fbpx

هنا القصة الثالثة

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

مقالات الكاتب

نازحو جنوب سوريا يخاطبون إسرائيل بالتظاهرات واللافتات

بما أن معركة الجنوب السوري وقعت فعلاً، وقوات النظام وداعمها الإيراني وحليفها الروسي اجتاحوا محافظة درعا بشكل شبه كامل، ويقتربون من فعل الشيء ذاته في محافظة القنيطرة، فإن “إسرائيل هي من أعطى الضوء الأخضر لهذه المعركة”. هكذا يرى محمد الحشيش، القيادي السابق في أحد فصائل درعا الوضع الحالي في حديثه مع “درج”. تسود قناعة هنا كما يقول الحشيش بأن هناك تفاهماً إقليمياً ودولياً على استعادة قوات النظام سيطرتها على جنوب سوريا، موضحاً أن “المعركة تمت بدعم روسي، ووجود إيراني، وصمت إسرائيلي وأردني، وانسحاب أميركي، هذا الأمر متفق عليه بكل تفاصيله”. إلا أن الصمت الإسرائيلي كما يصفه القيادي كان الأبرز بين المواقف السابقة كلها، “لأن إسرائيل كانت الأكثر تعبيراً وتنفيذاً لوعودها بمنع اقتراب إيران وميليشياتها من حدود الجولان المحتل، وهذا ما يُفسر نزوح عشرات آلاف المدنيين إلى هذه المنطقة، لقناعتهم بأن الدول كلها تريد الرضا الإسرائيلي في الحفاظ على الهدوء قرب الجولان، بعكس الأردن التي سمحت للنظام بالسيطرة على الشريط الحدودي كاملاً”.

اكتظاظ أكثر من 250 ألف نازح في امتداد جغرافي ضيق قرب الجولان المحتل، وفي ظروف إنسانية صعبة للغاية، دفع باسرائيل إلى لعب دور “إنساني” بتقديم المساعدة الإغاثية والغذائية للنازحين، في استمرار للسياسة ذاتها التي تتبعها منذ سنوات، والتي كان علاج الجرحى جزءاً منها، إلا أن التوقيت الجديد لهذا التدخل الإسرائيلي، وما يرافقه من حملة عسكرية لقوات النظام في المنطقة الجنوبية، مضافاً إليها الدور الإسرائيلي السياسي والعسكري في سوريا، أعاد توصيف النظرة التي يحملها كثرٌ من هؤلاء النازحين للاحتلال الإسرائيلي.
“النظرة الجديدة” إن صح التعبير، تجلّت وضوحاً في مظاهرات نظمها نازحون قرب نقاط المراقبة الإسرائيلية، حملت في كثير منها، تعابير جديدة، تُثبت أن هناك شيئاً ما قد تغير، وعلى رغم أن “مجلس محافظة درعا الحرة”، التابع للمعارضة، والذي دعا إلى إحدى هذه التظاهرات، أوضح أنها تهدف إلى توجيه الخطاب إلى المجتمع الدولي عموماً، باعتبار أن حدود الجولان باتت المنفذ الوحيد للتخاطب مع العالم بعد سيطرة قوات النظام على حدود الأردن، إلا أن مكان التظاهرة وزمانها و”انفلات” بعض اللافتات فيها، عوامل جعلتها تتحول إلى مظاهرة تخاطب إسرائيل وحدها.

اقرأ أيضاً: لبنان بديلاً من الأردن في تهريب الإلكترونيات إلى درعا

المهندس رأفت الحريري، أحد النازحين والمشاركين في التظاهرات، أكد لـ”درج”، أن النظرة إلى إسرائيل تغيرت، لكن القناعة لم تتغير، موضحاً: “ما زالت وستبقى إسرائيل احتلالاً، هذا أمر راسخ لدينا، لكننا في هذه المرحلة على قناعة كاملة بأن إيران باتت الطرف الأكثر خطراً وتدميراً وقتلاً، هي عدو لا يجد من يقف في وجه مشاريعه العدوانية، ونظن أن إسرائيل الوحيدة الجادة بكبح جماحها”. ما تحدث عنه المهندس رأفت، انعكس في إحدى اللافتات التي رُفعت من قبل النازحين والتي كُتب فيها: “عدونا الأول إيران والثاني إيران والأخير إيران”، في خطاب يبدو أنه يحاول أن يوصل رسالة غير مباشرة لإسرائيل أنها لم تعد عدواً لهم، كذلك وجّهت لافتة أخرى خطاباً مختلفاً حمّل إسرائيل المسؤولية الأكبر في المعركة، إذ كُتب: “حكومة إسرائيل هي من أعطى الضوء الأخضر للمجرمين الروس لإبادتنا وتهجيرنا وعليها إيقاف الهجمة المسعورة”، في اعتراف واضح من المتظاهرين بحجم الدور الإسرائيلي وتأثيره في المنطقة.

