fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

نظام يوليو 52 وخلق الشرعية: ما نجح وما قد ينجح

بعد ستة وستين عاماً ما زال حبرٌ كثير يسيل عن اليوم الذي مرت ذكراه السادسة والستين مؤخراً،  23 تموز/يوليو 1952، عن الحدث كما عن الأثر، لا في مصر فقط لكن في المنطقة عموماً. توصيفاً؛ ما جرى ذاك اليوم كان انقلاباً عسكرياً محضاً،  لكن “الانقلابية” لم تمنع من أوصلهم يوليو إلى السلطة من اكتساب شرعيةٍ حقيقة، ناهيك أن دلالات “الإنقلابية” تأفلُ أهميةً ووزناً في ظل “الربيع عربي” الذي يبدو بعده أن نموذج يوليو قد عاد للحياة. لننحي ما استطعنا مواقفنا، التي يحكمها عادة استقطاب حاد، جانباً. بما أن الخوف الأبرز اليوم، بعد اهتزازات السنوات السبع الماضية، هو فقدان الاستقرار، يصبحُ المحكُ هو قُدرة الوضع الحالي، القديم-الجديد، على الاستمرار، لا في مصر فقط، لكن في أنظمةٍ  أخرى في المنطقة ولدت من رحم انقلابات عسكرية أو يبدو أن العسكرييين اليوم يسيرون قدماً نحو تحديد مصيرها، كما في سوريا وليبيا. نجاح نظام يوليو في البقاء اقترن بقدرته على اجتراح الشرعية السياسية، ولو في حدها الأدنى كما عرفه ماكس فيبر، أي اقتناع قطاعٍ واسع من الشعب بدوره جهةً وحيدةً مُخولةً استخدام العنف. القمع كان حاضراً دوماً، والديمقراطية لم تحضر إلا استثناءً، لكن أزمات هذه السلطة، التي أبرزها ثورة يناير 2011، تؤكد محورية هذا السعي للشرعية وخطورة فشله. علماً أن الشرعية َلم تكن مجرد “عقد”، بل شملت مجموعةً من الآليات يجب علينا أن نتسائل عن فعاليتها اليوم، من منظورٍ يقدم الواقعية السياسية المجردة، بأكثر معانيها ماكيافيلليةً، على أي اعتباراتٍ أخرى. يمكننا تسمية أعمدة الشرعية هذه عبر العقود الماضية كما يلي:

1- مشروع (أو مشاريع) سياسية كبرى وعوائد واسعة. أياً كان موقفك من مؤسس نظام يوليو، جمال عبد الناصر، قدم الرجلُ مشروعاً جمع التحرر الوطني (و إن مع ديكتاتورية طاغية ودولة بوليسية) وعدالة اجتماعية أوسع. خلال ثلاثة عشر عاماً (54-67) شهدت مصر كارثتين عسكريتين (1956 و حرب اليمن) وانتهت بهزيمة العرب الأكبر على الإطلاق في العصور الحديثة: هزيمة حزيران/يونيو 1967، وشهدت أيضاً فشلاً مُهيناً لمحاولة الوحدة مع سوريا. احتفظ هذا المشروع بقدرة على تجديد الأمل بغدٍ أفضل وأعاد توزيع ثروات البلاد (بغض النظر عن التقييم الاقتصادي لهذه السياسات أو استدامتها)، وحين وقعت الواقعة في حزيران/يونيو 67 كانت البدائل قد غابت، و إن بقيت ثقة البعض ب”الزعيم” حية ًرغم إعلانه بنفسه أنه “يتحمل المسئولية كاملة”. أما مشروع عبد الناصر الإنشائي الأضخم، السد العالي، فمردوده بدا واضحاً (على عكس مثلاً “توشكى” مبارك).

السادات قدم نفسه “بطل العبور” ثم ” بطل الحرب والسلام” ، ومع ذلك “الرئيس المؤمن” و”كبير العائلة المصرية” ، مترافقاً مع “الإنفتاح”،  لكن أياً من ذلك لم يحقق ما أحرز عبد الناصر من شعبية، كما شهدت جنازة هذا الأخير. سياسات السادات لم تعطِ المصريين الكثير في ظل ظروفٍ اقتصادية أقسى على البلاد عموماً. خصخصة جمال مبارك وسياساته النيوليبرالية كانت مشروعاً متكاملاً، حقق نجاحاتٍ في الاقتصاد الكلي لا يستهان بها، لكنه اقترن بانكماشٍ شديد للمستفيدين من النظام، واغترابٍ عن الطبقات الوسطى والتكنوقراط لصالح جماعاتٍ محدودةٍ للغاية من رجال الأعمال ترددت اتهامات كثيرة عن فسادهم وسوء استغلالهم لنفوذهم المستمد من ابن الرئيس الأسبق الأصغر. الإصرار على هذه الصيغة معدومة الشعبية من خلال قمع متزايد كانت مما أوصلنا إلى 2011.

