مكونة من 30 عضواً من أعضاء اللجنة” ليسوا موظفين بدوام كامل، ولكنهم من سكان مدينة جيلف في مقاطعة أونتاريو الذين اختيروا لمشاريع محددة (مثل دراسة أجريت على البطاطس المقلية على مدى ستة أسابيع في الفترة الأخيرة)، وتم تعويضهم عن وقتهم. وأردف قائلاً: “إنهم يحصلون على أموال، ولكن لا يتعلق الأمر بالمال، فهم يؤدون التزاماتهم بسرور. إنهم يأتون إلى هنا في العواصف الثلجية”.

يُدرب كل فرد على استخدام طريقة المعايرة الاسترجاعية المعتمدة لشركة Compusense، والتي يوضح فيندلاي أنها تسمح للذواقين بتحقيق الدقة الفائقة في وصف تجارب نكهاتهم الخاصة. ويهدف هذا النهج إلى نوع من الموضوعية، حيث يتوقع المشاركون أن يستجيبوا بطرق متماسكة ومتسقة إلى حد كبير للعينة ذاتها. يُعتقد في نهاية المطاف أن لجان النكهات تنتج معلومات موثوقة قابلة للاستنساخ عن تجارب النكهة الذاتية- ما يسمح للشركات بمعرفة مثلاً كيف تُقارن المياه الغازية بنكهة “الغريب فروت” الخاصة بها مع مياه غازية بالنكهة ذاتها لشركة أخرى، أو تحديد ما إذا كان تغيير المكونات سيؤدي إلى تغيير ملحوظ في مذاقه أم لا.

فبدلاً من المعايرة بناءً على خط الأساس العالمي، فإن المبدأ التوجيهي في Gastrograph  يقوم على أن كل شخص يتذوق النكهة بطريقة مختلفة قليلاً. ثم تبحث الأداة عن أنماط ديموغرافية في الأماكن ذاتها التي ينهار فيها توافق الآراء. يشرح كوهين أن القوة الأكبر للتعلم الآلي هي أن بإمكانه أن يصف الأنماط التي تتركها طرائق الحواس التقليدية لكونها ضجيجاً. وأكثر من ذلك، يقول إن بإمكانه تحديد محركات تفضيل غير متوقعة في المعلومات التي يتخلى عنها العلم الحسي. ويضيف: “نفكر في النكهة كفضاء هيلبرت اللانهائي الأبعاد”، مشيراً إلى المفهوم الرياضي لنظام جبري معقد مع عدد لا نهائي من المتغيرات. وما يعنيه هو أن الاحتمالات الحسية لكيفية تجربة النكهة هي، من الناحية العملية، غير محدودة. يقيد العلم الحسي البيانات التي يجمعها، على سبيل المثال، من خلال الحد من المتذوقين إلى مفردات قياسية – ولكن لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى احترام هذه الحدود. والفكرة هي أن منصة Gastrograph تحقق “أداءاً فائقاً”، لا سيما من طريق التفكير في الأشياء التي نسجلها ولكن نفشل في ملاحظتها.

يمكن الذكاء الاصطناعي أن يثير شبح التكنولوجيا الذي يندفع بجنون وتهور: مستقبل ما بعد التفرد مع وجود الإنسان الآلي في القيادة. وبطبيعة الحال، فإن التكنولوجيات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي منتشرة على نطاق واسع، وتشكل جزءاً من تفاعلاتنا مع العالم الرقمي. يصف الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي أي نظام يستخدم التعلم الآلي- الخوارزميات الحاسوبية، بما في ذلك الشبكات العصبية ومعالجة اللغات الطبيعية- لتحريك المعنى من تجميع البيانات، وإيجاد الأنماط، والتنبؤات، والأهم من ذلك، عرض القدرة على تحسين الذات. سواء كانت تصفية الرسائل غير المرغوب فيها، أو تحديد العقاقير الجديدة المحتملة، أو التوصية بمشاهدة العرض التالي لمسلسل، فإن الأنظمة المستندة إلى الذكاء الاصطناعي تقلل من معدل الخطأ بمرور الوقت. وتتحسّن في إعطائنا ما يبدو أننا نريده.

ومع ذلك، يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى الحصول على بياناتنا من أجل القيام بكل هذا.

