fbpx

هنا القصة الثالثة

حنان زبيس - صحافية تونسية

حنان زبيس - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

نساء غير محجبات يترأسن لوائح الإخوان في تونس ويثرن تساؤلات

أثار اختيار “حركة النهضة” رئيسات لوائح انتخابية غير محجبات، للانتخابات البلدية في تونس، ومرشحاً يهودياً تونسياً في إحدى اللوائح، جدلاً كبيراً في البلاد حول نيات هذا الحزب المندرج ضمن تيار الإخوان المسلمين، إذ انقسم الرأي العام إلى جزءين بين مؤيد لهذا الاتجاه معتبراً إياه انفتاحاً من قبل الحركة، وتوجهاً نحو التخلي عن مرجعيتها الدينية، وبين من رأى في ذلك مناورة سياسية ودعاية انتخابية هدفها كسب أكبر عدد من المؤيدين من دون أن يؤثر ذلك في فكر الحركة.

لضمان حظوظها في الفوز بالانتخابات البلدية، راهنت الحركة على تنويع “بروفايلات” رؤساء لوائحها الانتخابية، إذ لم تقتصر على المنخرطي فيها فحسب، وإنما فتحت المجال لاستقطاب مستقلين في محاولة لإعطاء الرأي العام انطباعاً بأن الحزب يحتضن مكونات المجتمع كافة من دون استثناء. فعلى مجموع 350 لائحة انتخابية للحركة، نجد نصفها تقريباً مكوناً من شريحة المستقلين الذين لا يتبنون بالضرورة فكر النهضة ومشروعها المجتمعي. هكذا اكتشف التونسيون لوائح تحمل نساءً غير محجبات ورجالاً لا ينتمون بالضرورة إلى تيار الإخوان المسلمين. وبما أن القانون الانتخابي يفترض وجود التناصف بين الجنسين في اللوائح الانتخابية، فقد ضمت اللوائح عدداً من النساء اللواتي يتنافى شكلهن تماماً مع طابع “حركة النهضة” الديني والمحافظ، وترأست بعضهن لوائح. أبرز مثال على ذلك، رئيسة لائحة “حركة النهضة في سيدي بوسعيد” (ضاحية راقية في شمال العاصمة)، سليمة بن سلطان (43 سنة)، وهي امرأة شابة جميلة وعصرية، بشعر أشقر طويل وقوام يشبه قوام عارضات الأزياء، بدت في الصور مرتدية سروال جينز ضيقاً و”تيشرت”، وهي طبيبة أسنان وأم لطفلين. مظهرها يختلف تماماً عن الصورة السائدة للحزب الذي تمثله، بل هو أشبه بالصدمة الحضارية. عندما ظهرت أولى صورها على وسائل التواصل الاجتماعي أثارت ضجة كبيرة حول نيات الحزب ذي المرجعية الإسلامية، وسأل كثيرون إلى أي حد يمكن أن تدفع الانتهازية السياسية “حركة النهضة” إلى التنكر لمبادئها، من أجل إقناع الشعب التونسي بأنها تغيرت لتصبح الحزب المدني الكبير الذي يجمع كل التونسيين.

ولكن سرعان ما اكتُشفت الحيلة، حين تم استدعاء رئيسة لائحة سيدي بو سعيد، سليمة بن سلطان، للحديث عن برنامج لائحتها الانتخابي على موجات إذاعة “موزاييك”، الإذاعة الأكثر استماعاً في البلاد. فعند سؤال المذيع إياها عن مدى تشبّعها بفكر الحركة، أجابت بالسلب. وعندما سألها عن المشروع المجتمعي لحزب النهضة، لم تستطع أن تجيب، لأنها ببساطة، كانت تجهله. وقد أثار فيديو المقابلة سخرية كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

“نحن منفتحون على الجميع”

لم يؤثر ذلك في سياسية “حركة النهضة” الانتخابية التي واصلت عملها على نشر صورة مختلفة عما هو معروف عنها، إذ يبين رئيس الحملة الانتخابية للحزب، جوهر السماري أن “الحركة مفتوحة على الجميع وهي لا تدافع عن الدين وإنما على جميع التونسيين بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم”. وهو يتهم الخصوم السياسيين وبخاصة من “المرجعية اليسارية” على حد قوله “بمحاولة “حصر النهضة في صورة نمطية وخلق جدار جليدي بينها وبين الشعب التونسي عبر إقناعه بأن الحزب يرغب في تغيير المشروع المجتمعي للبلاد”. ويعتبر السماري أن الحجاب لم يعد دليلاً على الانتماء إلى المرجعية الدينية أو شرطاً ضرورياً لاعتناق فكر النهضة، مدللاً على ذلك بأن زوجته وبناته لا يرتدينه، على رغم أنه من قيادات الحركة.