2- صفقات خارج الأطر الديمقراطية: من حيث العلاقة بالمحكومين هذا تحديداً ما عنته “اشتراكية”  عبد الناصر: سأوفر ما تحتاج من وظائف ورعاية وتعليم مقابل صمتك واتباعك لي، هذا “العقد” أخذ في التأكل ببطء في عهد السادات ثم بوتيرة أسرع في عهد مبارك، خاصة ً العقد الأخير من حكمه، أو على وجه الدقة فترة حكم ابنه الأصغر الفعلي، عنصر آخر أوصلنا غيابه إلى 2011. البعض وصف سياسات عبد الناصر الاقتصادية في التوظيف في القطاع العام والدوائر الحكومية بأنها كانت استخداماً سياسياً لمشاريع يفترض أن يحكمها منطق الاقتصاد. بغض النظر عن كفاءة الإدارة، هذه العلاقة كانت أسهل حينما امتلكت السلطة زمام الاقتصاد مباشرةً، صناعة او احتكاراً لشراء وتصدير محصول مصر الرئيسي، القطن، حتى عقودٍ مضت، أو حينما امتلكت عوائد ريعية كبيرة نسبياً من دخل قناة السويس والبترول (الذي نضب تقريباً الآن)، و في أوقات كان  عدد سكان البلد أقل بكثير مما هو الآن. اليوم حوالي ثلثي دخل الدولة المصرية من حصيلة الضرائب، بأكثر المعاني حرفيةً ومباشرة جل مايُنفق في مصر اليوم هو من أموال دافعي الضرائب بشكل مباشر، مما يعني مسؤوليةً مباشرة أمامهم، ناهيك أن “رأسمالية الدولة” (أو الاشتراكية إن شئت) التي سادت دولاً كثيرة قبل عقود أمست اليوم تاريخاً.

3-بنية سياسية (وإن سلطوية) ومهارات “الزعيم”: من خلال نموذج استلهم دول الحزب الواحد خلق عبد الناصر، صاحب الكاريزما التي لا تنكر، تنظيمات سياسية تمحورت حوله وخلقت صلات (غير-أمنية) بين “الزعيم” وجماهيره، سواء اختار هؤلاء أن يكونوا جماهيره أم لا. ذهب الاتحاد الإشتراكي الذي أسسه عبد الناصر وحل محله الحزب الوطني الذي أسسه السادات. لم يكن للأخير حضور الأول، لكنه امتلك دهاءً سياسياً لا يقل عن سابقه، وبينما بدا مبارك أقل قدرةً من سابقيه. فإن البنية السياسية التي تركها السادات له، حملته بكفاءة نسبية لما يقارب عشرين عاماً من حكمه. كان الحزب الوطني أقرب إلى شبكة رعاية مصالح مترامية الأطراف منه إلى حزب سياسي حقيقي، لكنه ضم ملايين الأعضاء في كل أركان البلاد، صحيح مرة اخرى، القمع كان حاضراً ، و أحياناً التلاعب بالانتخابات، خاصة مجلس الشعب (البرلمان)، لكن طالما بقي الحزب الحاكم، بحكم كونه السلطة الفعلية (“الحكومة” أو “حزب الحكومة” كان يسمى)، قادراً على ضم قيادات مناطقية ذات شعبية، خاصة في الأرياف، حافظ على قدر من الولاء وضمن حداً أدنى من الاستقرار السياسي لصالحه، وحافظ أيضاً على آليات تواصل (مرة أخرة غير أمنية) مع الشارع. في الثمانينات أضاف مبارك إلى ذلك متنفساً سياسياً عبر مجلس شعبٍ حيٍ، وإن كان ذا دورٍ محدود، بمناقشات واستجوابات حادة. صعود نجل مبارك الأصغر أواخر التسعينات و تشكيله هيئات كاملة داخل الحزب الحاكم(ما سمي ب”الحرس الجديد”)  تجاهلت طريقة عمل الحزب السابقة، ضرب بنية الشرعية القائمة في مقتل. اضطر النظام إلى التوسع في القمع وفي تزوير الانتخابات بشكل شديد الفجاجة، وصولاً إلى انتخابات 2010 سيئة السمعة، ومع سياسات اقتصادية نيولبيرالية، كما ذكرنا، نجحت على مستوى الاقتصاد الكلي لكن ندر بشدة من استفاد منها، سار الوضع إلى الهاوية، والباقي كما يقول التعبير الشائع بالإنجليزية، تاريخ. بافتراض أن ما نجح قبل 2011، أو بالأحرى قبل صعود جمال مبارك أواخر التسعينات، قد ينجح اليوم، فإن “الحزب الوطني الديمقراطي”، لم يظهر له بديل.

4-العدو الخارجي المتربص : في البداية كانت “القوى الاستعمارية” القديمة، التي أتت مُهاجمةً عام 1956، و معها العدو الدائم: إسرائيل، ثم في مراحل أخرى “قوى الرجعية” (المملكة العربية السعودية وحرب اليمن).  حُكم ضباط يوليو (العسكريون المحترفون)، لم يعرف النصر العسكري إلا استثناءً، مع ذلك استمر الصراع مع إسرائيل مصدر شرعية ومبرراً لسياسات كثيرة لعقود، في مصر وغير مصر. لكن واقع العداء لإسرائيل على مستوى السلطات القائمة، أياً ما كان الخطاب، أصبح مجرد ذكرى، لا في مصر فقط حيث عقدت معاهدة سلام باتت بمقتضاها إسرائيل مجرد دولةٍ أخرى ذات تمثيل دبلوماسي على المستوى الرسمي، وباتت أيضاً، كما في الحالة السورية حيث ” حالة الحرب” خطابات جوفاء دون إطلاق رصاصة (اللهم طبعاً إلا بالوكالة على أرض لبنان وعلى حسابه).  الجانب الآخر المُغطى عليه في التعمية أن تفوق إسرائيل الكاسح عادة اقترن باقتصاد متقدم، وهذا هو الأهم، ديمقراطية فعالة، لليهود على الأقل، لا يفلت منها مسؤول إن أخطأ حرباً أم سلماً، و مع ذلك هي معايير واقعية لقياس النجاح والفشل (لا حظ عمل لجنة فينوجراد عام 2006 مقابل ادعاء حزب الله النصر الإلهي آنذاك).الآن في عالم ما بعد الربيع العربي حديث لا ينقطع عن مؤامرات خارجية لا تنتهي (جلها إن لم يكن كلها لا دليل عليه )، الخوف من هذه المؤامرات المزعومة، ما مدى فعاليته سياسياً دون نموٍ اقتصادي ذي عوائدَ تفيد قطاعات واسعة من المواطنين؟ ناهيك عن ساحةٍ إعلامية يستحيل التحكم فيها بشكل كامل كما كان الحال قبل عقود؟  

5-هندسة النسيان، التعمية والتضخيم: هذه الآلية تفوق فيها عبد الناصر وأورثها لمن خلفه، وأعانه عليها إعلام ماقبل الأقمار الصناعية والإنترنت، وكذلك منظومة تعليمية تعتمد على التلقين وتقتل التفكير النقدي. مثلاً لا حصراً، كتلميذٍ حتى ثمانينات القرن الماضي  كان الثالث والعشرين من ديسمبر كل عام عطلة بمناسبة “عيد النصر”: ذكرى دحر العدوان الثلاثي (من إسرائيل وبريطانيا وفرنسا) عام 1956. حتى الآن، اليوم عيدٌ لمحافظة بورسعيد. لكن التاريخ يرسم صورة مغايرة. هزيمة الجيش المصري امام العدوان الثلاثي كانت شبه تامة، أمرٌ غير مستغرب امام هذا التحالف. مع ذلك، في حربٍ غير متكافئة، أثبتت وحدات الجيش المصري بسالةً و كفاءة دفاعية وثّقها العدو، كما شن أهل بورسعيد حرب عصاباتٍ شرسة قدموا فيها مئات الشهداء عن طيب خاطر مقاومين بكل ما أوتوا من قوة.

