هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

هل الموضوعية هي ما ينبغي أن نبحث عنه في الاعلام؟

أصدرت “مؤسسة نايت” في شهر يناير/كانون الثاني تقريراً جديداً حول “الثقة، والإعلام، والديمقراطية”. وجاء التقرير في وثيقة مُطولة -تتكون من 71 صفحة، يضم قسم “النتائج الرئيسية” وحده 28 نقطة تحت ثمان عناوين رئيسية- تناول بالبحث المفصل أسباب عدم قدرة المنظمات الإخبارية الحديثة “على الوفاء بمسؤولياتها الديمقراطية في إيصال المعلومة للجمهور، ووضع القادة الحكوميين في موضع المسائلة”.
حدد التقرير العديد من العوامل المساهمة في ذلك، ولكن ليس بنفس حجم التصور الذي لدى الجمهور بأن المؤسسات الإخبارية في البلاد ليست موضوعية. فوفقاً للدراسة الاستقصائية التي استندت عليها مؤسسة غالوب-نايت في إعداد تقريرها، يعتقد أقل من نصف مواطني الولايات المتحدة الأميركية أن المنابر الإخبارية “تنقل الأخبار بموضوعية”. فقد أدى التحيز السياسي على ما يبدو إلى تآكل الثقة لدى المُتلقي، ليهبط بذلك عدد من يُصدقون ما يُعرض عليهم من أخبار إلى 37 من كل 100 شخص، وذلك حسب “مقياس الثقة في وسائل الإعلام”.
يُفهم ضمنياً من التقرير ونتائجه أن ثمة ادعاء افتراضي يقضي بضرورة تمتع الصحافة بالموضوعية وعدم التحيز -وأن الحالة الإعلامية الراهنة، حالة غير طبيعية لافتقارها لكلا القيمتين. وهو ما يثير شعوراً بالحنين لعصور المجد القديمة، عندما كانت الصحافة بطلة أحداث جسام، مثل فضيحة ووترغيت، ووثائق البنتاغون، وعندما كانت النزاهة والاستقلالية تمثل جُل اهتمام الصحفيين والناشرين. فقد نُقل عن ليندون بينز جونسون قوله “إذا فقدت كرونكايت، فقد فقدت البلاد”. ولكن يبدو أن مثل هذه المخاوف لا تقض مضجع الرئيس الحالي.
لم تكن وسائل الإعلام الموضوعية وغير الحزبية موجودة في هذه البلاد منذ الخمسينات حتى سبعينات القرن الماضي تقريباً. ولكن في هذه الفترة، كان هذا أمراً جديداً أيضاً. قبل ذلك، لم تكن هناك صحافة غير الصحافة الحزبية. فقد أطلقت الصحف التي يسيطر عليها الفيدراليون على توماس جيفرسون اسم “الكافر”، بينما أطلقت الصحف الديمقراطية-الجمهورية على جورج واشنطن اسم “الخائن”. وقبل أن تصبح الصحافة “مهنة” في العصر التقدمي، نظم محررو الصحف أحزاباً، وعقدوا الاجتماعات في مكاتبهم. لذا، فإن كان حال الأخبار الموضوعية المعاصرة مؤسف، لكنه لا يدعو إلى كل هذه الدهشة. لقد نشأ النقل الموضعي للأخبار في هذه البلاد نتيجة لاقتران عدد من الملابسات معاً، مثل ازدياد انتشار الوسائل التكنولوجية -عدد كبير من الشبكات التلفزيونية، وعدد أقل من الصحف المحلية-، إجماع وتعاون سياسي واسع النطاق، ومصداقية مهنية راسخة نابعة من الاستقلالية. تلك العوامل، لم يسبق لها أن اجتمعت معاً على الإطلاق، وربما لن يحدث ذلك مرة أخرى.
مع ظهور التلفزيون، بدأت بعض الشبكات الإخبارية اختبار عرض بعض البرامج الإخبارية الجادة، وهو ما تحول في نهاية المطاف إلى البرامج الإخبارية التي تستمر لمدة 30 دقيقة، والتي تميزت بها فترة الستينيات من القرن الماضي، وحازت على اهتمام كبير. شاهد الناس هذه البرامج، وتابعها الكثيرون منهم. إذ لم يكن أمامهم خيارات أخرى.
