fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

هل صار سلاح حزب الله شرعياً؟

اذا أراد المرء أن يحصي من اقترع لحزب الله من اللبنانيين في الانتخابات النيابية التي جرت الأسبوع الفائت، فعليه أن يجدول هؤلاء مراتباً. فثمة مقترع لبناني اقترع للحزب ولسلاحه ولأدواره في مختلف الحروب الداخلية والخارجية، وهذا المقترع هو ذلك الذي أسقط في صندوقة الاقتراع اللوائح التي أعدها له الحزب وحليفه، أي حركة أمل. لكن من اقترع لحلفاء الحزب على اللوائح الأخرى، اقترع أيضاً للحزب، ومن بين هؤلاء لوائح ايلي الفرزلي وعبد الرحيم مراد وفيصل كرامي، وغيرهم ممن يشكل سلاح حزب الله جزءاً أساسياً من هويتهم السياسية.

ثمة مستوى ثالث من التصويت إلى جانب حزب الله وإلى جانب سلاحه، هي تلك اللوائح الكبرى التي لا تشعر أن سلاح الحزب قضيتها، وهي اذ لا يشكل هذا السلاح جزءاً من همها، ستكون إلى جانبه إذا ما طُرح موضوعه على طاولة البحث. هذه حال اللوائح العونية مثلاً، وهذه حال رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي وتكتله الصغير، وأيضاً حال سليمان فرنجية.

ربما كان أسهل على المرء أن يحصي الاقتراع اللبناني ضد حزب الله وضد سلاحه. النتيجة التي سيخلص إليها المرء ستكون أن ثمة مقترِعَين إثنين كباراً اقترعا ضد سلاح حزب الله، وهما المقترع للوائح تيار المستقبل، والمقترع للوائح القوات اللبنانية. ونعني هنا أن مقترع المستقبل توجه إلى الصندوق ليقترع ضد سلاح الحزب بالإضافة إلى غيره من الأسباب العصبوية والطائفية والحزبية، وهذه حال مقترع القوات أيضاً. وهنا علينا أن نلحظ فارقاً بين المُقترعَين المستقبلي والقواتي، وهو أن الأول أشد حماسة من قيادته لخصومة الحزب.

فيما عدا الـ 38 نائباً (من أصل 128 نائباً)، وهو عدد نواب تكتلي المستقبل والقوات، وبعد أن نضيف إليهم نواب حزب الكتائب الثلاث، يمكننا القول أن المقترعين للـ 78 نائباً المتبقين صوتوا إلى جانب سلاح حزب الله، مع تفاوتات تتعلق بدرجة الحماسة لهذا السلاح. من اقترع لميقاتي في طرابلس، لا يحب سلاح الحزب لكنه على استعدادٍ لأن يجري صفقة يقبل بموجبها بهذا السلاح وهو سبق أن فعل ذلك، ومن اقترع للوائح التيار العوني لطالما قبل بسلاح الحزب ولطالما دافع عنه، وهو اليوم ليس في الخندق الآخر.

الكتلة النيابية المتأرجحة هنا، والتي يصعب فعلاً أن نحسم موقعها في هذا الإنقسام هي كتلة الحزب التقدمي الاشتراكي وحلفاؤه، ذاك أن حسابات وليد جنبلاط يجب قياسها وفق وقائع قد تستجد ووفق وعي أقلوي تتقدم فيه مصلحة الجماعة على الخيارات الكبرى. وهذا ما جرى اختباره أكثر من مرة، وهذا ما لا يؤخذ على صاحب القرار الدرزي.

والحال أن الذهول الذي أصاب المراقبين جراء صب الأصوات الشيعية بمعظمها لحزب الله ولحركة أمل بحيث تمكنا من حصد كل مقاعد الشيعة، باستثناء مقعد واحد خسراه جراء خطأ في اختيار المرشح، هو ذهول في مكانه، لكنه أنسانا حقيقة أخرى، وهي التصويت السني لحزب الله. فاسامة سعد فاز باصوات تفضيلية سنية، وجهاد الصمد حليف النظام السوري وحليف حزب الله فاز في الضنية أيضاً بأصوات السنة وهذه حال نجيب ميقاتي وعبد الرحيم مراد وعدنان طرابلسي وفؤاد مخزومي، لا بل أن النائب السني عن حزب البعث في منطقة العرقوب قاسم هاشم تمكن أيضاً من استقطاب أصوات ناخبين سنة في تلك المنطقة. وبهذا المعنى حزب الله اليوم شريك المستقبل في التمثيل السني.

تملي خريطة الاقتراع هذه شروطاً جديدة على الخطاب الداخلي. فأصحاب مقولة “السلاح غير الشرعي” فقدوا قرينة من حزمة قرائنهم على “لا شرعية السلاح”. الأرجح أن عليهم أن يستعيضوا عن هذه المقولة السياسية بالحديث عن “لا قانونية هذا السلاح”، ذاك أن شرعية “ضمنية” تمكن الحزب من انتزاعها لسلاحه في هذه الانتخابات، وهي وان لم تكن شرعية كاملة، لكن صار يمكن للحزب أن يحصي لمساجله عدد النواب الذين انتخبوا إما انسجاماً على نحو كلي مع سلاحه أو انسجاماً جزئياً معه. وهؤلاء يفوق عددهم ثلثي عدد النواب.

السلاح ما زال غير قانوني طبعاً، ذاك أن القانون لا يسمح بأي شكلٍ من الأشكال بأن يتسلح حزب أو تتسلح طائفة. أما مقولة “عدم شرعية السلاح” فهذه جرى تصديعها في الانتخابات الأخيرة. فاللبنانيون في اقتراعهم لمن اقترعوا لهم، قرروا أنهم على الأقل يرغبون في التعايش مع هذا السلاح، وهذه رغبة، إذا ما صيغت اقتراعاً، تُقارب منح السلاح شرعية ما. أما الخوف كل الخوف، فهو أن يكون لدى حزب الله طموحاً في انتزاع بعدٍ قانوني لهذا السلاح، فهو اليوم القوة الأكثر نفوذاً في مجلس النواب، ولا شيء يمنعه من أن يكون طامحاً لأن يُقدم على ذلك. وهنا أيضاً علينا أن نتخيل مشروع قانون يُعرض على مجلس النواب ينص على تأسيس جيش رديف أو موازٍ يشبه جهاز الحرس الثوري في ايران أو الحشد الشعبي في العراق، وأن يكون لهذا الجهاز استقلاليته التامة. ولنتخيل من سيصوت لمصلحة هذا القانون ومن سيصوت ضده. الأرجح أن الحزب وقبل أن يبذل جهداً مشابهاً للجهد الذي بذله في يوم القمصان السود حين أجبر جنبلاط على القبول بنجيب ميقاتي رئيساً، يمكنه اليوم أن يؤمن أكثرية نيابية تصوت إلى جانب هذا القانون.

لا شك أن الانتخابات النيابية الأخيرة صعبت مهمة الإعتراض على سلاح حزب الله، واذا كانت مهمة انتزاع مقاعد شيعية من الحزب قد فشلت، لا بل أن الحزب انتزع ما كان تبقى من مقاعد تلك الطائفة خارج نفوذه، فإن التفكير في أسباب فشل هذه المهمة يجب أن يوازيه تفكير في أسباب حصول حلفاء الحزب على أصوات سنية، وعدد هؤلاء ليس قليلاً، اذ يمكن القول أن بيد حلفاء الحزب من السنة ربع مقاعد طائفتهم.

إقرأ أيضاً