fbpx

هنا القصة الثالثة

عمّار المأمون

مقالات الكاتب

نحن أون لاين : حياتنا المراقبة جداً

نُشاهد في إعلان مكنسة “رومبا” الآلية، كيف تتحرك في أرجاء المنزل، تُراعي كل تفصيل، تتركُ كل شيء على حاله، متفادية ما حولها لتنظف أدق الزوايا والشقوق في المنزل، وكأي نوع من “التقنيات الذكيّة”، إنها تروج للراحة، أي أنها تقوم بأعمالنا عنّا، وتسهّل حياتنا لنقوم بـ”ما نريد”.

هذه الصيغة اليوتوبيّة، تبيَّن راهناً أنها قد تهدد نمط حياتنا اليوميّ، إذ أُثيرت الكثير من التساؤلات حول الشركة المصنّعة IRobot، والتي يمكن أن تبيع المعلومات التي تجمعها المكنسة عن منازلنا لـ”أمازون” أو “غوغل”.

لكن أين المشكلة؟

ما المانع إن كانت تفاصيل المنزل وجدرانه ومساحته وتحرّكتنا، وأوقات نومنا وصحونا، مُمتلكة من قبل جهة ما، تضمن الحفاظ على نظافة المنزل؟

السؤال ذاته يطرح على الأشكال الأخرى من التكنولوجيا الذكيّة التي تروج لها الشركة، إذ يقول متحدث باسمها، كيف يمكن لنا أن نعلم أي غرفة ستضاء حين تدخل منزلك، وتقول “أشعل الأضواء؟”.

الجواب بالنسبة إلى المستهلك بسيط، لا بد من معرفة مساحة المنزل، ومساحة كل غرفة، ومكان الأضواء، وعدد الجدران وتوزع الأضواء، والتعرف إلى الكلمات والنبرة وصوت المتحدث، أي لا بد من أن “نشارك” حياتنا، كي تصبح “أسهل”.  

وعلى نطاق أوسع، كيف يعنينا هذا، نحن المستخدمين اليوميين، الذين نجيب عن سؤال “فيسبوك”: “بماذا تفكّر الآن؟”، ونشارك صورنا الشخصية، وأين شربنا القهوة في العطلة، ونضع اقتباساً من كتابنا المفضل؟ الخطير، أن هذا الشكل من “الاستعراض”، هو امتداد لأشكال المراقبة، إذ أصبحت العلاقة بينهما مائعة، فالانهماك بـ”الحضور علناً”، هو المهيمن، وحوّل الاستعراض إلى مراقبة طوعيّة. نحنُ نقبل أن تُشارك معلوماتنا لكي نكون ظاهرين، ونقصد بالمعلومات، كل ما تسجله الكاميرات والعدسات والتطبيقات التي نتعرض لها أو نستخدمها، لتغدو المراقبة محركاً للظاهرة الثقافيّة الإنسانيّة. ولا نقصد بالمراقبة فقط أن الـBig Brother يراقبك، بوصفه قوة خارجيّة مفروضة على الفرد من الخارج، بل الرقابة باعتبارها قوة داخليّة، نساهم فيها، ونتمناها، وأحياناً نُمكّن حضورها، لنتحول إثرها إلى “أغراض” ذات معايير قياسيّة لا بد من مطابقتها، لنكون مرئيين.

خطر أصحاب اللياقة العالية

كثيرون في أوروبا وأميركا يستخدمون تطبيقات على الهاتف المحمول، تَغلب دور المدرب أو الطبيب الشخصي، هذه التطبيقات تَحتفظُ بخصائصنا الجسديّة الصحيّة، كعدد نبضات القلب ومعدلات السكر وعدد الخطوات التي نمشيها في اليوم، كما أنها تنصحنا بطبيعة الطعام الذي يجب نتناوله. هذه المنصات، تخبرنا متى نكون بصحة جيدة أو العكس، وسواء شاركنا هذه النتائج (الكترونياً) لنغيظ الآخرين، أم لم نشاركها، إلا أنها موجودة لدى مصنعي البرنامج وأصحابه، ويتضح لنا بسهولة كيف تعلن لنا عن المنتجات “الأفضل” لصحتنا، لكن الأخطر، أن هذه المعلومات الصحيّة وأنماط السلوك التي يتبعها المستخدمون– بالتزامن مع  معلومات من البرامج الأخرى-، يمكن أن تُباع إلى شركات التأمين الصحيّ، من دون أن نعلم نحن أو صانعو البرنامج حتى، إذ تقوم الشركات بمعالجة هذه البيانات، لتُحدد إن كان الفرد مؤهلاً للتأمين الصحي، إذ تستخدم هذه البيانات للتنبؤ باحتمالات إصابة الفرد بأمراض مزمنة كالسكري وفقر الدم أو حتى احتمال موته، ما يعني صعوبة الحصول على التأمين المناسب، كون “الجسد المريض” يعتبر خسارة لشركة التأمين، ما يجعل سلوكنا الصحيّ “الرقميّ”، يرتبط بمستقبلنا ككائنات حيّة، يمكن أن “نُترك” للمرض، في حال لم نطابق المعايير الصحيّة المناسبة.

المواطن المثاليّ

الشكل الأوضح لمراقبة مكونات الجسد وانتهاكها، هو الذي نراه في المطارات الدوليّة، والذي يظن البعض أنه يقتصر على مساحة التفتيش والأشعة السينيّة التي يمر خلالها الفرد للحفاظ على “الأمن”، إلا أن تكنولوجيا التعرف إلى الوجوه وقياس المعطيات الحيوية التي نراها في الأفلام، هي الوجه الآخر لأنظمة “ضمان الأمن”، فمعرفتنا بأننا “تحت المراقبة”، تؤثر في السلوك الفردي بمجرد دخول المطار، ليصبح أدائياً-performative، أي أننا ننتج أنفسنا للكاميرات والآخرين كموضوعات “آمنة”، لا تشكل “تهديداً” محتملاً، كذوي الملامح الشرق أوسطية الذين يتجنبون الحديث باللغة العربيّة، أو ارتداء ثياب معينة أو إطالة لحاهم كي “لا يثيروا الشبهات”، خصوصاً أن “الاشتباه” قد يؤدي إلى الطرد من الطائرة أو الحظر من الطيران حتى لو كان الفرد “مواطناً” أمريكياً على سبيل المثال.

تتجاوز المراقبة مساحة المطار الجغرافيّة، فالـcheck in، الذي نقوم به على هواتفنا النقالة قبل دخول المطار، يتيح لأمن المطار مشاركة، معلوماتنا مع جهات الأمن المختلفة، للتأكد من أننا “مواطنون صالحون”، ولا نهدد “الأمن القوميّ”، فقد تكون صورة ما أو تعليق على مقالة ما، سبباً للحرمان من السفر، ما يعني أن السماح بصعودنا إلى الطائرة، يُقرر في بعض الأحيان في لحظة شرائنا التذكرة، وذلك بناء على سلوكنا الرقميّ السابق.

مُتخيلات المراقبة

تحضر سلوكيات المراقبة ضمن الفضاء العام أيضاً، فالمدن ومحطات القطار والشوارع مراقبة بالكاميرات دوماً، سواء تلك التي نعرفها كخرائط “غوغل”، أو تلك السريّة منها، فنحن تحت تهديد دائم، بأن يتم “التعرف” إلى أحدنا، الشيء ذاته في العالم الرقميّ، نحن نراقب بعضنا بعضاً، لا يقتصر الأمر على أن الشركات تبيع معلوماتنا وتفرض علينا سلوكاً ما وحسب، بل نحن نؤدي دورنا رقمياً أمام “الآخرين”، لنبقى ضمن تصنيف ON-Life ،  لتتحول حياتنا اليوميّة المبتذلة نظرياً، لا إلى مساحة منافسة للشركات وحسب، بل إلى خشبة للأداء. وهنا لا بدّ من بذل “جهد”، لتكون “ظاهرة” بصورة ملائمة، فتقنيات المراقبة تفرض نوعاً من الأداء الاجتماعيّ، الذي تقوم هي بخلق قنواته، لاستنزاف أكبر قدر ممكن من المعلومات، لتصنيفنا وبيعنا وتداولنا، فالسلعة ليست ما تحاول شركة “أمازون” أن تبيعنا إياه، السلعة هي نحن أنفسنا، رغباتنا وأهواؤنا وتاريخنا الشخصيّ، تُباع للمعلنين.

هنا تبرز السلوكيات الثقافيّة المرتبطة بالمراقبة، أو ما يسمى “متخيلات المراقبة”، وهي أنماط السلوك المرئيّ التي ننتجها بسبب تحديقة المراقبة الدائمة، هذه السلوكيات تصنف بأنها “صحيّة” و “مقبولة” و “مرضي عنها”، والتي ننال إثرها تصنيف On life، والتي ولو كنا مختلفين– لا متجانسين- إلا أننا ضمن الفئات الموضوعة مسبقاً، أو أننا مساهمون بإنتاج هذه الفئات وخصائصها، والتنقل بينها من دون أن ندري، فمفاهيم الفرادة والاختلاف تتلاشى، فكل فرد يُنتج شكلاً من الاستعراض، وعبره تتم مراقبته وانتهاك خصوصيته وتزويده بما يجعل حياته أسهل، فكل تفاعل مع الاستعراض والاستهلاك، يزيد من أشكال المراقبة وتصنيفاتها.

