fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

الكرَم قاموساً ومزاجاً من الأردن الى المغرب

قبل قرابة عقدين، أخذني عملي إلى “معان”، جنوب الأردن، حيث زرتُ عدداً من القرى في المحافظة التي تمثّل ثلث مساحة المملكة الهاشمية. في أحد البيوت، أصرّت صاحبة المنزل على أن نبقى للغداء؛ لم أرَ في البيت أثاثاً سوى بساط مهلهل توسّط الغرفة التي وقفنا عند بابها. لم تُتح لي أو لزملائي فرصة الرد، جرّتني الأمُ المسنّة جرّاً إلى الداخل وهي تكرّر: “والله نكسبكم ع الغدا، والله نكسبكم ع الغدا”. حاولت أن أخلّص يدي منها بلا جدوى، خفتُ إن سحبت منها ذراعي بقوّة أن تسقط على الأرض وهي الضئيلة حجماً، القويّة عزيمةً. لم يفكّ قبضتها سوى زميل أخبرها أننا مدعوّون بالفعل إلى الغذاء. كل كرمٍ عرفته يبهت في ضوء ما خبرتُه في “معان”، التي يختصر روحها تعبير السيدة المسنّة، الكريمة المضيافة على رقّة حالها: “نكسبكم ع الغدا”، جملةٌ تختزل طبقات من المعاني، فكثيرٌ هو ما يختبئ خلف هذه الكلمة أو تلك ممّا نسمع أو نردّد كل يوم.

“معان” صحراوية محدودة الموارد، لكن الشرف كل الشرف في بذل كل ما تستطيع إكراماً لضيف، هنا فقط، رأيتُ ما وصفه شعراء العرب القدامى عن كرمهم “الحاتمي” الأسطوري، ولأن الكرم شرف، فـ”المكسب” هو الضيف والضيافة. علماً أن “المكسب” ليس فقط بسط الموائد بل قيامٌ على الضيف وسيلٌ لا ينقطع شراباً وطعاماً. القهوة تستقبلك. لم أعرف ساعتها أن مضيفك سيواصل ملء فنجانك كلّما مددت يدك لتردّه حتى تغطّيه بيدك أو تهزّه (أي فنجانك) بذراعك المبسوطة. بسبب جهلي شربت فناجين كثيرة؛ حتى شعرت أن قلبي يدق في أذني! إذ كلّما مددت يدي عاد الفارغ ملآن، من دون فرصةٍ للاعتراض، حتى أنقذني زميلٌ أردني همس لي بالمخرج الصحيح. ممّن استضافونا، أنا وزملاء العمل الأردنيين، أحد كبار مشايخ العشائر. الرجل قدّم الطعام بنفسه ولم يأكل إلا بعد أن أكلنا، وفي كل بيت دخلنا، جزءٌ أساسٌ من الضيافة حديث مضيفيك معك، تماماً كما كتب الجاحظ في البيان والتبيين عن كرم العرب قبل 12 قرناً تقريباً: “من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المواكلة»، وكما نقل، شعراً، عن رمز الكرم،  حاتم الطائي (الذي عاش ومات قبل البعثة النبوية):

سلي الجائع الغرثان يا أم منذر … إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
هل أبسط وجهي؟ إنه أول القرى …  وأبذل معروفي له دون منكري

(و”الغرثان” الجائع).