من أخرج الدول الثلاث إذاً؟

رئيس أمريكا أيزنهاور ووزير خارجيته دالاس، بالاتفاق مع الاتحاد السوفيتي. لو كان اليوم سمي بعيد الصمود أو المقاومة الشعبية لكان أدق بل وأكرم لشعب وجيش حاربا ببسالة بطولية عدواناً أقوى منهما بكثير لكن المطلوب هنا لم يكن حدود الحقيقة بل سعة الوهم، بالمنطق نفسه قليلٌ جداً ما نشر عن مأساة حرب اليمن التي كانت حماقة بأي مقياس قيست، أما أم الكوارث، هزيمة حزيران/يونيو 1967 فسميت “النكسة” كأنما كانت زلة قدم  بعد إدعاء النصر الكاسح لأيام. استمرارً للمنطق نفسه نصر تشرين الأول/أكتوبر 1973 تم تضخيمه وكأنما محي أثر 1967، وهو على أهميته لم يفعل. الأيام الأولى من هذه الحرب كانت إنجازاً هائلاً للجانب المصري، لكن النصر الحقيقي، على الرغم من الثغرة، كان “التحريك” لا “التحرير” الذي ربما كان مستحيلاً بالوسائل العسكرية وحدها. إنجاز تشرين الأول/أكتوبر 1973 الأكبر، كان فتح باب التفاوض مع عدوٍ كان قد ناقش بالفعل ضم الجزء الشرقي من سيناء نهائياً. لكن وضع الإنجاز، على عظمته التي ردت للجيش المصري اعتباره امام عدو امتلك دعماً أمريكياً غير محدود، في حدوده الواقعية، لم يكن ليخدم السادات كما يحب، تماماً مثلما كان تبيان الحجم الحقيقي  لكوارث عبد الناصر العسكرية المتتالية لم يكن في صالحه. هندسة النسيان والتعمية هذه اليوم أصعب كثيراً مما مضى، في عصر يتوفر فيه كمٌ هائل من المعلومات من مصادر متباينة.

6-خطر البديل الأسوء:  في مصر  قبل غيرها، بحكم كونها محل ميلاد تنظيم “الإخوان المسلمين”، مثَل الإسلام السياسي عدواً يخشى منه لا فقط على السلطة القائمة، بل على مشروع الدولة الوطنية ، هذا الواقع يسبق 1952، أول قمعٍ لأتباع حسن البنا كان في أربعينات القرن الماضي بعد تورطهم في سلسلة من أعمال العنف والاغتيالات. لكن ما يقدم عادة على أنه عدو سلطة تموز/يوليو الأول، بدء علاقته بالنظام الجديد بشهر عسل استمر قرابة العامين، إذ بينما حلت السلطة الجديدة الأحزاب القديمة وعممت عليها اتهامات (لم يثبت الكثير منها) بالفساد وصادرت أملاك الكثير من قيادات هذه الأحزاب خلال ما عرف ب”الإصلاح الزراعي” ، دخل أتباع حسن البنا أعضاء في وزارات شكلتها السلطة الجديدة، حتى كان الصدام مع عبد الناصر عام 1954 بعد محاولة اغتياله في المنشية بالأسكندرية. “أمّم” عبد الناصر الأزهر مطلع الستينات ، وصدرت في عهده دراسات عن “الإشتراكية في الإسلام”، لكن توظيفه المباشر للدين  بقي محدوداً، من خلفوه سلكوا سبيلاً آخر. السادات دخل تحالفاً مفتوحاً مع الإسلام السياسي تدفع مصر ثمنه إلى اليوم، إذا سمح لهؤلاء بالعمل بحرية على “تديين” المجتمع وصولاً إلى ما نراه اليوم، و بموازاة ذلك (أو بناءً عليه) وصف السادات نفسه “الرئيس المؤمن” ودولته “العلم والإيمان”، في النهاية قتل “إسلاميون” الرئيس المؤمن” بعدما زج بالجميع تقريباً في السجون قبيل اغتياله. مبارك لعب بالإسلاميين ومعهم، إذ سُمح للإخوان بالتنافس على مقاعد البرلمان بالتحالف مع حزب آخر (الوفد، عدوهم السابق) في أوائل عهده، ثم ترشحوا مراتٍ عديدة كمستقلين. قمعهم كان في مدٍ وجزر، لكنهم كانواً في الشارع أمام الجميع. مع مطلع الألفية، وبعد حربٍ ضروس على ارهاب وعنف السلفيين-الجهاديين، خاصةً في الصعيد، سمح مبارك للسلفيين ممن لم يظهروا اهتماماً بالسياسة بالعمل بحرية، خاصة من خلال جمعياتٍ خيرية، ثم وسائل إعلام، إلى الحد الذي تحدث فيه البعض عن تعاونٍ كامل بين  أجهزة أمن مبارك وهؤلاء . بعد سقوط مبارك اندمج سلفيون في حزب النور (السياسة لم تغب عنهم أبداً) الذي تحالف مع الإخوان في مرحلة ما، ثم ابتعد عنهم، ومكانه (أي حزب النور السلفي) اليوم تحت قبة البرلمان معروف. الإسلام السياسي كان الفزاعة الحاضرة دوماً، في مصر وغيرها، و خطاب هذا التيار بعد 2011 أكد الخوف منه بدلاً من أن يبعده (مثلاً لا حصراً: المشهد الكارثي لمؤتمر نصرة سوريا بإستاد القاهرة حزيران/يونيو 2013 بحضور الرئيس الإخواني محمد مرسي)، لكن نظام تموز/يوليو 1952 لم يتخذ أبداً منحىً واضحاً لتوجه علماني يخدم المشروع الوطني والمواطنة، بل انغمس في توظيفٍ للدين في السياسة طالما كان ذلك في صالحه، بما في ذلك توظيف الهيئات الدينية المختلفة مسيحيةٍ ومسلمةٍ على حدٍ سواء لأغراض الدعاية السياسية، والتحالف مع تياراتٍ ومنظمات محسوبة على الإسلام السياسي. البديل الأسوء خطر حاضرٌ وداهم لكن ما مدى الإستعداد الحقيقي لحلول راديكالية تقتلع فكره من جذوره (وهذه حكماً غير الإجراءات الأمنية) وتحرمه أي مساحة سياسية؟ و كم من الوقت يمكن أن تدوم فعالية هذه الشرعية السلبية  ( كونها بديل النقيض الأسوء)؟

7-مؤسساتية مدجنة.  برغم خلفيتهم العسكرية، وغرامهم جميعاً بإنفاذ ارادتهم، وقول أحدهم (مبارك، باللفظ) أنه يطبق الديمقراطية التي تعلمها في الجيش، فإن حكام يوليو كثيراً ما أظهروا احتراماً للمؤسسات واستقلاليتها.  مدى جدية وحقيقية احترام المؤسسات أمر آخر، لكن كما أسلفت، في السياسة الصورة أهم عادة من الواقع. لذلك مثلاً لا حصراً أعاد عبد الناصر إنشاء المحكمة العليا (الدستورية لاحقاً) قبل نهاية حكمه، مبارك نفذ أكثر من مرة أحكاماً مريرة للمحكمة الدستورية العليا بما في ذلك حل مجلس الشعب (البرلمان)، الرؤساء الثلاثة احترموا المناصب غير القابلة للعزل، كمشيخة الأزهر الشريف ورئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات. هذا الالتزام بالقانون كان انتقائياً، لكنه رغم ذلك، عكس وعياً بمؤسساتية الدولة مفهوماً ومظهراً  ومن ثم أهمية الحفاظ ولو على حد أدنى من ثقة المواطن بعمليات قانونية مستقلة (ولو جزئياً)، بتعبيرٍ آخر إبقاء الإيمان بأن هناك “دولة” من مؤسسات وسلطات مستقلة و مستمرة يمكن اللجوء إليها. وكما في كل عملية قانونية، لم تخل هذه المؤسساتية من تحايل على القانون ولعبٍ على ثغراته، لكنها حافظت عادةً على هذه المظهرية لسبب بديهي ينطبق دوماً على الغالبية: سلطة أنت مقتنع أنها قد تخضع للقضاء، أقوى منك بما لا يقاس، لكنها مضطرةٌ للالتزام بهذا القانون أو ذاك، لن ترى سبباً لصدامٍ عنيف معها.

ربما لم تحضر هذه الآليات مجتمعة دوماً، لكنها خدمت دولة يوليو في “خلطات” متباينة عبر العقود الماضية، غيابها الكلي أو شبه الكلي (ايلول/سبتمبر 1981، أو 2010) كان إرهاصاً لارتجاجاتٍ خطيرة . علماً بأن الاهتمام بهذه الآليات واللعب عليها ارتهن بقدرة صاحب القرار ذو الخلفية العسكرية على ترك دور قائد المعسكر واستبداله بدور السياسي الذي يتعامل مع مواطنين تربطه بهم علاقة ذات اتجاهين، لا جنود كل ما لهم تلقي الأوامر.  

إقرأ أيضاً