fbpx

هنا القصة الثالثة

سنا يازجي- كاتبة سوريّة

سنا يازجي- كاتبة سوريّة

مقالات الكاتب

نعم أُريد أن أتذكر… وأن يتكرر ذلك مرة أخرى

عند قراءتي ملخص ورقة لمجموعة عمل مكونة من أكاديميين ومختصين أجانب وعرب، بمناسبة انعقاد ورش عمل ونقاش، دَعا إليها مركز عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت بالتعاون مع

” Fondation Maison des sciences de l’homme”، حول عنوان عريض هو “الخروج من العنف”، وعنوان فرعي هو “استخدام الذاكرة وإساءة استخدامها”. خِفتُ.

فإن كُنتَ قارئاً عادياً أم حديث العهد في العمل على موضوع الذاكرة، يريد لك النص أن تخاف. وعليه جاءت الفكرة من مداخلتي حول خطورة التسميات.

” أليست إساءة استخدام الكلمات والتسميات عنفاً؟”

الكلمة تحيي والكلمة تقتل.

الحديث عن الورقة هنا مثالٌ ومناسبةٌ للكلام، ذلك أننا نعلم جيداً أن ما جاء فيها هو نهج عام وعقليّة معممة في التفكير على المستويات كافة، السياسية والأكاديمية والثقافية. ولمثل هذه الورقة أشباه، حيث تسيطر مفردة العنف على مفاصل مهمة وخطيرة في أفكار العاملين في مشاريع، جاهزة، حول الحرب والسلم والعدالة.

مستثمرة في بيئة التعب والألم وانغلاق الأفق، تدّعي هذه المشاريع أن همّها الأساس إيجاد القواسم المشتركة والذاكرات الجماعيّة للناس حتى يتحابوا ويتصالحوا و”ينسوا”. وهي لهذا الغرض، غالباً، ما تلعب في انتقاء ذاكرة ما دون غيرها، كدعوتنا مثلاً إلى تذكر واقع “الأمن والأمان”، الذي سبق “العنف”، واقتراح البناء عليه لرأب الصدوع في إجراء تخديري موضعي، لا يلبث مفعوله يتلاشى حال انتهاء “همروجة التذكر”. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، أستعيد هنا ذلك السؤال الملعوب هو الآخر، الذي اقترحه علينا مركز غارنيغي بمناسبة مرور سبع سنوات على الثورة والحرب، بالقول: “وهل كان الأمر يستحق؟”.

هكذا ببضع كلماتٍ مشغولٍ عليها، يتم الاستيلاء على حكايا الشعوب، فلا يبقى أمام الناس من خيار سوى نسيان ما “تريد” وإلاّ… فالعنف مجدداً!

في جملة بديعة من رواية للكاتب محمد أبي سمرة، يقول فيها: “كأنّ الكلمات إذ تُمحى وتُنسى، تترك وراءها فراغاً تسكنه قوة مادية غامضة لا تنفك منها المخيلة والذكريات”.

أنا أريد أن أتذكر، أنه ليس بالجيوش والمؤسسات وحدها يحيا التسلط والاستبداد، بل بالكلمات أيضاً. كم يبدو هذا من البديهيات وكم هو صادم أنه ليس كذلك! ففي غمرة الجهل والتجاهل، مثلاً، وأثناء قيامه بدوره في قتل محكوميه وتهجيرهم وإخضاعهم، يخترع لنا النظام السوري “وزارة” “للمصالحة”. مؤسسة وكلمة، في خدمة خبثه وخدمة وسائل الإعلام “المستقل” تتلقفهما، بحسب الغرض والمآرب السياسيّة.

“حتى لا يتكرر ذلك”، انتقاء مخاتل يبنى على واقع عنف مركب، بصفته “الحدث”، وليس بصفته الواقع المتولد من تدهور “الحدث” الذي يراد لنا نسيانه، بدلاً من البناء عليه. الدرس الموجه إلينا هنا، هو أن نتذكر العنف حتى لا نكرر الاحتجاج. ففي ذاكرتنا الأبعد قليلاً، ما أجبرنا على تسميته فقط بـ “أحداث حماه”، لم يسمح لنا منها إلاّ باعتبارها “عنفاً” وطُمس الكلام كلياً عن حركة الاحتجاج والاضطرابات النقابية والحزبية المدنية الواسعة التي سبقتها. أما الخطر الاجتماعي الأكبر فكان في ما طبع به الوعي العام للسوريين لسنوات طويلة لجهة أن هذه المذبحة كان “لا بدّ منها”.

أنا أريد أن أعترف بعنف الأطراف كافة شرط أن أتذكر القصة كاملة.