شاهد الأميركيون نفس الأخبار، قل ذلك أم كثر، ما جعل الاتفاق على مجموعة واحدة من الحقائق والروايات أكثر سهولة. هذا الإجماع الذي يصعب تصوره في الوقت الراهن، نبع أيضاً من الديناميات السياسية القائمة آنذاك. ففي السنوات التي أعقبت الحرب، لم يكن الديمقراطيون أو الجمهوريون موجهون تبعاً للأحداث الهجومية، ولم يكونوا بهذا الانضباط الأيديولوجي الحزبي الذي أصبحوا عليه الآن، بل كانوا منفتحين ويمتلكون تحالفات متداخلة في برامج وطنية متشابهة بما فيه الكفاية لكل منهما بما لا يدعو لوجود حقائق وقيم مختلفة كلياً تبرر وجودهما. ربما يجنح بعض القادة السياسيين إلى الاعتراض على نبرة أو موثوقية التغطية الإخبارية – التي اشتهر بها نيكسون-، ولكن، ما الذي يمكنهم فعله حيال ذلك؟ كانت وسائل الإعلام الرئيسية بمثابة الحامي للمعلومات، والشاهد على النزاهة. ولم يكن هناك مكان آخر يمكن اللجوء إليه.
لم تقل الصحف أهمية عن ذلك، إذ شهدت طفرة قوية سريعة في هذه الفترة. فعلى مدار عشرات السنين، كانت للمدن الصغيرة في الولايات المتحدة الأميركية صُحف صباحية ومسائية ذات توجهات سياسية مختلفة. فإذا أخذنا مدينة تشارلستون في ولاية فيرجينيا الغربية على سبيل المثال، والتي كانت تصدر فيها صحيفة “ديلي ميل” المحافظة في الصباح، وصحيفة “جازيت” الليبرالية بعد الظهيرة. ولكن مع انتشار التلفاز والراديو، انهارت قاعدة اشتراكات الصحف، ومن ثم، اختفى التنوع في عرض الأخبار مع هذه التطورات. فقد استحوذت شركات إعلامية مثل Knight Ridder، وMcClatchy، وScripps على الأسواق الصغيرة، ما تسبب في القضاء على الأصوات الأخرى، وفرضت تماثلاً سياسياً محايداً واسع النطاق. فقد انخفض عدد المدن التي تُصدر صحيفتين يوميتين أو أكثر بنسبة تزيد عن 60% خلال الفترة ما بين عامي 1945 و1968. وازداد توزيع الصحف الذي استمر في العمل بطبيعة الحال، ما دفع الناشرين إلى استيعاب هذا العدد من المشتركين، وبالطبع المعلنين، عن طريق تقديم مجموعة كبيرة من الآراء السياسية الموضوعية.
بدأ الإجماع حول الأخبار غير الحزبية في الاضمحلال في ثمانينيات القرن الماضي. وقد فرضت شركات القنوات التلفزيونية نوع جديد من الضغوط على شبكات البث التلفزيوني، ما أجبرهم على التخلي عن الأخبار الخطيرة المستندة على الحقائق، التي كانت تمثل الأساس الراسخ للموضوعية، في تخل عن الصحافة المهنية الموضوعية لصالح الإثارة وجذب المشاهدة. فقد كانت نسبة الأخبار المتعلقة “بالشؤون المدنية” في الشبكات الإخبارية عام 1969، تبلغ 58%، ولكن بحلول عام 1997، انخفضت هذه النسبة إلى 36%. وفي عام 1987، ألغى ريغان مبدأ العدالة، الذي يحتم على الشبكات التلفزيونية توفير تغطية إخبارية متوازنة، وفي غضون ذلك، ازداد عدد المحطات الإذاعية المحافظة بشكل غير مسبوق، فقد تضاعف عدد المحطات الإذاعية الإخبارية أو الحوارية ست مرات بين عامي 1990 و2009، ليصل عدد المستمعين لهذه المحطات إلى 53 مليون مستمع أسبوعياً. وفي عام 1996، أطلق روبرت موردوخ شبكة فوكس الإخبارية، والتي أصبحت أول شبكة إخبارية تلفزيونية وطنية حزبية، الأمر الذي غير جزء كبير من المعايير والقيم الراسخة للمهنة إلى الأبد. وتكفل الإنترنت بما بقي منها.