مراهنة حركة النهضة على صورة المرأة تجد لها مبرراً مضاعفاً، فعدى أنها تعطي انطباعاً بتغير فكر الحركة وفصلها بين الدعوي والسياسي كما أقرت ذلك في مؤتمرها العاشر (مايو/ أيار 2016)، فإنها أيضاً محاولة لكسب شريحة انتخابية مهمة من الشعب التونسي. هنا لا بد من التذكير بأن فوز “حزب نداء تونس” الحاكم في انتخابات 2014، كان نتيجة تصويت مليون امرأة لمصلحته. فمن الطبيعي إذاً أن تعمل “حركة النهضة” على استقطاب النساء وإن كان مشروعها المجتمعي يتعارض مع إعطائهن حقوقهن لا سيما المساواة التامة في الإرث، التي تثير جدلاً حالياً في تونس.

يبقى السؤال: كيف نجحت الحركة في إقناع نساء سافرات، عصريات، ومعظمهن خريجات جامعات، بالقبول بالانضمام إلى اللوائح الانتخابية للنهضة، بل بترؤسها؟

اللعب على طموح النساء السياسي

يبدو أن الحركة اشتغلت كثيراً على مداعبة الطموح السياسي لهؤلاء النسوة، بإعطائهن الفرصة لدخول المعترك السياسي من خلال المشاركة في الانتخابات وتقلد مناصب مهمة في ما بعد. هذا ما حصل مع سارة حطاب، صحافية ومديرة سابقة لـ”مرصد الإعلام والتكوين والتوثيق والدراسات حول حماية حقوق الطفل”، وهي ترأس حالياً اللائحة الانتخابية لحركة النهضة في رادس (الضاحية الجنوبية للعاصمة). لم يُعرف عن سارة انتماؤها السابق للنهضة أو تبنيها أفكار الإخوان المسلمين، بل إنها كانت قبل الثورة قريبة من “حزب التجمع الدستوري الديموقراطي” (الحزب الحاكم إبان حكم بن علي) فما الذي تغير؟ تقول سارة: “النهضة أعطتني فرصة أن أكون رئيسة لائحة انتخابية ما سيؤهلني لأكون رئيسة بلدية في حال الفوز، في حين رفض حزب نداء تونس أن يمنحني ذلك”، مضيفة “لأدعم حظوظي في الفوز، لا بد لي من ماكينة انتخابية قوية تدعمني، وحركة النهضة وفرت لي هذه الماكينة من دون أن تطلب مني أن أنخرط في الحركة، وتم استقطابي كمستقلة”. وعن إمكان تغيير “حركة النهضة” المشروع المجتمعي التونسي في حال الفوز في الانتخابات، ترى سارة أن “الحزب قد غيّر بالفعل توجهه الإسلاموي وهو بصدد التحول إلى حزب مدني”.

ورقة الأقليات لتعزيز حظوظ الفوز

في سعيها إلى تغيير صورتها عند الشعب التونسي، لم تستعمل “حركة النهضة” فقط ورقة المرأة وإنما أيضاً ورقة الأقليات، حيث أدرجت ضمن لائحتها الانتخابية في المنستير، مرشحاً يهودي الديانة، سيمون سلامة (56 سنة). اعتبر هذا الأخير في تصريح لـ”الجزيرة نت” أن “النهضة ليست حزباً متطرفاً ولا يشكل خطراً على اليهود”، كما أنه “حزب مدني منفتح على جميع الطاقات، قام بمراجعة نقدية لسياسته بعد مؤتمره العاشر”. ويعتبر سلامة أن ترشحه قد يشجع بقية أعضاء جاليته، التي لا يتجاوز عددها الألف شخص، على الانخراط في العمل السياسي.

ولكن هل يعكس هذا الاستقطاب للمستقلين والنساء غير المحجبات والأقليات غير المسلمة حقاً تغييراً جذرياً في فكر النهضة، أم أنه مجرد مناورة سياسية لكسب الأصوات؟

يرى الصحافي والباحث في الجماعات الإسلامية، هادي يحمد، أن “النهضة تتبع خطة اتصالية مبنية على الصورة من أجل تغيير الصورة النمطية التي يحملها التونسييون عن الإسلام السياسي، ويمثل التركيز على المرأة والأقليات جوهر الخطة”. ويضيف: “لا أعتقد أن مجرد عملية اتصالية انتخابية قادرة بسهولة على محو الصورة التاريخية لحركة لا تخفي أنها تندرج في المحور الإخواني العالمي. لذلك قد يكون التأثير وقتياً وانتخابياً، ولكنه لن يصمد طويلاً في وعي المواطن التونسي”.

ويدعو الباحث حركة النهضة إلى “إحداث تغيير جوهري في رؤيتها الفكرية تتبنى فيه مثلاً مبدأ المساواة التامة بين الرجال والنساء وهو الجدل الذي صمتت عنه حركة النهضة حتى اليوم”، كما أنها تحتاج، وفق رأيه، إلى تأهيل قاعدتها “الأصولية” التي ما زالت تمارس الأساليب القديمة في رمي الخصوم بالزندقة والتخوين السياسي وصولاً إلى التكفير”. ويختم: “ما نشاهده اليوم هو قشرة التغيير التي تحافظ على المشروع الإسلامي الذي يبقى الصندوق الأسود للنهضة”.

الانتخابات البلدية ستجرى يوم 6 أيار/مايو 2018 للتنافس على مجالس 350 بلدية، وهي أول انتخابات بلدية بعد الثورة.

 

 

إقرأ أيضاً