في ضيافة من “كسبونا”، تجلس على الأرض مع الضيوف الآخرين ومُضيفك (اللهم إلا إن قام عليك بنفسه)، ويمدّ سماط على الأرض يوضع فوقه صحن ضخم  من الأرز المطبوخ بالمكسّرات تعلوه كتلٌ من اللّحم؛ الطبق هذا يسمّيه أهل معان “اللبن”، وهو نسخة مختلفة ربما من “المنسف” أو “الثريد” المنتشر في بلاد عربية مجاورة. ما علمته لاحقاً أن اللحم يطبخ في مرق مخلوط ب”اللبن”، الذي يعني هنا تحديداً لبن الضأن الذي يجمد مع الملح في كور بيضاء، تُسمّى الجميد، ثم يعاد تسييله بإضافة الماء، من ثم الاسم “اللبن”. يجلس الجميع على الأرض واضعين أياديهم اليسرى خلف ظهورهم مستخدمين ثلاث أصابع فقط من اليمنى، الأصابع الثلاث هذه تقطع اللّحم وتمزجه مع الأرز وتطعم الفم؛ لا تسلني كيف! بينما يدورُ أحدُ مضيفيك صاباً المزيد من “اللبن” بين الحين والآخر. طلبت أدوات مائدة؛ هذا أو، قلت معتذراً (ونصف ممازح)، سأضطر إلى استخدام أصابعي العشر. ضحكوا جميعاً وذكروا أكثر من ضيفٍ مصري، عجزوا مثلي عن فن الأصابع الثلاث.

مصدر اللحم الرئيس في معان الضأن، وهو ما يناسب بيئة تعاني ندرة المياه. لكن اللافت اسم الخراف هنا: “الحلال”، ربما لغياب بديلٍ لها، أو مقارنة بما تأكله مجتمعاتٍ غير مسلمة. غير مستغرب لمن طاف في هذا الجزء من العالم أن يجد أشباهاً لكلمة “الحلال”. في المغرب (المملكة المغربية، المغرب الأقصى) اشتريت “البُلغة” المغربية الشهيرة، وكأي عربي مشرقي لم أتوقع أن أفهم الكثير من اللهجة المغربية، لكن البائع قال لي بوضوحٍ تام، وإن بلكنةٍ تضع السكونُ والشَدّة حيث لا نعتادها نحن: “هذا جلد حولي”. “الحولي” هي الكلمة ذاتها التي نستعملها في شمال محافظة البحيرة، غرب النيل في مصر، حيث مسقط رأس أجدادي، لتسمية الضأن. أصل الكلمة: “حَول” التي تعني العام بالعربية الفصحى، إذاً لا يجوز ذبح كبشٍ كأضحية إلا إن كان قد أتم حولاً (عاماً) على الأقل. لم أتوقع أن أسمع نفس الكلمة بنفس الدلالة على بعد آلاف الأميال، لكنه في النهاية فضاء ثقافي متواصل. و كما “الحلال”، للكلمة دلالة شرعية إسلامية، كما لـ”نكسبكم ع الغدا” جذورٌ تسبق الإسلام.

“كل مصري يزور لبنان يصدمه استخدام اللبنانيين لكلمة “فشخة”، التي تعني هنا خطوة، بينما في مصر تحمل دلالة جنسية فجة، لذلك لا تأخذك الظنون بعيداً، أو تشعر بالإهانة، إن كنت مصرياً ونصحك صديقٌ لبناني بـ”فشخةٍ صغيرة” إلى هذا المكان أو ذاك”

