fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

هل نحن شعب من الزجّالين؟

حين كنت في العاشرة، أو نحوها، سمعت باسم رشيد نخلة: إنّه الشاعر الذي كتب النشيد الوطنيّ اللبنانيّ. بعد سنة أو سنتين، عرفت عنه أنّه والد الشاعر والكاتب أمين نخلة. لكنّ المعلومة اللاحقة التي وقعتْ عليّ وقع المفاجأة فأنّه كان زجّالاً أيضاً، بل أحد أبرز زجّالَين عرفهما جبل لبنان في النصف الأوّل من القرن العشرين. فهو وأسعد الخوري الفغالي الملقّب “شحرور الوادي”، وجدّ المطربة صباح، مؤسّسا الزجل كما نعرفه.

إذاً، صاحب نشيدنا الوطنيّ ومُعلِن نشأتنا كبلد كان زجّالاً.

هذه حقيقة مُقلقة بذاتها.

لكنّ المتفاجىء الذي كنتُه ما لبث أن تنبّه إلى ما يخفّف المفاجأة. ذاك أنّ النشيد الوطنيّ جاء زجلاً مكتوباً بالفصحى: “سيفنا والقلم”، “في سبيل الكمال”، “أُسد غاب متى ساورتْنا الفِتن”…

والنشيد الوطنيّ، من حيث المبدأ، يندرج في أدب المناسبات، وإن كانت مناسبته كبيرة وعامّة بقياس الأعراس والوفيّات. لكنّ الشاعر والصديق عبّاس بيضون كانت له، في ما خصّ نشيدنا، ملاحظة وجيهة تساعد على فهم العلاقة بين هذا النشيد وزجلنا: “إنّ ما كتبه رشيد نخلة يخلو كلّيّاً من الأفعال”. وهذا يعني بالتالي خلوّه من كلّ ما يتحرّك ويحدث. إنّه، إذاً، جوهرٌ جوهريّ. إنّه جوهرٌ فينا.

هذا ما يُضعفه كـ “مناسبة”، إذ المناسبة ترتبط تعريفاً بحدث وفعل مهما حاول الفولكلور مصادرة الخاصّ فيهما وإدراجهما في العامّ.

نستنتج أنّ الزجّال رشيد نخلة إنّما كتب نشيداً زجليّاً، ولو بالعربيّة الفصحى، من حيث تغليب الثابت المفترض على السائل المتحرّك والمتغيّر. فالزجل، حتّى ما يُتلى منه في المناسبات، يستخدم المناسبة (العرس، المأتم، الولادة…) ذريعةً كي يؤكّد أنّ المعنيّين بالأمر، مثلهم مثل كلّ معنيّين بكلّ أمر، هم أهل الشجاعة والكرم وباقي الصفات الحميدة، بما فيها ما انقرض منها.

وتأتي الثنائيّات القاطعة التي ينهض عليها السجال الزجليّ (العقل والقلب، الماضي والمستقبل…) لتمارس مزيداً من التضييق على الواقع الذي يغدو مجرّد فسحة لاستعراض هاتين القيمتين المدفوعتين إلى مدى مطلق، بل خرافيّ. هكذا يُختزَل الواقع ذاك إلى تبسيط بحت. إلى ثنائيّة لا ثالث وراء ضفّتيها.

لكنّ سمة أخرى تعزّز العمق الزجليّ في نشيدنا الوطنيّ. صحيح أنّ الأناشيد العربيّة حملت معاني مشابهة في تأكيد البسالة والمروءة والتضحية والفخر وأسطَرَة الماضي وسواها من المعاني.

بل إنّ نشيداً كالجزائريّ، المثقل بـ “مليون شهيد”، لا يكتفي بهذا، بل يمضي ليهدّد بالثأر، وبالاسم الصريح:

“يا فرنسا قد مضى وقت العتابْ
وطويناه كما يُطوى الكتاب
يا فرنسا إنّ ذا يوم الحساب
فاستعدّي وخذي منّا الجواب”.

إلاّ أنّ الأناشيد العربيّة، في تأثّراتها القوميّة العريضة، أدلجت تلك المعاني وأدرجتها في خطاب أوسع من أبناء البلد المعنيّ أنفسهم. بهذا عملت تلك الأناشيد على إضعاف الأهليّ المحض الذي يُفترض أن تعكسه: العراقيّون ظلّوا لسنوات مديدة، سبقت وصول صدّام حسين إلى السلطة، يعتمدون النشيد المصريّ “والله زمن يا سلاحي” نشيداً لهم. السوريّون في نشيدهم تغنّوا بـ [خالد ابن] “الوليد” و[هرون] “الرشيد”، والاثنان لا ينتميان إلى البقعة الجغرافيّة التي صارت لاحقاً وطن السوريّين. قصيدة الشاعر الفلسطينيّ ابراهيم طوقان “موطني” صارت نشيداً لفلسطين ولعراق ما بعد صدّام. الشاعر المصريّ محمّد صادق الرافعي كتب كلمات النشيد التونسيّ التي طُعّمت بأبيات لشاعر تونس أبي القاسم الشابّيّ. النشيد الحماسيّ المصريّ “الله أكبر فوق كيد المعتدي” اعتُمد طوال عهد معمّر القذّافي المديد (1969-2011)، نشيداً وطنيّاً لليبيا.

