fbpx

هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

هل علينا أن نزيد استهلاك الدهون المشبعة؟

هل هناك عبارة أكثر انتشاراً هذه الأيام من “الدهون الصحية”؟ الخبز المحمّص يسيطر على وجبات الغداء في قائمة الطعام ومنشورات “الانستغرام”، وزيت الزيتون البكر يتدفق على الخضراوات المشوية مثل الخمر، وزبدة المكسرات تطنّ داخل خلاط تحضير العصائر المخفوقة.

لكن من الطبيعي أن يقودنا ذلك إلى فكرة الدهون “غير الصحية”، ماذا نفعل بهذه الأنواع المشبّعة منها، كاللحوم والألبان؟ الدهون التي قيل لنا عنها لعقود إنها ترفع نسبة الكوليسترول، وتؤدي إلى انسداد الشرايين، وتتسبب في النهاية في الإصابة بأمراض القلب؟

على مدى السنوات القليلة الماضية، تراكمت الدراسات التي ترجح حقيقة أن الدهون المشبعة أكثر تعقيداً، وأقل ضرراً، مما كان يُعتقد سابقاً. في الواقع، قد تكون الدهون المشبعة ضرورية، بل وصحية.

الجدل حول الدهون المشبعة
جاءت هذه العقيدة الجديدة أواخر الصيف الماضي، عندما نشرت مجلة “لانسيت” دراسة استغرقت عقداً واحداً تبحث في أنماط تناول الطعام لـ135 ألف شخص من 18 بلداً. وأدت نتائجها المذهلة إلى حدوث خلاف في المجتمع العلمي كما ألهمت موجة من العناوين المثيرة للفتنة مثل “الحمية قليلة الدسم قد تقتلك”.

وجدت الدراسة أن من يستهلكون دهوناً أقل وكربوهيدرات أكثر، كان خطر الوفاة بينهم أعلى بنسبة 28 في المئة خلال تلك السنوات العشر، وأيضاً أن أولئك الذين يتناولون دهوناً أقل كان خطر الوفاة بينهم أقل بنسبة 23 في المئة. وبشكل أكثر وضوحاً، ظلت تلك النتائج ثابتة مع جميع أنواع الدهون- بما في ذلك الدهون المشبعة، التي أثبتت احتواءها على فائدة إضافية مرتبطة بتقليل خطر الإصابة بسكتات دماغية. وفي الحقيقة، ثبت كذلك أن انخفاض مستويات الدهون المشبعة زاد خطر الوفاة.

تلك أخبار صادمة بالتأكيد، ولا يتفق عليها الجميع. لا تزال “جمعية القلب” الأميركية توصي بألا تزيد نسبة الدهون المشبعة على 6 في المئة من الاستهلاك اليومي من السعرات الحرارية بالنسبة إلى البالغين، وهو مقدار ضئيل نظراً إلى أن متوسط استهلاك الدهون المشبعة في الولايات المتحدة يبلغ نحو 14 في المئة. ولكن تغيير التوصيات الغذائية أشبه ما يكون بتحويل مسار باخرة تسير في المحيط بكامل قوتها: عملية بطيئة وصعبة للغاية.

تقول ريتا ريدبيرغ، أخصائية أمراض القلب في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ورئيسة تحرير مجلة الطب الباطني JAMA: “دارت نقاشات كثيرة حول أضرار الدهون المشبعة لسنوات عديدة”، مضيفةً: “إعادة التثقيف على أساس المعرفة والفهم الجديدين تستغرق وقتاً”.

وفي الوقت ذاته، دفعتنا مجهوداتنا لتجنب الدهون المشبعة إلى محاولة استبدالها، وكانت النتائج مختلطة. الاقتراح الأول كان الكربوهيدرات، وقد تبين أنه خيار كارثي، مع قول العديد من الخبراء الآن إنه المتسبب في أزمة البدانة الحالية. والآن ينصح الفريق المعارض للدهون المشبعة “باستبدالها بالدهون غير المشبعة كلما أمكن”، وفقاً لوالتر ويلد، وهو طبيب وأستاذ في علم الأوبئة والتغذية في جامعة “هارفارد”، درس تأثير النظام الغذائي على الصحة لمدة 40 عاماً.

لكن هناك مخاوف متصاعدة تتعلق بالدهون غير المشبعة أيضاً، لا سيما فئة الدهون المتعددة غير المشبعة PUFAs: بعض الزيوت النباتية مثل الذرة وفول الصويا، التي تحتوي نسباً عالية من الأحماض الدهنية أوميغا 6 (على العكس من تلك التي تحتوي نسباً عالية من الأوميغا 3- مثل زيت الزيتون- الأكثر فائدة للصحة بالطبع).

كثرة الرسائل المتضاربة أمر محبط، ولكن هناك طريق بين هذا التشابك، مسار يتبع الأدلة ويستخدم المنطق السليم أيضاً. ولأن الدهون ضرورية بمقدار ما هي لذيذة، فقد تعمَّقنا أكثر في الأنواع التي ينبغي أن تجد طريقها إلى طبقك.