ولم تسفر الموجة الحالية من جهود دمج وسائل الإعلام عن المزيد من الموضوعية، فأي شخص يبحر فيما يُعرض على الإنترنت يدرك ذلك. فقد حلت المدونات الموجهة الرأي، ومواقع الرأي الإلكترونية المتكاملة محل العديد من وسائل الإعلام التقليدية النافذة، ما أدى إلى انتشار واسع للمحتوى الحزبي. كما أن المعايير المهنية قد تكيفت مع ديناميات الواقع الجديد، مستغلةً العواطف المتأججة من الغضب والتهديد والإثارة في تحسين ذاتها. وهو أمر رائع بالنسبة للانخراط في السياسية -مثل شبكة فوكس الإخبارية-، لكنه في الوقت نفسه، أمر غاية في السوء بالنسبة للموضوعية.
هل هناك طريقة لعكس هذا الاتجاه؟ على الأرجح لا. فالسياسة الأميركية في الوقت الراهن قائمة بشكل كبير على القضايا الوطنية، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية عملية أمر صعب للغاية، فالناس أقل ميلاً إلى فسح المجال لمثل هذه القضايا الرمزية الواسعة، التي تميل إلى تحقيق الأفضلية الكاملة أو عدم الحصول على أي شيء، في ظل حرب حزبية صفرية. والأهم من ذلك، أن الأيديولوجية الجمهورية قد تدرجت من الكراهية الغامضة للأكاديميين والمفكرين، إلى عداء شامل لكافة أشكال العلوم والخبرات تقريباً. وتجدر الإشارة إلى أن تقرير مؤسسة نايت تضمن إحصائية مفادها، أن الجمهوريين الذين يرون أن هناك “قدراً هائلاً” من التحيز الإعلامي، مثلوا أغلبية ساحقة، بنسبة 67%، بينما تبلغ نسبة الديمقراطيين الذين يعتقدون في نفس الرأي 26%. بالنسبة للأشخاص الذين يتابعون وسائل الإعلام اليمينية، فإن الحقيقية لا تتعلق بمراجعة الواقع أو المنهج العلمي. بل هي ذات نوعية دينية تقريباً، ولا تعدو كونها مسألة إيمان أو وجدان.
ما من شك أن التكنولوجيا سوف تتغير مرة أخرى. ربما في عصر جديد من الواقع الافتراضي، وسوف ترتفع تكلفة إنتاج المحتوى الإخباري، كما سيكون هناك عقبات أمام الدخول إلى المجال، ما يجبر المدونين والسياسيين المتعصبين على الخروج من اللعبة، واستعادة الموضوعية. ولكن حتى مع مغادرة هؤلاء المتحكمون، وفي ظل احتكار توجيه الرأي، ليس هناك ما يضمن أن شيئاً جيداً سوف يحل محلهم، وذلك لأن عدم وجود تنوع إخباري يمكن أن يُترجم بسهولة إلى سلطة مركزية شمولية، والتي قد تكون أحد الأسباب التي أدت إلى التعديل الدستوري الأول المدافع عن حرية الصحافة، والنابع من مكافحة الاستبداد في الأيام الأول من عمر الولايات المتحدة الأميركية.
الاحتمال الأرجح، سوف يكون على الأميركيين أن يتعلموا التعايش مع وسائل الإعلام الحزبية، التي تُعد القاعدة السائدة في أغلب الديمقراطيات، فالصراع والتنافس هما المعيار  للديمقراطية -إذ تحرم السياسات التوافقية الناخبين من الخيارات الحقيقية-. كما يمكن لوسائل الإعلام الحزبية أن تعمق الانقسامات الحزبية القائمة -انظر إلى شبكة فوكس الإخبارية مرة أخرى-، لكنها تُظهر هذه الانقسامات في غالب الأمر. ففي نظام سياسي منقسم حول أمور أساسية كالعلم، والدين، والهوية الوطنية، فإن الإجابة على سؤال، “كيف سيبدو شكل وسائل الإعلام المسؤولة؟” قد يصبح أكثر إلحاحاً – ولكن يمكن الإجابة على هذا السؤال فقط “بالموضوعية”.
بقلم: لي دروتمان
– المقال مترجم عن موقع new republic ولمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابطالتالي
 
 

إقرأ أيضاً