المخاوف من أن تُفهم هذه التحركات في سياق آخر، دفعت بالنازحين ومن يقف خلف تنظيم هذه المظاهرات إلى محاولة اختيار كلماتهم بعناية شديدة، ويرى المهندس رأفت الحريري أن “إقناع النازحين بالمشاركة في التظاهرات يجب ألا يصطدم مع قناعتهم بأننا لا نرى إسرائيل حليفاً بقدر ما نريد تحريكها لإيقاف إيران وحماية ما تبقى من المنطقة الجنوبية”، هذا ما دفع المنظمين إلى الحذر في كل عبارة يتم كتابتها والتدقيق مراراً في الجهة التي تتم مخاطبتها في هذه اللافتات، فظهرت عبارات تتحدث عن الحماية الدولية، والدعوة إلى التدخل الدولي لحماية النازحين، ومناشدات لمجلس الأمن والأمم المتحدة بالتدخل.

على رغم الحرص الكبير الذي ظهر في العبارات المختارة في التظاهرات، إلا أن بعض العشوائية التي أصابتها والأعداد الكبيرة جداً للنازحين، جعلا بعض اللافتات تذهب خارج السياق المراد لها، لتظهر عبارات تخاطب إسرائيل مباشرة، بل وتتقرب منها، كما ورد في إحدى اللافتات التي كُتب فيها: “نناشد إنسانية إسرائيل أن تحمينا وأن تفتح الحدود”، والتي رفض المهندس رأفت الحريري تعميمها، لكنه التمس العذر لمن كتبها ورفعها وقال: “الغالبية ترفض هذا الخطاب بهذه الطريقة، لكن في مثل هذه الظروف ربما يمكننا أن نقول كما قال المثل، ما جبرك على المرّ إلا الأمرّ”، في إشارة إلى أن بعض النازحين أجرى مقاربة من نوع ما، بين إيران وإسرائيل، اختار هذه الأخيرة، من دون البحث عن خيار ثالث خارجهما أو بينهما.

مذ تحولت سوريا إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي، تداخلت مصالح الأطراف المشتركة في هذا الصراع في ما بينها تارة، واتفقت تارة أخرى، كان جنوب غربي سوريا هو المعادلة الأكثر ثباتاً، فالاحتلال الإسرائيلي لم يتنازل عن ثوابته في إبعاد إيران من حدوده الشمالية، وفي الحفاظ على هدوء جبهة الجولان المحتل الذي استمر أكثر من أربعين عاماً في عهدي الأسد الأب والابن.

هذه “الثوابت” الإسرائيلية، تقاطعت مع مصالح المعارضة السورية عموماً، وفصائل محافظتي درعا والقنيطرة خصوصاً، التي وجدت في الدور الذي لعبته إسرائيل ضد إيران سياسياً وعسكرياً، نقطة التقاء مع مصالحها في إبعاد “العدو الإيراني المشترك” عن جنوب سوريا، لذلك دائماً ما ارتبط الحديث عن هجوم قوات النظام والميليشيات الداعمة لها باتجاه محافظتي درعا والقنيطرة، بالموقف الإسرائيلي من هذه المعركة، وضمان عدم الإخلال بأي من “الثوابت” التي حددتها إسرائيل، وبالتأكيد بحصولها على ضمانات في ذلك.

يتفق المتابعون للشأن السوري، على أن إسرائيل وروسيا قد توصلتا إلى تفاهمات حول المعركة الجارية في جنوب سوريا قبل انطلاقتها، وإلا لما كان النظام وحليفه الإيراني قد دخلا منطقة التأثير والنفوذ الإسرائيلي غير المباشر بهذه السهولة، إلا أن تفاصيل هذا الاتفاق وما تم رسمه للمنطقة ما زالت أموراً غامضةً حتى الآن. وسواء كانت إسرائيل قد خرجت رابحة من تفاهماتها الجديدة مع روسيا أو لا، إلا أنها ستكون سعيدة بالدور الذي لعبته على المستوى الإعلامي والشعبي بشكل خاص، الدور الذي لم يكن وليد مصادفة، بل خططت له جيداً، ونفذته باحتراف.

 

اقرأ أيضاً: مقاتلون من درعا: الباصات الخضر ستقلّنا نحو المجهول

إقرأ أيضاً