اقرأ أيضاً: أحزاب المسيحيّين اللبنانيّين: أين تتّفق وأين تفترق؟

أمّا في لبنان، فإلى الشاعر والزجّال الجبليّ والمسيحيّ رشيد نخلة، لحّنَ النشيدَ الوطنيّ موسيقارٌ مسيحيّ هو الآخر من جبل لبنان، اسمه وديع صبرا.

أهليّة الزجل، التي أقامت في نشيدنا الوطنيّ، أقامت في المحطّات الأساسيّة لتاريخ الطوائف الجبليّة، ومن ثمّ اللبنانيّة. مثلاً، إبّان العهد القصير لفيصل الأوّل في سوريّا (1918-20)، وانقسام مَن صاروا لبنانيّين بين راغب في “الاستقلال” عن دمشق وراغب في “الوحدة” معها، تظاهر مسيحيّون “استقلاليّون” ردّدوا الزجليّة التالية:

“عيشي بذلّي ما منْحبّا

منتظاهر ما منتخبّا

يا منّال الاستقلال

يا منرحل ع أوروبا”.

صاحب الزجليّة هو من عاصر رشيد نخلة وشاركه الطور التأسيسيّ للزجل. إنّه أسعد الخوري الفغالي الذي صاغ عبر الزجل، ومن غير فصحى هذه المرّة، نشيداً وطنيّاً موازياً:

“لبنان ما عندي وطن بمعزّتو

محلى التظلّل تحت فيّة أرزتو

ولسبدّ [لا بدّ] يا لبنانْ ما نرجع نقول

نيّال مَن لُو فيك مرقد عنزتو”.

بيد أن زجليّة الفغالي التي هدّد فيها بالرحيل لم يُسلّم بها الدروز الذين كان لهم رأي آخر. فإذا كان الموارنة “حلفاء” فرنسا، فهم “حلفاء” بريطانيا التي رعت دولة فيصل الدمشقيّة. هكذا ظهر زجّال درزيّ (ظلّ غامض الاسم) ذكّر بأنّ الحكم في بلادنا صار “إنكليزي”، ومضى يردّ على تهديد الفغالي:

“إن بقيتو أهلا وسهلا

وإن رحلتو لطيزي”.  

وقبل سنوات على هذه المساجلة، كان للرغبة الشيعيّة في المساواة تعبيرها المبكر الذي وجد أداته في الزجل. فإلى عرسٍ في شمال فلسطين دعي زجّالان لبنانيّان مغموران، أحدهما مسيحيّ من البقيعة اسمه داوود كرم، والآخر شيعيّ من حاريص يُدعى محمود حداثا. ووفقاً لمحسن الأمين في “خطط جبل عامل”، بدأ كرم استفزازيّاً كأنّه يطرد زميله بعنجهيّة غالباً ما وُصفت بها لاحقاً “المارونيّة السياسيّة”، وغالباً ما اشتكى منها، لاحقاً أيضاً، “الحرمان الشيعيّ”.

قال كرم:

“شو حدّك يا متوالي

حتّى تتعدّى عالكارْ

امشِ وروح من قبالي

أحسنْ ما دبّك بالنار”.

لكنّ حداثا وقع على الردّ الذي ذاع لاحقاً، وصار يُردّد في مساحة يشتبك جِدّها بمزاحها:

“متوالي ومش متخبّي

والله أخبر فيي وفيك

مش متلك جاحد ربّي

وعاملّو حرمي وشريك”.   

والحال أنّ الزجّال الشيعيّ الذي قدّم مرافعة تتعدّى الطعن بكرم إلى الطعن بالمسيحيّة نفسها، التزم “الجنس الأدبيّ” المسيحيّ والجبليّ حتّى ذاك الحين، أي الزجل، فكأنّه يُقرّ بـ “هيمنة إيديولوجيّة” يطمح إلى تحسين موقعه حيالها، ولو بالذهاب بعيداً في تصديع مقدّساتها.

لقد بلغ السجال عبر الزجل ذروة احتدامه مع “حرب الجبل” المسيحيّة – الدرزيّة في الثمانينات، وكان الزجّالون، منذ حرب السبعينات، قد باشروا الانضواء في طوائفهم والنطق بلسان أطول من ألسنتها التي تهذّبها الفصحى قليلاً. يومذاك كانت الطوائف قد قويت على الدولة وعلى إذاعتها وتلفزيونها.

فالشاعر الزجّال طليع حمدان، وعبر “ملحمة” شهيرة، استعرض أحداث “حرب الجبل” قريةً قريةً تقريباً من وجهة نظر درزيّة. وهو أوصى سامعيه من أبناء طائفته بأنّ

“اللي تحمّموا بدمّاتكمْ

بدمّاتهنْ تحمّموا”.

بل مدّ وصيّته إلى موقف من حياة الدرزيّ وموته بوصفه آلة قتال:

“الـ بيعيش يهجم ع العدى

الـ بيموت ألله يرحمو”.

ويستطيع مَن يرغب في رصد العنف الذي تمارسه الطوائف، أو تتمنّى ممارسته، أن يستعيد ما سبق لعارف ويوسف أبو شقرا أن كتباه في “الحركات في لبنان إلى عهد المتصرّفيّة”. لقد جاء في مقدّمة هذا الكتاب، من قبيل التعريف به، أنّه “حكايات العصبيّات في لبنان في عهود اشتدادها واحتدامها، وحكاية الغرضيّة في نزاعها وخصوماتها وكيدها ومنافساتها”. لكنْ على مدى تلك الفسحة الزمنيّة التي تزيد عن قرن، والفاصلة بين الكتاب الصغير والزجليّة الطويلة، يتبدّى كم كان خطّ العنف هذا صاعداً وتراكميّاً.

لقد ذكّرنا الزميل محمّد حجيري، في مقال له في موقع “المدن”، بتلازم الزجل، في مساره، مع محطّات بناء الدولة ومؤسّساتها، ومع تطوّر التقنيّة والأدوات الثقافيّة الرائجة في أزمنة السلم. فبعد الاستقلال بسنة واحدة، تأسّست “جوقة زغلول الدامور” مثلاً، هي التي كانت أُمّاً لعديد الجوقات التي تفرّعت عنها. ولم ينفصل شيوع الزجل عن نموّ الإذاعة، ثمّ صعود التلفزيون في الستينات. وحتّى في تاريخ النشر والإعلام، أسّس زغلول الدامور ورفيقه زين شعيب مجلّة زجليّة سمّياها “المسرح”، بعد الحرب الأهليّة الصغرى في 1958 التي أوحت ببدايات جديدة وباحتمال إقلاع جديد.

ولمّا كان الاغتراب (“الانتشار” مؤخّراً) من مقوّمات الوطن والرواية الرائجة عنه، فقد ذُكر أنّ زغلول الدامور (واسمه جوزيف الهاشم) أحيى حفلات في 120 بلداً!

لكنّ الريفيّ والطبيعيّ ظلاّ دين الزجل وديدنه، تلحّ على إعادة إنتاجهما موجات متلاحقة من القرويّين الهابطين على المدن والمتمسّكين فيها بثقافة الآباء الريفيّين. فمن “شحرور الوادي” إلى “زغلول الدامور”، وهما ربّما كانا الأهمّ بين زجّالي القرن العشرين، بقي الطلب حادّاً على أصوات العصافير بأنواعها. وظلّ التوقيع باسم القرية أو المنطقة أو الطير ممّا يلازم تأسيس الجوقات، فأسّس موسى زغيب “جوقة القلعة” وطليع حمدان “جوقة الربيع” وطانيوس الحملاوي “فرقة الكنار” وجريس البستاني “جوقة حسّون الوادي”. ولأنّ “التحدّي” بين زجّالي الجوقة الواحدة، أو بين زجّالي جوقتين، عنصر راسخ في الزجل، فيما كثير منه لم يُسجّل أو يُكتب، وجدنا حزباً سياسيّاً كالسوريّ القوميّ الاجتماعيّ، هو أشدّ أحزابنا ريفيّة وتوكيداً على القوّة ونهوضاً على الثقافة الشفويّة، بالغ الحرص على أن يكون له زجّاله، وهو ما كانه فعلاً عجاج المهتار ثمّ خالد زهر. وبدوره استحقّ زين شعيب، الوجه الأبرز لـ “الصعود الشيعيّ” في الزجل، وسام “فخر الجنوب” الذي أسبغه عليه نبيه برّي في 1996 قبل أن يقلّده رفيق الحريري، في 2002، “درع عمالقة الشرق”.

أمّا طليع حمدان، صاحب “الملحمة” الدمويّة، فاستطاع هو نفسه، في مناسبة أخرى من مناسبات “الوفاق الوطنيّ”، أن يفخر بأنّه

“لو عطيوا كلّ التيجانْ

ورايات اللي معلاّيه

عليكِ يا راية لبنان

ما منحبّ ولا رايه”.

ودارت الأيّام دورتها وانتهت بنا إلى محطّة تلفزيونيّة توصف بأنّها لسان “العهد” وسيّده وتيّاره. لكنْ ما أن نصوّب الريموت كونترول إلى تلك المحطّة حتّى تداهمنا جوقة زجليّة تصدح بلبنان “الحضارة” التي يصنعها “أُسُود”.

اقرأ أيضاً: النظرية الأسدية حيال لبنان: القتال المضبوط

 

إقرأ أيضاً