نقطة التشبع

اتبع حمية البحر المتوسط التي تحتوي نسباً عالية من الدهون، واعمل على الحد من التوتر، وامشِ ما لا يقل عن 22 دقيقة يومياً، ولا تركز على الدهون المشبعة. عندما نشر ريدبيرغ وطبيبا قلب آخران مقالة افتتاحية في المجلة البريطانية للطب الرياضي في أبريل/ نيسان الماضي، ذاكرين كل ما سبق، كانت ردود فعل العلماء ذوي الأفكار القديمة سريعة ولاذعة، واصفين النصائح بأنها “غريبة” و”ساذجة”.

إلا أن الدراسات المتزايدة تشير إلى أنها ليست أياً من ذلك، مشككة في عقود من الافتراضات المتعلقة بالدهون المشبعة. كانت إحداها دراسة تحليل بعدي أجريت عام 2014، نظرت في 76 دراسة، 27 منها تجارب عشوائية ومراقبة، وهو المعيار الذهبي للأبحاث- ووجد أن “الأدلة الحالية” لا تدعم الحد من الدهون المشبعة لمصلحة الدهون المتعددة غير المشبعة PUFA.

وأظهر تحليل آخر في العام التالي عدم وجود صلة بين تناول الدهون المشبعة والوفيات في جميع أسبابها، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني. يقول ديفيد لودويغ، طبيب وحاصل على الدكتوراه، وأستاذ في التغذية في كلية “هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة”: “لطالما كانت الدهون المشبعة هي العدو الأول في مجال الصحة العامة” مستدركاً: “ولكنها ليست كذلك، ولا هي طعام صحي أيضاً. إنها محايدة نوعاً ما”. وفي ما يلي دليل تمهيدي على العلم المتطور المتعلق بالدهون المشبعة في جسمك.
ولكن ليس كما تعتقد. ما يهم حقاً: نسبة LDL (البروتين الدهني منخفض الكثافة) إلى نسبة HDL (البروتين الدهني مرتفع الكثافة)، وكلما ارتفعت نسبة HDL (الكوليسترول الواقي) كلما كان أفضل. يقول لودويغ: “الدهون المشبعة ترفع نسبة البروتين الدهني منخفض الكثافة، ولكنها ترفع أيضاً البروتين الدهني مرتفع الكثافة وتقلل الدهون الثلاثية”.
ليست كل البروتينات الدهنية منخفضة الكثافة متشابهة.
تشير الأبحاث الناشئة إلى وجود نوعين من جسيمات LDL: جسيمات كبيرة ورقيقة تحمي من أمراض القلب، وجسيمات صغيرة كثيفة قد تسبب الالتهاب والانسداد.
مصدر الدهون المشبعة أمر مهم.

نعلم الآن أن الدهون المشبعة لا تلعب جميعها الدور ذاته في الجسم. فمنتجات الألبان الكاملة والشوكولاتة تمتلئ بالدهون المشبعة، ولكنها لا تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

تساعد في التحكم في الوزن

في الواقع، يشدد لودويغ على ضرورة تناول المزيد من الدهون بشكل عام والكربوهيدرات المعالجة بشكل أقل كثيراً للمحافظة على الصحة والخصر، يقول: “عندما تفكر في الخبز الأبيض والزبدة، فالخبز هو العنصر الأقل نفعاً للصحة”. بعد إجراء الأبحاث لمدة 20 عاماً، أنشأ برنامجاً لإنقاص الوزن مفصّل في كتابه الذي نُشر عام 2016، Always Hungry؟، وفي اختبار تجريبي، كان متوسط فقدان الوزن على مدى 16 أسبوعاً هو 20 رطلاً، ووصل إلى 30 رطلاً في بعض الأحيان. يضيف: “بما أن البرنامج ليس مقيداً بالسعرات الحرارية، نعتقد أن النتائج ستكون أكثر استدامة”.

تدعو الخطة إلى نظام غذائي يحتوي على نسبة 50 في المئة من الدهون في أول أسبوعين، ونسبة 25 في المئة لكل من الكربوهيدرات والبروتين. ثم ينخفض مستوى الدهون إلى نحو 40 في المئة، وفق كل شخص. وربما ليس من قبيل المصادفة، أن هذه كانت النسب التي يستهلكها المواطن الأميركي المتوسط قبل تشوية سمعة الدهون، وبخاصة الدهون المشبعة، وهو الأمر الذي بدأ في السبعينات قبل وباء السمنة.

صعبة المعالجة

تفقَّدْ معظم الخزانات الأميركية وستجد الآتي: زجاجات زيت الذرة وفول الصويا والكانولا. تتمتع هذه الزيوت المتعددة غير المشبعة بشعبية كبيرة، ويتم تسويقها كأطعمة صحية، بخاصة عند مقارنتها بالزبدة. كما أنها تحتوي على كميات كبيرة من أحماض أوميغا 6 الدهنية. وهو شيء جيد، أليس كذلك؟ ليس بهذه السرعة.