الكلمة نفسها تتباين معانيها عبر المجتمعات واللهجات العربية. في مصر لا يشير “العيش” في الطعام إلا إلى الخبز، أما في بعض مجتمعات الخليج العربي فـ”العيش” هو الأرز. أن يطلق على الطعام الأساس (staple) صفة “العيش”، أي الحياة دون الموت؛ ربما تبدو منطقية بحكم ما هو متوافر، أو ما كان متوافراً، لكن هنا أيضاً للبيئة والتاريخ دور. مصر كانت يوماً “مخزن غلال” الامبراطورية الرومانية، ولم تعانِ نقصاً في إنتاجها الزراعي بالنسبة إلى عدد أبنائها إلا في القرن الماضي، من ثم “العيش” من القمح، بينما في الخليج حيث شحّ الموارد جميعاً وعلى رأسها الماء ساد حتى عهدٍ قريب، حفظ الأرز المستورد وتخزينه حتماً، سواء برّاً أو بحراً عبر الخليج أسهل ربما من أي مادةٍ أخرى. من ثم تباين “العيش” بين البيئتين. وفي مصر الحدث الوحيد الذي يطلق عليه “الفرح”، بألف ولام التعريف، هو الزواج. لك أن تفوز بنوبل، تترأس الأمم المتحدة، تصبح أغنى من على الأرض، كل ذلك ليس “الفرح”، فقط زواجك له هذه الصفة، “الفرح” نفسه الذي يُسمّى في أماكن أخرى مجرّد “عرس”. في مصر أيضاً “تكوين النفس” يعني الاستعداد للزواج، “النفس” هذه نقيض الفردية، ولا علاقة لها لا بـ”النفس” التي نجدها في التراث الإسلامي، ولا تلك التي يدور حولها “علم النفس”، النفس هذه هي اللا-نفس! هناك تباينات أخرى مضحكة. مثلاً في مصر “العكروت” كلمة دعابة قد تطلق على الطفل الماكر المضحك، أو الكبير الذي تختلط مهارته ببعض الخبث، لكن الكلمة نفسها سُبة مسيئة في سوريا ولبنان. في الاتجاه المعاكس؛ كل مصري يزور لبنان يصدمه استخدام اللبنانيين لكلمة “فشخة”، التي تعني هنا خطوة، بينما في مصر تحمل دلالة جنسية فجة، لذلك لا تأخذك الظنون بعيداً، أو تشعر بالإهانة، إن كنت مصرياً ونصحك صديقٌ لبناني بـ”فشخةٍ صغيرة” إلى هذا المكان أو ذاك.

لكن إن تباينت دلالات الكلمة نفسها من لهجة إلى أخرى في عالم اللّغة الواحدة،، فما بالك بين اللّغات والبلاد المختلفة؟ مثلاً لا حصراً في الإنكليزية تستخدم “uncle ” لوصف أخو الأب أو الأم على حدٍ سواء، أما في العربية ف”عم” و”خال”. في الإنكليزية إن أردت التحديد تطول الكلمة وتصبح تعبيراً مركباً فالخال تحديداً: “maternal uncle” (حرفياً عم من جهة الأم) والعم   “paternal uncle” ولدارسي الأنثرپولوجيا الاجتماعية والقانون تعبيرات أخرى غير دراجة: الـagnates هم تحديداً الأقرباء من جهة الأب، ولو بالتبني، أما الـcognates فقرابة الدم عموماً وعادة ما تعني القرابة من جهة الأم، ما من أبناء عمومة وخؤولة محدّدون لغوياً بوضوحٍ هنا كما عندنا، بينما في الإنكليزية مرادفات للقبيلة والعشيرة؛ ما من شيء يساوي “البطون” و”الأفخاذ” في التركيبة القبلية، وما تعنيه من ترابط.  وبشكلٍ أكثر تحديداً  في العربية، كما هو دارج في العامية المصرية، وبتعريف معاجم العربية الفصحى ذاته، “العديل” زوج أخت الزوجة و”السِلفة” زوجة أخ الزوج. تصنيفاتٍ لغوية دقيقة كهذه، لن تجدها إلا في مجتمعاتٍ معنية بشدّة بصلات القرابة والزواج، حيث “النفس” هي المتزوّجة.

لهذا تُدرسُ الثقافات وتُدَرّس، ولهذا اللّغة أكبر وأعمق بما لا يُقاس من معانيها المباشرة، ولهذا لا يعرف مدى صعوبة الترجمة إلا من حرص على نقل المعاني بسياقاتها وتاريخها وتعقيداتها قدر المستطاع؛ إن استطاع. كل هذا، وأكثر بكثير، تنم عنه “نكسبكم ع الغدا”!

إقرأ أيضاً:
سوريا: من خسر… ومن خسر أكثر
 سجع وفكاهة وتشبيهات وتربص: الأمثال العامية المصرية
الجهر بالصيام: جدل الدولة الوطنية والمواطنة… أو قتلهما

إقرأ أيضاً