مستويات الاستعراض والرقابة السابقة، سواء كانت أمام ومن قبل الآخرين، أو أمام ومن قبل الدولة، أو أمام ومن قبل الشركات، تنتهك مفهوم الفضاء الخاص، إذ لا مساحة آمنة ليكون الفرد “على هواه”. كل شيء يُسجّل ويُؤرشف ويُصنف، لنُستهدف فرداً فرداً بالبضاعة المناسبة، سواء كانت مادية أو فكريّة. كل كلمة نقولها تظهر كإعلان، وأحياناً قد تتحول صورة لنا، أعجب بها أصدقاؤنا إلى إعلان يستهدف هؤلاء الأصدقاء من دون أن ندري.

المراقبة في ظل القمع

لا تنطبق التقنيات السابقة على الأنظمة العربيّة والشروط السياسية والاقتصاديّة التي تعيشها دول المنطقة بمعظمها، إلا أن هذه الأنظمة ليست “مُتخلفة” كلياً في أساليب جمع المعلومات الرقميّة وحفظها ومراقبتنا، فالكثير من الدول الأوروبيّة باعت نظام الأسد أجهزة مراقبة وجمع معلومات، تتيح له قمع الناشطين و”اصطيادهم”، حيثما كانوا في حال استخدموا الانترنت، كما أدت هذه المراقبة إلى منتجات وسلوكيات تهدف إلى ممارسة حق الظهور، أو أن يكون الفرد مرئياً في ظل العنف، وخصوصاً أن تصنيع وضبط الأداء العلني ومتخيلاته، وتحديد مدى صلاحيته، لا تقوم على أساس كمبيوترات عملاقة وبرمجيات متطورة، بل تعتمد على كتلة بشريّة مسؤولة عن ضبط النظام، وهي رجال الأمن والمخبرين وأحياناً الخائفين من الأفراد، ليغدو تعريف “السلوك السليم” وليد تأويلات الكتلة البشرية التي تمارس الرقابة. ففي ظل خطر “الاعتقال”  في حال التظاهر العلنيّ في سوريا، في بداية الثورة، كانت هناك “تظاهرات” تقام داخل المنازل، حيث يظهر الأفراد كمحتجين ويبثون صورهم وفيديوهاتهم، لتكون أشكالاً ثقافيّة وليدة الخطر المحدق بالفضاء العام، بسبب “تحديقة الأمن”، ما حوّل الفضاء الخاص إلى خشبة للاحتجاج، ونفي سلطة المراقبة في الفضاء العام.

أشدّ أشكال المراقبة عنفاً ومسّاً بالحياة، هي تلك التي تمارسها طائرات من دون طيار أو الدرونات -Drones، فالمساحات المراقبة عبرها من قبل الجيش الأميركي كما في اليمن، تحوّل “المكان” إلى فضاء للصيد، فالدرون لا تتدخل في أوقات “الاشتباك” فقط، بل يمارس سلطة الإله العارف، إذ يتم تخزين الصور والأصوات والبيانات الرقمية والسلوك العلني للأفراد، لوحدهم ومع الآخرين، بوصفها طبقات مختلفة من المعلومات، تستخدم لتشكيل أنماط الحياة، وأي مخالفة لمُتخيل المُراقبة نمط الحياة، قد تؤدي إلى الموت فوراً، فالدرون تحاكم النيات وتنفذ الحكم فوراً، بناء على الأنساق التي أنتجها من مراقبتهم وتسجيل حياتهم اليوميّة، ما يجعل أداءهم العلني تحت رقابة الدرون، أشبه بلعبة الفيديو، إذ عليهم دوماً الانضباط بالقواعد، ومُراكمة رصيد “السلوك الحسن”.

هذه المراقبة الدائمة، تحول “العالم” إلى مساحة صيد، وكلنا فريسة ضمنها، فالفرد يؤدي ويتأقلم ليكون خفياً ولا يشكل شبهة، إذ إن النجاة تكمن بأن يكون الفرد، مرئياً حد الاختفاء، أو invisible by being completely visible، يُمارس الطاعة الاستعراض بأقصى أشكالها، لأن خطأ واحداً أو سلوكاً “غير اعتيادي” قد يعني الموت.

 

إقرأ أيضاً