إذا كانت البيانات هي شريان الحياة بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، فهي أيضاً تمثل أكبر التزاماتها. ويعد تجميع هذه البيانات مكلفاً ومقيداً بما لا يتناسب مع تطلعات الذكاء الاصطناعي المتنامية. إن شركات الأغذية والمشروبات معروفة بتحفظها، وأتساءل عما إذا كان أي منهم مهتماً بردود أفعال الناس المتعلقة بالمذاق على قاعدة بيانات جستروجراف. ويعترف كوهين بأن “هذا الأمر مثير للجدل قليلاً. نتعامل بإنصاف مثل الأمهات في هذا الموضوع. ولا نتنبأ أبداً بمستوى منتجات اثنين من المنافسين، لكن بيانات الجميع ستعمل على تحسين النظام”.

تتجه الصناعات الغذائية منذ فترة طويلة نحو المزيد من المنتجات المتخصصة. وأكد هاورد موسكويتز، أحد رواد العلوم الحسية، ذلك في عمله مع شركة بريغوPrego ، لإنتاج الصلصات في الثمانينات. فقد أظهرت أبحاثه الخاصة بالمستهلكين أنه لا يوجد نوع واحد ممتاز لصلصة المعكرونة “السباغيتي”؛ بل هناك صلصات مختلفة تعجب أشخاصاً مختلفين. لم يكن مفتاح نجاح بريغو هو تحسين صلصة الطماطم الكلاسيكية الخاصة بها، ولكن في إدراك أن هناك مجموعة من الأشخاص تفضل الصلصة التي تحتوي على قطع، ولكن السوق لا يلبي احتياجاتها. (إذا كنت تظن أنك قد سمعت هذه القصة من قبل، ربما تكون قد سمعتها حقاً، في محاضرة مالكولم غلادويل في “تيد توك” (https://www.ted.com/talks/malcolm_gladwell_on_spaghetti_sauce)، أو في أماكن أخرى نشرت القصة.

في النهاية، ما تبيعهAnalytical Flavor Systems ، ليس أغذية أو مشروبات، بل هو صورة تصف التجربة، وصورة تنبئ بالرغبة، ورؤية لنظام غذائي منقسم إلى مجموعات من المستهلكين شديدي الارتباط. إذا كان المستقبل- كما يقول المؤسسون- في الأطعمة المحسنة التي تلبي أذواقنا الشخصية، فإن نجاح الشركة سيعتمد في النهاية على قدرة Gastrograph، على إخبار شركات الأغذية والمشروبات بما ستحبه أنت، وبالنكهات التي لن تتمكن من العيش بدونها- وقيام الشركات بذلك بشكل أكثر دقة وكفاءة وفاعلية من حيث التكلفة.

ولكن في الوقت الذي يدّعي فيه كوهين أن شركته تقوّض أسس العلوم الحسية، فإن الخبراء في هذا المجال يرفضون وصفه هذا الفرع من المعرفة.

أو بعبارة أخرى، لن تحقق جميع إمكانات تعلم الآلة في العالم نتائج أفضل إذا كانت البيانات المستخدمة لتدريب الخوارزميات وإنتاجها معيبة أو خاطئة. أما بالنسبة إلى ادعاءات كوهين بأن الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمه يعمل خارج حدود العلوم الحسية، فلا يزال واجباً إدخال البيانات إلى النظام ضمن فئات، تفرض بدورها قيودها الخاصة. يجادل منتقدو نهج كوهين بأن نظام جمع البيانات العشوائي لا يعني أن مجموعات من الناس لن تُستبعد من نماذجها، وأن تقنية الذكاء الاصطناعي يمكن أن تطبق بشكل أفضل لتحسين جودة البيانات الحسية المجمّعة، بدلاً من زيادة كمياتها.

المزيد من البيانات في مقابل طعام أفضل: هل نحن على استعداد لإجراء هذه المبادلة؟ لقد لاحظت أن كل من تحدث معي عن مميزات الطعام المُصنّع خصيصاً بحسب الشخصية، كان يتحدث أيضاً عن النظام الغذائي المُصنع خصيصاً لكل شخصية- الأطعمة المصممة تحديداً لتلبي احتياجاتنا الأيضية الخاصة أو التي تأخذ في الاعتبار الأنواع المختلفة من الحساسية. فهي ليست أفضل من حيث المذاق فقط، بل أيضاً أفضل بالنسبة إلى صحتك! كما أنني أتساءل عن مدى انتشار هذا النوع من التخصيص. من الذي سيستمتع بفوائد الأطعمة المصممة بحسب الطلب، ومن سيستمر في تناول رقائق البطاطس غير المميزة، ووجبات العشاء غير المحددة أمام شاشات التلفزيون؟

الوقت مناسب لكي نسأل: هل السوق الذي تنتشر فيه الأنواع بطريقة تستهدف شهيتنا وحاجاتنا البيولوجية الخاصة هو السوق الذي يخدمنا جميعاً على أكمل وجه؟

المقال مترجم عن موقع the guardian ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً