هنا القصة الثالثة

حازم صاغية

مقالات الكاتب

نمط الكراهية اللبنانيّ

الانتخابات اللبنانيّة تقوم اليوم على ما يُسمّى “شدّ العصب” الطائفيّ. على تحريك الغرائز. على خطاب الكراهية: إن لم تصوّتوا لي فأنتم تصوّتون لعدوّ طائفتنا ومنطقتنا. هذه هي الرسالة المعمّمة.

هذا مفهوم. حيث تضرب سياسات الهويّة، وسياساتُ الهويّة تضرب بقوّة في لبنان، تأتي النتيجة على هذه الشاكلة. ولأنّ الأمر هكذا، يغدو من الرائج تعاظم العنصريّة حيال السوريّين والفلسطينيّين: ما دمنا نكره بعضنا إلى هذا الحدّ، فكيف يُستَغرب أن نكره السوريّين والفلسطينيّين وغير اللبنانيّين عموماً؟

مع ذلك فالمسألة أعقد:

فالتحالفات الانتخابيّة التي عقدها زعماء الطوائف لا توحي دائماً بهذه الكراهية، أو أنّها توحي بإمكان ضبطها و”عقلنتها”، بحيث لا تعود الطائفيّة طائفيّة قصوى، ولا تعود الهويّة هويّة بالمعنى الذي يوفّره الصفاء المزعوم والضدّية المطلقة.

تأمّلوا: “التيّار الوطنيّ الحرّ”، أي العونيّون، تحالفوا في دائرة صيدا – جزّين مع “الجماعة الإسلاميّة”، أي جماعة الإخوان المسلمين في لبنان. هذا قد يكون التحالف الأغرب لكنّه ليس الأوحد من هذا القبيل.

ما يُستنتج من التناقض المذكور يتعلّق بعضُه بالسياسة وبعضُه بنمط الكراهية الطائفيّة في لبنان.

فوحده غياب السياسة في هذه الانتخابات ما يسمح للمرشّح العونيّ في جزّين، مثلاً لا حصراً، أن يقول لجمهوره: اكرهوا الطائفة الأخرى لكنْ استثنوا فلاناً الفلانيّ الذين نخوض المعركة معه في لائحة واحدة. المرشّح الإخوانيّ يقول لجمهوره الشيء نفسه معكوساً. إذاً: لا مكان لأيّ استواء سياسيّ وبرنامجيّ. ثرثرة القرى تبقى أقوى وأقدر.

لكنّ المدهش في تلك الطاقة على تصعيد الكراهية وضبطها إنّما يتعلّق بالكراهية نفسها. فالمبدأ يقول إنّ الكاره حاقد لا يفكّر كثيراً بالأرباح والخسائر. إنّه متعصّب لهويّته وهويّة جماعته، يصدر تعصّبه عن غريزة لا تتّسع للحسابات.

هنا، في لبنان اليوم، وكما تُظهر هذه الانتخابات، ليس الكاره حاقداً. إنّه دنيء. دناءته أعلى من حقده. الكراهية عنده لا تقطع مع جرعة مرتفعة من التجارة. مع بحث عن الربح كيفما اتّفق. إنّه الغَرْف من التقليد التجاريّ اللبنانيّ محرّراً، ككلّ شيء آخر تقريباً، من رقابة القانون والدولة التي تطبّقه.

هذه الكراهية لا تشبه الكراهيّات العصبيّة والعقائديّة في مجتمعات يعصف بها الاستقطاب. إنّها تشبه علاقات البيع والشراء والتهريب بين ميليشيات متحاربة. متحاربة؟ نعم، لكنّها أيضاً متعاونة لما فيه “خير الجميع”. “رجال الأعمال” من مرشّحي اليوم، ومن نوّاب الغد المحتملين، بعض أنضج ثمار الوضع هذا.

قبل الحرب كان اللبنانيّون الطائفيّون طائفيّين بعقائديّة أكثر ودناءة (بالعاميّة: “وطاوة”) أقلّ. فلنتذكّر انقسام 58 ثمّ انقسام 68. يبدو أنّ الحرب وفّرت نوعاً من التصريف لعقائديّتهم الطائفيّة فيما ضاعفت دناءتهم. بعد الحرب كان لعهد الوصاية دوره: ضبط الطائفيّة في ظلّ “العروبة” السوريّة، وتزويج الطوائف المختلفة إلى “المقاومة” الشيعيّة. رفيق الحريري وعصام فارس ونجيب ميقاتي… كانوا من روّاد هذه “المدرسة”. لاحقاً: “تفاهم” “حزب الله” و”التيّار” كان تركيزاً وتثبيتاً لتعاليمها بعدما استسلم الوطنيّ في “14 آذار” للطائفيّ فيها.

هذا نمط لا يخلو من الخصوصيّة في الكراهية اللبنانيّة المتبادلة (والمتعاونة) كما تستعرضها الانتخابات الراهنة وتحالفاتها.

لكنّ الثابت في هذه المتغيّرات هو العنصريّة: إنّها تقوى حين نكون طائفيّين أقحّاء، لأنّ الغريب آخر مطلق، وهي تقوى حين نضبط طائفيّتنا بالربح الرخيص، لأنّ الغريب لا يُربحنا شيئاً: إنّه لا ينتخب.

إقرأ أيضاً