جميل جداً في معالجة موضوع العنف، اقتراح الخروج من جدلية الضحايا-القتلة. على أن نتشدد بخصوص بديهية أخرى وهي أننا لسنا كلّنا في سلة واحدة. أريد أن أتذكر المرتكب الأساسي الذي مأسس العنف ووضع آلياته، وأدخل إليه شرائح المجتمع كلها، بحيث أضحى هو نفسه جزءاً من العنف وليس مسببه الأساس. عدا عن تميزه بالطبع بامتلاك “شرعيّة العنف”. وبذا نتحول كلنا إلى مرتكبين فيمتنع علينا فعل المحاسبة، ولا يبقى من حيلة أمامنا سوى أن يعفي الله عما سبق.

التوصية بضرورة تحول الضحايا إلى “مواطنين ناجين” هو بالضبط ما حرك الناس في بلادنا للنزول إلى الشوارع. أراد الناس الخروج من ثوب الضحيّة المستكين العاجز والتحوّل إلى مواطنين فاعلين وقادرين من دون توصية من أحد.

لماذا لا نواجه واقع أنه ليست لدينا نحن السوريين ذاكرة واحدة؟

أريد أن أتذكر، أن غضب السوريين في 2011 ولّد طاقات إبداعيّة هائلة، ومارس السوريون فعل احتجاج هو الأهم على الإطلاق في تاريخهم المعاصر. أريد أن أتذكر كيف طبع هذا الاحتجاج الحياة العامة لمجمل السوريين، وكيف شهدنا انطلاقاً من أعوام 2013 و2014 و2015 و2016 تظاهرات لجماهير موالية، قُمعت، في حمص واللاذقية، استخدم الناس فيها الشعارات واللافتات والأغاني الثورية ذاتها، مطالبين بإسقاط “المحافظ” ومحاسبة “المسؤول”.

ما نقوم به في مشروع أرشيف الذاكرة الإبداعية هو ما سُمّي في ملخص الورقة، واجب الاعتراف بالأصوات التي لم تُسمع وقُمِعت وقُتلت.

الموقع الذي أطلق في أيار/مايو 2013 بـ200 مادة، يحتوي اليوم على ما يزيد عن 30 ألف وثيقة موزعة على لغاته الثلاث، العربية والإنكليزية والفرنسيّة، وعلى الأصناف الإبداعية الـ22. والتي نعتقد أنها تغطي معظم أشكال التعبير الإبداعي للسوريين منذ انطلاق الثورة مروراً بكل تحولاتها وإلى يومنا هذا.

أُنشئ هذا المشروع، ليحفظ ذاكرة حدث، ذاكرة مكان وذاكرة زمان. ذاكرة الإنسان الذي صنع هذا الحدث. الحدث/ الفعل المؤسس لما بعده. مهما يكن المشهد الآن سودوياً وكارثياً، فإن أي عبور نحو المستقبل وأي شكل من أشكال أو درجات العدالة المرجوة يستوجب حكماً الرجوع إلى الذاكرة. وإلى ذاكرة فعّالة.

ثُم، لماذا لا نواجه واقع أنه ليست لدينا نحن السوريين ذاكرة واحدة؟ ولماذا لا تعمل كل مجموعة، من دون قهر، على ذاكرتها؟ قد، يتيح تقاطع هذه الذاكرات في التقريب والاعتراف المتبادل.

القبول بهذا، هو فقط ما يتيح الخوض في إمكان أو عدم إمكان أو كيفية العبور إلى ما بعد مرحلة العنف. وقد، يكون من الأفضل الاعتراف بعدم وجود حل مرضٍ، بل حل موجع وطويل الأمد، عوضاً عن الاحتفاء بالنهايات ككرنفالات تمشي على أجساد الضحايا وتؤسس عنفاً مستوراً لا يلبث أن ينفجر بعد حين.

ثُمِّ، هل الهدف أن نجبر أنفسنا على البحث قسراً عن المشتركات لخدمة أساطير “الذاكرة الجمعيّة”؟

عدا عن الكبة النيّة والتبولة والأهازيج، وهي بالمناسبة ليست جامعة إلى هذا الحد، أليس من الأفضل الإقرار بالانقسامات والخلافات وأزمة الهوية، المقموعة، والتي هي نفسها كانت مواطن عنف مكتوم، تحولت إلى عنف منفلت مع “ازدهار” الحرب.

ولماذا لا نعترف لأنفسنا بأن سوريا أثبتت في سنوات الجمر هذه أن لا مواطنة فيها ولا وحدة ولا سلام؟ ولما لا يُقبل علينا العالم “الحر”، لينصت، ليختبر، وليخرج بخلاصات غنية تخدم الإنسانية؟ بدل اكتساحنا بمفردات جاهزة، جامدة، خبيثة وعنيفة، يقضي بها، بسطوة ماله واستقطاباته، على أقل وأقوى ما يمكن التشبث به: الذاكرة.

في بلادي، أنا أريد أن أتذكر، أن الشعب أراد، وأريد أن يحدث ذلك مرّة أخرى!

 

إقرأ أيضاً