هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

هآرتز: استيلاء نتنياهو على الإعلام الإسرائيلي بدأ بصحيفة “البوست”

في خريف عام 1989، كنت المراسل الدبلوماسي لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية. وفي أحد الأيام، استُدعيت لمكتب يهودا ليفي، الذي كان قد عُين مؤخراً رئيساً وناشراً للصحيفة من قبل ملاكها الجُدد، شركة “هولينجر” الكندية، التي يملكها كونراد بلاك، المحافظ المتطرف، وشريكه الأصغر اليهودي ديفيد رادلر. أقلقني الاستدعاء العاجل، الذي تجاوز محرريّ. كنت على علم تام بشكاوى ليفي ضد التقارير التي وصفها بعدم التوازن -أو أحياناً بالـ “يسارية متطرفة”. – وقد تأكدت مخاوفي على الفور عندما دخلت إلى الغرفة وأخبرني بنبرة زاجرة أن بنيامين نتنياهو، مساعد وزير الخارجية آنذاك، يشتكي من أن تقريري عن الخطاب الذي ألقاه في جامعة تل أبيب كان خاطئاً. قلت إن بإمكان نتنياهو أن يشكو كما يريد، ولكن لدي شريط تسجيل بالكلمة التي ألقاها، واقترحت عليه أن يسمعها بنفسه، لكنه رفض. وبدلاً من ذلك، فاجأني بمطالبتي بالاتصال بالمتحدث باسم نتنياهو، بل وأن أضع في اعتباري تقديم اعتذار. وقال “عندما يشكو الناس، عليك أن تأخذ ذلك في الحسبان”.
تلك الحادثة كانت هي الأخيرة من نوعها ضمن سلسلة من محاولات ليفي للتدخل بشكل مباشر وصارخ في الإدارة التحريرية للصحيفة. وقد أشعل ذلك ما صار يُعرف باسم “تمرد” صحفيو “البوست”، وهو أول وآخر جهد منظم يقوم به الصحافيون الإسرائيليون لمقاومة الملاك العدائيين والناشرين الجائرين. كتب ثلاثون من كبار المحررين والصحافيين في الصحيفة -بقيادة ديفيد لانداو رئيس التحرير آنذاك، ثمّ محرر في صحيفة “هآرتس” مستقبلاً، والذي أشك في أنه يرقد في سلام عندما ينظر إلينا من أعلى، إلى ليفي أنه نظراً للظروف، فهم لا يمكنهم تصور البقاء في العمل في الصحيفة. أما ليفي، الذي كان في الماضي عقيداً في جيش الدفاع الإسرائيلي وظلت شخصيته على هذا النحو، فقد رد بشكل حاسم، أمر الصحافيين المتمردين بإخلاء أنفسهم ومتعلقاتهم من مبنى “جيروزاليم بوست”، في غضون نصف ساعة، بل واستأجر حراس أمن للتأكد من عدم أخذهم أي شيء آخر.
على الرغم من المهانة، إلا أننا شعرنا بالانتعاش، إذ كنا متيقنين من أننا مقاتلون شجعان من أجل الحرية، سددنا ضربة في سبيل التحرر. بعد التفكير، وجدنا أننا ببساطة مهدنا الطريق أمام ليفي ومراسليه من المحافظين المتطرفين في “هولينجر” للسيطرة على البوست، التي كانت تتمتع وقتها بمكانة دولية كبيرة، وقولبتها في محتوى يميني يناسبهم. وهي حبكة دُبرت بلا قيود في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق شامير، ثم دفعها نتانياهو قدماً بشكل حاسم، وكانت على وشك أن تنفذ على أرض الواقع.
كان موقف شامير معتدلاً نسبياً تجاه الصحف الخطيرة التي تصدر بالعبرية مثل “هآرتس”، والمنشورات الحزبية التي لم يعد لها وجود الآن مثل دافار والهمشمار، لكن “البوست”، وهي المنشور الوحيد الذي يصدر باللغة الإنجليزية في ذلك الوقت، أثارت أعصابه. كان شامير يعتقد أن الصحيفة تجعل مجهودات الحسبارا، التي كانت تعاني بالفعل من اندلاع الانتفاضة الأولى، أكثر صعوبة. عندما مُنح رادلر، اليهودي الكندي اليميني المتطرف رجل الأعمال الكبير القادم الذي سيدخل السجن لاحقاً تماماً كشريكه الأسود الأكثر شهرة، فرصة الاجتماع مع شامير لوقت قصير، سأل أري ميكل، مستشار رئيس الوزراء، كيف يمكنه المساعدة. وقد أجاب ميكل مازحاً أن بإمكانه شراء الصحيفة إذا كانت متاحة للبيع. بعد ذلك بعامين، عندما قررت محطة Koor الإذاعية التي تمر بضائقة مالية وتنتسب إلى الهستدروت، جنباً إلى جنب مع بنك هابواليم، بيع “البوست” التي كانت تحقق الخسائر، تذكر ميكل ضيفه الكندي. فأرسل نتنياهو الذي كان وقتها في نيويورك إلى كاجول رادلر، -وهو رجل أعمال كبير آخر من المحافظين، وقع تحت تأثير نتنياهو عندما كان فى الأمم المتحدة ليقدم له عرضاً. وعلى ما يبدو كان نتنياهو مقنعاً للغاية، إذ كان عرض مكتب هولينجر بأن يدفع 20.7 مليون دولار مقابل حيازات كور التي تبلغ بنسبة 51%، أعلى بأضعاف كثيرة مما كانت الشركة مستعدة لقبوله. لاحقاً، سيروي الراحل آري راث، الناشر والمحرر آنذاك، أنه عندما فتح مديرو Koor عرض هولينجر، كانوا متأكدين من وجود خطأ مطبعي.
كانت أولى خطوات رادلر هي تعيين ليفي ناشراً و”رئيساً”، وهو لقب غير معروف إلى اليوم. عرف رادلر ليفي منذ أن كان الأخير يخدم في جيش الدفاع الإسرائيلي كمبعوث للصندوق القومي اليهودي في فانكوفر. لاحقاً وجد ليفي لقمة عيشه في تنظيم الرحلات إلى إسرائيل للمسيحيين الإنجيليين، وهي حالياً تجارة مزدهر، قبل أن يحوله رادلر إلى الساحة الإعلامية. على الرغم من تعهدات رادلر المبدئية باحترام الاستقلالية التحريرية للصحافيين، لم يهدر ليفي بصوته القيادي وطريقة العدوانية الاستبدادية، دقيقة واحدة. راث تم إخراجه على الفور، وبعد ستة أشهر، ترك المحرر المشارك إروين فرينكيل المكان على خلفية توترات بينه وبين ليفي وإصرار الناشر على إملاء بل وكتابة مقالات “البوست” غير الموقعة. وكان واضحاً لعدد كبير من المحررين والصحافيين أن ذلك الوضع غير قابل للاستمرار. وبينما كنا نحمل صناديقنا إلى خارج مبنى “جيروزاليم بوست” يراقبنا رجال ليفي، كنا واثقين من أن الكلمة الأخيرة لم تُلق بعد.
حصل المتمردون، الذين كانوا يُشكلون معظم كبار العاملين في “البوست”، على بعض الدعم من الصحافة العبرية والكثير منه من وسائل الإعلام الدولية، ولكن الرأي العام الإسرائيلي لم يهتم كثيراً بدراما الصحيفة التي تُنشر بالإنجليزية. كان بعض القراء قد انتابهم الغضب، ولكنهم تأقلموا بسرعة مع “البوست” بشكلها الذي صارت تصدر فيه خلال الأشهر التالية لرحيلنا. أما نقابة عمال الهستدروت، التي ربما استشعرت الحرج من أن شريكيها التابعين لها koor وبنك هابواليم قد باعا الصحيفة والصحافيين العاملين بها كرأسماليين حقيقيين، وتشدقا ببعض الكلام ولكن ليس لفترة طويلة. وفي خضم تفاخرنا وغبائنا، رفضنا العرض الماكر الذي قدمه الراحل حاييم بارون، ناشر الصحيفة الاقتصادية غلوبس Globes، والمتمثل في إصدار صحيفة منافسة باللغة الإنجليزية في اليوم التالي مباشرةً. وكنا نفضل انتظار مستثمر بتمويل أكبر، وأجرينا بالفعل محادثات مع رجل الأعمال الألماني الكبير إدوارد ساروسي، الذي ستؤدي رواتبه السخية لاحقاً إلى إسقاط الرئيس الإسرائيلي عيزر فايتسمان. عندما انهارت تلك الاتصالات، وجد متمردو “جيروزاليم بوست” أنفسهم وحيدين مُبعدين وبالأساس عاطلين. سينفذ لانداو بعد بضع سنوات انتقاماً متأخراً من خلال إنشاء نسخة إنجليزية من صحيفة هآرتس من شأنها أن تنافس “البوست”، ولكن المتمردين أنفسهم كانوا قد تفرقوا في كل الاتجاهات.
انهارت معارضة ليفي وهولينجر ومحاولة مقاومة أول استيلاء واضح على وسيلة إخبارية من قبل رجل أعمال كبير يسعى إلى خدمة اليمين بشكل عام ونتنياهو على وجه الخصوص. وسيتعرف الإعلام والجمهور الإسرائيلي بشكل مؤلم على أسماء المتطلعين إلى أخذ دور كبار الإعلاميين، مثل نيمرودي ودانكنر وأديلسون والآن شاؤول إلوفيتش، الذي يجري التحقيق معه حالياً بتهمة رشوة نتنياهو بتغطية إيجابية له في موقعه الإخباري الشهير Walla، ولكن خضوع “البوست” كان بمثابة نقطة الصفر في هجوم القلة على وسائل الإعلام الإسرائيلية. لطالما كانت الإذاعة الحكومية خاضعة للتدخل الحكومي والسياسي، ولكن تلك المحاولة للاستيلاء على صحيفة خاصة بشكل عدائي كانت الأولى من نوعها. ظن متمردو “البوست” أنهم يقاتلون من أجل نزاهة الصحافيين واستقلاليتهم، ولكنهم بدلاً من ذلك انتهى بهم الأمر إلى تكريس ضعفهم.
المرحلة الأخيرة والأكثر تدميراً من حملتنا الساذجة كانت في العامين التاليين في محاكم العمل الإسرائيلية. كانت القضية الشاغلة هي دعوى بدفع مكافأة نهاية الخدمة من قبل رئيسة تحرير المجلة، جوانا يهيل، التي حثت ليفي على تضمين صور إيجابية لأصدقائه من الجيش في منشورها الذي يصدر نهاية الأسبوع. وفي أبريل/نيسان عام 1993، حكمت محكمة العمل في القدس لصالح يهيل، وكانت في ذلك تحاول وضع قاعدة دستورية جديدة وطموحة. اعترفت القاضية إليشيفا باراك زوجة أهارون باراك، رئيس المحكمة العليا السابق الشهير، بحق المالك في نشر التوجه السياسي للصحيفة، وإصدار مبادئ توجيهية عامة، وفصل أي شخص يرفض الالتزام بها، ولكن طالما أن الصحافي لا يزال عاملاً بها، فهو يستحق الحماية ليس فقط من تدخل الدولة ولكن من الناشرين أيضاً.
“هل يعد الصحافي كأي عامل آخر؟” هكذا سألت باراك، وأجابت بالنفي. وعلى نقيض مبدأ ليبلينغ الشهير بأن “حرية الصحافة تخص أولئك الذين يمتلكونها”، سعت باراك إلى إعطاء بعضاً من هذه الحرية للصحافيين أيضاً. وتتطلب الأهمية الحاسمة للصحافة الحرة في المجتمع الحديث، التكيف مع ما وصفته باراك بالنهج “البالي” في بلدان مثل الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، والذي يحد من نطاق حرية الصحافة في عدم تدخل الدولة. وسعت باراك كذلك لاستيراد معايير جديدة من عدة دول أوروبية، بما في ذلك ألمانيا، تمنح الصحافيين مزيداً من الحصانات من أصحاب العمل، أكثر من تلك التي تمنحها قوانين العمل العادية. تقتضي الديمقراطية أن يتلقى الجمهور معلوماته من مصادر مختلفة، بحيث يصبح الاستقلال الذاتي للصحافة مكفولاً لحمايتها من العصابات الإعلامية المحتملة التي يديرها كبار رجال الأعمال، القادرين على إملاء المحتوى الذي يُنشر، ومن ثم التحكم في الخطابات العامة.
كانت فرحتنا بصياغة باراك المثيرة للدهشة لإعلان الاستقلال الصحافي كبيرة، ولكنها لم تدم طويلاً. فعند سماع استئناف “البوست”، ألغت محكمة العمل الوطنية برئاسة القاضي مناحم غولدبرغ حكم المحكمة الابتدائية. ووافقت على أن الصحافيين الذين يستقيلون من الصحف لأسباب ضميرية يحق لهم الحصول على مكافأة نهاية الخدمة كاملة كما لو تم فصلهم، ولكنه رفض جهود باراك الساعية لخلق حماية دستورية جديدة من الفراغ. وحكمت المحكمة بأن حق الملكية دستوري، وأن أي محاولة لتقييد حق الناشر في إخبار صحافييه بما يكتبونه يشكل انتهاكاً له. وكانت المحكمة مستاءة للغاية من “نضال” باراك حتى أنها لامتها صراحة على “توزيع الدرجات” للأعراف القانونية الأميركية والبريطانية التي تفتخر بتقديس حرية الصحافة، حتى وهي تقتصر فقط على أصحاب الصحف. وكما يعرض الفيلم الشهير “ذا بوست”، فقد كان قرار نشر أو عدم نشر أوراق البنتاغون متروكاً في النهاية لناشرة صحيفة واشنطن بوست، كاثرين غراهام، وليس لبن برادلي محرر الصحيفة المحترم. 
توقعت باراك الاندفاع المجنون لكبار رجال الأعمال أصحاب المصالح لشراء وسائل الإعلام الإسرائيلية، لكنها لم تكن قادرة على التنبؤ بعصر الإنترنت، الذي ستزهر فيه ألف زهرة تجعل الصحافة التقليدية تنزف حتى الجفاف. ولا كان بمقدورها أن تتوقع الهجمات المتضافرة من جانب الجناح اليميني الحالي على الصحافة وعلى الحقيقة نفسها. كان الثابت الوحيد، كما هو الحال الآن، هو نتنياهو وسعيه لفرض نموذج إعلامي روسي أو فنزويلي على إسرائيل، تنصاع فيه اﻷقلية طوعاً إلى الحكومة مقابل مكافآت مالية واسعة.
أصبح نتنياهو محبوباً في جريدة “جيروزاليم بوست” الجديدة. واستمتع بسنوات من التغطية المُحبة، حتى بعدما باعت هولينجر الصحيفة في عام 2004، وإن كانت حماستها قد قلت كثيراً. أدى نجاح نتنياهو في استمالة رجل أعمال كبير لشراء صحيفة، وإملاء محتواها وإخضاع صحافييها دون إثارة معارضة كبيرة، إلى تطلعه إلى المزيد بلا توقف، وهو ما أوصله إلى حاله اليوم.
 
*تشيمي شاليف
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع Haartz ولمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.
 
 
 
 

إقرأ أيضاً