أحماض أوميغا 6 الدهنية تشبه التوأم الشرير للأوميغا 3، الدهون الصحية للقلب والموجودة في الأسماك وزيت الزيتون. نحن نحتاج إلى قليل من الأوميغا 6 في نظامنا الغذائي، لكننا الآن نستهلك أكثر بكثير مما كنا نفعل قبل قرن من الزمان، وذلك بفضل كل تلك الزيوت النباتية المعالجة. وتشير الأبحاث الجديدة إلى احتمال كونها تعزز أمراض القلب بدلاً من الحماية منها.

نُشرت واحدة من أكثر الدراسات إقناعاً عام 2016، ولكنها استندت إلى أدلة تم جمعها في السبعينات. (تسأل لماذا؟ بعض الخبراء يعتقدون أنها “دُفنت” لأنها لم تدعم النظرية المؤيدة لزيوت الخضراوات في ذلك الوقت).

افترضت التجربة السريرية الكبيرة أن تقليل الدهون المشبعة واستبدالها بزيت الذرة الغني بأوميغا 6 من شأنه أن يمنع أمراض القلب ويقلل معدل الوفيات. ولكنه فعل عكس ذلك تماماً، وبطرق مدهشة. انخفضت بالفعل مستويات الكوليسترول في مجموعة زيت الذرة، لكن معدلات الوفاة بقيت كما هي في مجموعة الدهون المشبعة. وكلما زادت نسبة الهبوط في الكوليسترول، زادت معدلات الموت.

يقول جيمس دينيكولتونو، وهو دكتور في الصيدلة وعلم أمراض القلب والأوعية الدموية في “معهد القلب الأوسط بأميركا الوسطى” في مدينة كانساس سيتي بولاية ميزوري، ومؤلف كتاب The Salt Fix، إن الأدلة على ذلك تتزايد باستمرار. ويستشهد على وجه التحديد، باستعراض تحليلي يقترح أن نسبة أوميغا 6 إلى أوميغا 3– مثل نسبة LDL إلى HDL في ما يتعلق بالدهون المشبعة- مهمة للغاية.

يعود سبب ذلك إلى الالتهاب، والذي تسببه أوميغا 6، ما يساهم في حدوث أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان وهشاشة العظام وأمراض المناعة الذاتية. بينما أوميغا 3 تحميك منها. لذلك قم بتجديد نظامك الغذائي من طريق زيادة كمية الأسماك الدهنية مثل سمك السالمون والتونة، وبذور الكتان، ولحم البقر المغذى على العشب (وليس الحبوب)، والجوز، والعدس. وقلل استهلاك الزيوت النباتية، وتوابل السلطة المعبأة (والغنية بالسكر)، والوجبات الخفيفة مثل البسكويت. وهي نسبة سهلة يمكننا جميعاً موازنتها.

التوازن الصحي

لطالما اقترح الخبراء أن “لغز التناقض الفرنسي”- حقيقة أنّ مواطني هذا البلد يأكلون دهوناً مشبعة أكثر منا، ومع ذلك يعيشون مدة أطول ولديهم معدلات أقل بكثير في أمراض القلب والسمنة- هو بسبب طريقة حياتهم: فهم يطهون أكثر ويتحركون أكثر (ليس بالضرورة تمارين رياضية، بل مجرد المشي). وعلى رغم أن طعامهم غالباً ما يكون عالي الدهون (كطبق بطة لورانج)، إلا أنه يُقدم بكميات أصغر ويتم تناوله بروية. هم نادراً ما يحسبون السعرات الحرارية أو غرامات الدهون. هذا الاعتدال نفسه يجب أن يكون في نظامك الغذائي. إليك كيف تبدأ:

اختر الأطعمة الكاملة “الحقيقية” على تلك التي تأتي معبأة.

الأطعمة المُصنعة، حتى تلك التي يُكتب عليها “خالية من الدهون المتحولة”، تميل إلى أن تكون غنية بالدهون المتعددة غير المشبعة.

قلل من تناول الطعام في الخارج.

وليس فقط بسبب الكميات الضخمة، إذ تعتمد المطاعم بشكل كبير على الزيوت المتعددة غير المشبعة، وكذلك عادةً ما تستخدم درجات حرارة عالية. ما يتسبب في أكسدة الزيوت، بل يخلق أحماضاً دهنية غير مشبعة؛ وكلاهما يزيد من مخاطر أمراض القلب.

لا تكن مهووساً بحساب عدد غرامات الدهون

تناول مجموعة متنوعة من الأطعمة (اللحوم، بالتوازن مع الكثير من الأسماك ومصادر البروتين غير الحيواني مثل البقوليات)، والكثير من الخضار. إذا كنت تأكل كمية كافية من الدهون، ستشعر بالشبع بشكل طبيعي.

*ميشيل ستيسي.

الموضوع مترجم عن womenshealthmag ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً