هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

هدية الأمير: سلفيو الكويت يدفعون الثمن بعد منحهم دوراً أكبر

سلطان بال

حملت السنوات التي مضت منذ انطلاقة انتفاضات الربيع العربي في أواخر عام 2010، تطورات طيبة بالنسبة إلى الجماعة السلفية الكويتية، وهي المجموعة السلفية الأقدم والأبرز في البلاد. ففي أعقاب موجة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2011، عمدت أسرة الصباح الحاكمة إلى استلحاق الجماعة السلفية لاستخدامها في مواجهة المعارِضين. نتيجةً لذلك، بات للجماعة حضورٌ قوي في مؤسسات الدولة، فيما عملت أيضاً على توسيع روابطها العابرة للأوطان. بيد أن العلاقة بين النخبة الحاكمة وبين الجماعة السلفية في الكويت، تشكّل مؤشراً على الروابط التي كثيراً ما تكون معقّدة بين الأنظمة العربية وبين المجموعات الإسلامية، والتي تتسم بتحالفات براغماتية متقلّبة؛ فيسعى كل من الطرفَين إلى تحقيق مزايا تفاضلية على حساب الطرف الآخر، لا سيما على مستوى السلطة السياسية أو شبكات المحسوبيات الموسَّعة. هذا علاوةً على رغبة الأنظمة عادةً في الإبقاء على قبضة مُحكمة على المجموعات الإسلامية. وهكذا، في المشهد السياسي المنقسم في الكويت، من شأن صعود السلفيين أن ينقلب سريعاً ضدهم.

إشارة إلى أن الجماعة السلفية، المعروفة أكثر باسم إحياء التراث، سُمّيت تيمناً جمعيتها الخيرية العابرة للأوطان، “جمعية إحياء التراث الإسلامي”. تُشارك الجماعة السلفية في السياسة البرلمانية الكويتية منذ عام 1981، وهي ممثَّلة في الهيئة التشريعية عبر جناحها السياسي، التجمع السلفي الإسلامي. وفي حين أن جمعية إحياء التراث الإسلامي والتجمع السلفي الإسلامي هما كيانان منفصلان رسمياً، إلا أنه سرٌّ معروف أنهما جناحان مؤسسان للجماعة السلفية يجمع بينهما ترابطٌ وثيق– حتى أن موظّفين من “جمعية إحياء التراث الإسلامي” يتولون، في بعض المناطق الكويتية، تنظيم الحملات الانتخابية للتجمع السلفي الإسلامي.

النظام السياسي الكويتي فريد من نوعه في الخليج. فللبلاد منظومة برلمانية متعددة الأحزاب ذات هيئة تشريعية نافذة وانتخابات حرة نسبياً، بما يتيح هامشاً واسعاً للمعارضة السياسية. غير أن أفراد أسرة الصباح ما زالوا يشغلون المناصب السياسية الرئيسة في البلاد. وبغية الحفاظ على سيطرتها، لطالما اتّبعت الأسرة الحاكمة لعبة التوازن من أجل التصدّي لخصومها أو تعطيلهم، فيما هي تنشط لتقسيم المشهد السياسي بما يصبّ في مصلحتها. على سبيل المثال، في الستينات والسبعينات، أقدمت الحكومة على تجنيس نحو مئتَي ألف من أبناء القبائل لم يكونوا حائزين على جنسية في السابق. وكان يُنتظَر منهم التصويت لمرشحي الحكومة في الانتخابات، بهدف الحد من وزن المعارضة اليسارية والقومية العربية التي يتركّز معظمها في المدن.

وفي السبعينات والثمانينات، بدأت أسرة الصباح تقدّم مساعدات سياسية ومالية للإخوان المسلمين، لتعزيز مكانتها اجتماعياً وسياسياً، مع السعي من جديد إلى إحباط القوميين العرب البارزين. في الوقت نفسه، تحوّلت النخبة الحاكمة نحو التيار السلفي الوليد لمنع الإخوان من السيطرة على المشهد الإسلامي السنّي في الكويت.

وقد تمكّن التيار السلفي، بفضل الدعم المؤسسي والمالي، من التنافس مع الإخوان وجمعية الإصلاح الاجتماعي التابعة لهم، وهي جمعية خيرية كانت أيضاً حزباً سياسياً قبل عام 1991. عام 1981، تبرّع فهد الأحمد الصباح، وهو عضو بارز في الأسرة الحاكمة، بأموال لتمكين السلفيين من إنشاء جمعيتهم الخاصة، “جمعية إحياء التراث الإسلامي”، فحصلوا بذلك على غطاء سياسي لأنشطتهم.

كانت الجماعة السلفية المستفيد الرئيس من سلسلة الخضّات السياسية التي أعقبت انتفاضات الربيع العربي عام 2011. ففي حين أن الاحتجاجات في الكويت لم تؤدِّ إلى تغيير فوري للنظام، إلا أنها ألهمت تياراً معارِضاً متعدّد الأوجه طالب بالإصلاح السياسي ووضع حد للفساد. واشتملت هذه المعارضة، التي أسقطت الحكومة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، على مجموعات قبلية، ومتشددين إسلاميين، وشخصيات ليبيرالية. وقد قطع الإخوان حلفهم السابق مع النخبة الحاكمة وانضموا إلى التظاهرات، فاتُّهِموا، على ألسنة نوّاب وصنّاع رأي مقرّبين من الحكومة، بأنهم الجهة المنظِّمة الأساسية للاحتجاجات.

وفي الوقت نفسه، فإنّ السياق الحرّ للسياسة الكويتية، يعني أن التحالف السياسي بين الأسرة الحاكمة وبين السلفيين قد ينتهي عند نقطة ما. ويمكن أن تسقط الجماعة السلفية بسهولة إذا كانت مصالح النخبة الحاكمة تملي عليها دعم جماعة أخرى، كما حدث مع الإخوان المسلمين بعد احتجاجات عام 2011.

في المقابل، اعتبرت الجماعة السلفية، في قراءتها النصوص التأسيسية للإسلام، أنه لا يجوز الخروج على حاكم مسلم شرعي. وعبّرت عن رأيها هذا خلال صلوات الجمعة، والمحاضرات الدينية، وعلى صفحات الصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي. وفي حين أتاح هذا الموقف للجماعة السلفية كسب الحظوة لدى الأسرة الحاكمة، إلا أنه ألحق أضراراً بالسلفيين. فقد انقسمت الشبكة التي تقف خلف الجماعة السلفية إلى معسكرَين، واحد موالٍ للحكومة وآخر موالٍ للمعارضة، وعمد معارضو الحكومة في غالبيتهم- بقيادة السياسي السلفي الكويتي المخضرم خالد سلطان بن عيسى– إلى الانسحاب من التجمع السلفي الإسلامي و”جمعية إحياء التراث الإسلامي” على السواء.

كذلك اعتبر عدد كبير من الكويتيين أن الجماعة السلفية تُقدِّم دعماً مُطلقاً للأسرة الحاكمة، ماتسبّب بتراجع شعبيتها. وهكذا، في انتخابات تشرين الثاني 2016، لم يتمكّن مرشحو الجماعة السلفية من الفوز بمقعد واحد في مجلس الأمة. لكن على رغم هذه الانتكاسة، واصلت الجماعة تحالفها مع أسرة الصباح.

رداً على الاحتجاجات، عمد الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح إلى حل مجلس الأمة الخاضع إلى سيطرة المعارضة في أواخر عام 2012، ما أدّى إلى تنظيم انتخابات جديدة مبكرة في مطلع عام 2013. بيد أن المعارضة قاطعت هذه الانتخابات، فتشكّلت هيئة تشريعية موالية بصورة أساسية للحكم. وقد كوفئ السلفيون الموالون بتعيينهم في مناصب مرموقة في مؤسسات الدولة. فعلى سبيل المثال، أصبح أحد أبرز قيادييهم، علي العمير، وزيراً للنفط ثم وزيراً للأشغال العامة.

بيد أن أداة التدجين الأساسية التي استخدمتها أسرة الصباح، كانت إعطاء الجماعة السلفية دوراً مسيطِراً في ما يُسمّى القطاع الإسلامي في الكويت، والذي يتضمن مؤسسات إسلامية تابعة للدولة مثل بيت الزكاة، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والأمانة العامة للأوقاف. معروف أن السلفيين والإخوان المسلمين، يتنافسون منذ الثمانينات، على النفوذ في هذه المؤسسات، التي سيطر عليها عادةً الإخوان من ذوي المهارات. لكن عندما فقدَ الإخوان الحظوة لدى النخبة الحاكمة، تمكّن أنصار الأسرة الحاكمة من السلفيين من تعزيز سلطتهم على هذه الشبكة المؤسسية القيّمة الخاصة بالمحسوبيات الدينية.

أُنشئ بيت الزكاة عام 1982 كهيئة حكومية مستقلة مكلّفة جمع الزكاة، والاستثمار في مشاريع خيرية داخل الكويت وخارجها. كان الإخوان المسلمون هم مَن أطلق فكرة إنشاء بيت الزكاة، وقد سيطروا عليه إلى حين تقاعد مديره، عبدالقادر العجيل، عام 2014. وقد عيّنت الحكومة ابراهيم صالح، العضو في الجماعة السلفية، خلفاً له، ودُفِع عددٌ من موظفي بيت الزكاة المنتمين إلى الإخوان، إلى التقاعد، أو لم يتم تجديد عقودهم، واستُبدِلوا بسلفيين أو أشخاص موالين للحكومة غير تابعين لتيارات معيّنة.

وقد برز بصورة متزايدة حضور السلفيين المتنامي في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وعلى غرار ما حدث في بيت الزكاة، دُفِع الموظفون المنتمون إلى الإخوان، إلى مغادرة الوزارة، وفي حالات كثيرة، حلّ مكانهم سلفيون مقرّبون من الجماعة السلفية. حالياً، معظم رؤساء الأقسام في الوزارة ونائب الوزير، فريد العمادي، هم من السلفيين. ونتيجةً لذلك، سجّل عدد الأئمة التابعين للجماعة السلفية زيادة كبيرة، حتى أن بعض الكويتيين يقولون إن معظم المساجد خاضعة الآن إلى سيطرة السلفيين.

كذلك حصل عدد كبير من السلفيين على وظائف في الأمانة العامة للأوقاف، أي المؤسسة التي تشرف على الأوقاف الإسلامية، والتي تأسست لأغراض خيرية محددة. والأمانة العامة للأوقاف هي صاحبة قرار في شأن الجهات التي يجب دعمها، وأين يجب تنفيذ الأنشطة المنصوص عليها في الوثائق التأسيسية للأوقاف، ولذلك فإن تولّي منصب نافذ في هذه المؤسسة يمكن أن يعود بفائدة كبيرة لتوسيع شبكة المحسوبيات. لكن خلافاً لما هي الحال في بيت الزكاة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يبقى تأثير الإخوان قوياً داخل الأمانة العامة للأوقاف، على رغم المحاولات الهادفة إلى كبحه.

الهيئات الخيرية السلفية العابرة للأوطان

منحت عائلة آل صباح السلفيين بعد استمالتهم فرصة لتوسيع شبكاتهم إلى بلدان أخرى. وأدّى الدور المتوسّع للجماعة في المؤسسات الإسلامية في الكويت إلى زيادة إمكان وصولها إلى الموارد المالية للمشاريع الخيرية في الخارج، ما مكّنها من استخدام مثل هذه الموارد لتعزيز تأثير “جمعية إحياء التراث الإسلامي” وزيادة قوّتها.

تأسّست هذه الانطلاقة الجديدة للجمعية على ثلاثة عقود كانت خلالها موجودة في أكثر من خمسين دولة. وبدءاً من عام 1987، كانت هذه الجمعية نشطة في باكستان خلال الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، حيث ساعدت اللاجئين الذين كانوا يعبرون الحدود الأفغانية. وأظهر الكويتيون استعداداً كبيراً للتبرّع بالمال لدعم الأنشطة الإنسانية، ما مكّن الجماعة السلفية من التوسّع في جميع أنحاء العالم. وإضافة إلى مساعدة المسلمين المتأثرين بالصراع، نشرت “جمعية إحياء التراث الإسلامي” الدعوة عبر الاستثمار بكثافة في التخفيف من حدّة الفقر، وبناء مدارس دينية ومساجد، وكفالة آلاف من الدعاة.

يُعدّ بيت الزكاة مثالاً جيداً على كيفية استفادة الجماعة السلفية، في ظل القيادة السلفية الجديدة التي تولت مسؤولية المؤسسة بعد عام 2011، من موارد الدولة لأغراض خيرية. إذ يتعاون بيت الزكاة مع الجمعيات الخيرية الإسلامية الكويتية، ويكلّفها تنفيذ مشاريع الإغاثة في الخارج. وبحسب أحد كبار موظفي بيت الزكاة، فإنّ حصّة هذه المشاريع المخصّصة لجمعية “إحياء التراث الإسلامي” زادت في ظل السلفيين، مشيراً إلى أن السلفيين الأجانب القريبين إيديولوجياً من الجماعة السلفية سافروا إلى الكويت للاجتماع بمسؤولين من بيت الزكاة، وهم يشعرون بأنّ القيادة الجديدة تتيح لهم فرصة أكبر في الحصول على التمويل مقارنة بالفترة الماضية.

توفّر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إمكانات مماثلة للرعاية الدينية، إذ يشرف قسم العلاقات الخارجية التابع لها على بناء المراكز الإسلامية في الخارج ويدفع لعلماء الدين الكويتيين لإلقاء محاضرات هناك. والسلفيون الأجانب الذين تربطهم صلات بالجماعة السلفية هم المستفيدون أكثر من قَبْل، من الدعم المالي للوزارة. كما أوضح موظف وزاري سابق، أنه لكي يحصل شخص ما على فرصة جيّدة للحصول على هذا الدعم، فهو يحتاج إلى دعم الجماعة السلفية.

ثمة دليل إضافي على التأثير المتنامي لهذه الجماعة. إذ تتلقى مؤسستها الخيرية الآن المزيد من التبرّعات من التجّار الكويتيين القريبين من الأمير، وكذلك من أثرياء العائلة الحاكمة. وعادةً ما يقدّم الكويتيون الميسورون تبرّعات للجمعيات الخيرية من طريق تمويل مشاريع محدّدة، مثل بناء مسجد أو عيادة. ونتيجة للعلاقة الوثيقة اليوم بين الجماعة السلفية والنخبة الحاكمة، تتلقى “جمعية إحياء التراث الإسلامي” حالياً المزيد من الأموال لمثل هذه المشاريع.

في السنوات الأخيرة، دُعي السلفيون من جميع أنحاء العالم إلى المشاركة في “مؤتمر الإصلاح والتغيير” الإسلامي الذي تعقده وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنوياً. وأوضح أحد موظفي “جمعية إحياء التراث الإسلامي”، أن المؤتمر يوفّر فرصاً ممتازة للقاء السلفيين من ذوي التفكير المماثل، وتوسيع الدعوة السلفية إلى مواقع جديدة. وهكذا نجحت الجمعية في إثبات وجودها في نيوزيلندا قبل بضع سنوات.

إنّ البيانات التي تقيس التوسّع الدولي لشبكات الجماعات السلفية نادرة. مع ذلك، تُمكن ملاحظة التأثير في مكان غير محتمل ككمبوديا ذات الأكثرية البوذية، حيث لا يشكّل المسلمون سوى 4 إلى 5 في المئة من السكّان. ومنذ سقوط النظام الشيوعي المدعوم من فيتنام عام 1991، تأسّست آلاف الجمعيات الخيرية العابرة للحدود في كمبوديا، وأكثرها نشاطاً هي تلك الماليزية والخليجية. وعلى رغم أن عدداً قليلاً منها كويتي- بما في ذلك جمعية الإصلاح الاجتماعي المرتبطة بالإخوان المسلمين و”الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية” القريبة من الإخوان أيضاً- فقد أصبحت جمعية إحياء التراث الإسلامي مؤثّرة جداً في أوساط مسلمي كمبوديا. كانت هذه المؤسسة الخيرية قد أُنشئت في منتصف التسعينات، ومنذ ذلك الحين، بنت شبكة تعليمية مع منظمة محلية غير حكومية تضم أكثر من ثلاثين مدرسة داخلية في جميع المحافظات. وكان أحد أهم إنجازاتها بناء مستشفى في محافظة كندال مع جمعيات خيرية كويتية عدّة أخرى، كما أطلقت مشاريعَ لتخفيف حدّة الفقر ورعت مئات الدعاة عبر كمبوديا.

منذ عام 2013، نمت أنشطة الجمعية في كمبوديا بشكل ملحوظ. وبفضل القدرات المالية المتزايدة للجماعة، وسّعت الجمعية نظامها ليشمل المدارس الداخلية الخاصة بالإناث. وحتى عام 2016، كانت توجد مدرسة واحدة فقط من هذا النوع في محافظة تبونغ خموم، تتسع لـ740 طالبة. أما حالياً، فيتم تشييد مبانٍ جديدة لـ1100 طالبة في المرحلتين الابتدائية والثانوية. وعام 2017، افتتحت المؤسسة الخيرية مدرستين إضافيتين للإناث في محافظة كامبوت الجنوبية، والتي بدأت تشييدها عام 2016.

وفي حين أن استتباع الحكومة الكويتية للسلفيين زاد من نفوذ الجماعة في الخارج، إلا أنها اتُهمت في الكويت بقلّة التركيز على روح الإسلام، والاندفاع بدلاً من ذلك نحو المصالح السياسية. واليوم، يحضر عدد من الناس الدروس الدينية للشيوخ المقربين من الجماعة، بينما عشرات، بل أحياناً مئات، كانوا يحضرون قبل بضع سنوات. كانت الهزيمة الانتخابية للجماعة السلفية عام 2016 هي الأولى منذ بدأت المشاركة في الانتخابات البرلمانية الكويتية، إذ عجز أي من مرشحيها عن الفوز بمقعد.

وفي الوقت نفسه، فإنّ السياق الحرّ للسياسة الكويتية، يعني أن التحالف السياسي بين الأسرة الحاكمة وبين السلفيين قد ينتهي عند نقطة ما. ويمكن أن تسقط الجماعة السلفية بسهولة إذا كانت مصالح النخبة الحاكمة تملي عليها دعم جماعة أخرى، كما حدث مع الإخوان المسلمين بعد احتجاجات عام 2011.

الخلاف بين جماعة الإخوان المسلمين وعائلة آل صباح ليس نهائياً، بيد أن كثيرين من الناس في الكويت، بما في ذلك أفراد من بيروقراطية الدولة نفسها، يشيرون بانتظام إلى أنّه ليس لدى السلفيين ما يكفي من الكوادر الناجحين لإدارة بيت الزكاة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكفاءة نفسها التي يتمتّع بها الإخوان المسلمون. وقد يدفع هذا الأمر العائلة الحاكمة إلى إعادة العلاقات مع جماعة الإخوان، وتجديد نفوذها في القطاع الإسلامي، ما قد يؤدي إلى تهميش السلفيين، بسبب شعبيتهم المتناقصة أصلاً.

بين المطرقة والسندان

يُعتبر استلحاق العائلة الحاكمة للجماعة السلفية مثالاً باهراً لطريقة عمل النظام السياسي في الكويت وكيفية تفاعل الحركات الإسلامية معه. فبسبب دعمهم الأسرة الحاكمة، أخذ السلفيون دوراً بارزاً في المؤسسات الإسلامية التابعة للدولة، التي عزّزت نفوذهم داخل البلاد وخارجها. مع ذلك، فهذه العلاقة، التي حدّدها اعتماد الإسلاميين على محاباة الدولة، سمحت أيضاً لحكام الكويت بخلق انقسامات بين الجماعات الإسلامية، بالطريقة نفسها التي قسموا عبرها خصومهم غير الدينيين.

هناك أيضاً عيوب متأصّلة في علاقة الإسلاميين بالنخبة الحاكمة التي سمحت لعائلة آل صباح بحشر الجماعات الإسلامية بين نتيجتين غير مستساغتين: إذا وقفت عن كثب في صفّ العائلة الحاكمة لتعزيز قدراتها الدينية، قد تنخفض شعبيتها. وإذا تبنّت موقفاً معارضاً للعائلة الحاكمة، فقد تنقطع مصالحها. إن الاعتقاد السائد بتبعية السلفيين العمياء للعائلة الحاكمة أضرّ بالفعل بصدقية الجماعة السلفية. وبإمكان عائلة آل الصباح فقط الاستفادة من هذه المعضلة. فعبر الحفاظ على مركز رئيس للسلطة في حالة عدم التوازن، تحافظ العائلة على تفوّقها في اللعبة السياسية المعقّدة في الكويت.

* هذا المقال جزء من مجموعة أبحاث عن الإسلام السياسي ينشرها مركز “كارنيغي للشرق الأوسط”

إقرأ أيضاً