هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

موقع تعارف بدّل معايير الرومانسية لدى مسلمي بريطانيا

إنه أحد أبرز مواقع التعارف في العالم. Singlemuslim.com نجح خلال 17 عاما، في عقد أكثر من 50 ألف حالة زواج، وتصدر عناوين الصحف مؤخراً بسبب عقده زواج بين مشتبهين بتهمة التورط في الإرهاب.
 
تحُثك كُتُب مشاريع الأعمال على أخذ حدسك محمل الجد والإصغاء لخلجات فؤادك، وقد اتبع أديم يونس هذه النصيحة منذ 17 عاماً فأنشأ موقع SingleMuslim.com ولم يتجاوز عمره حينذاك 20 سنة، كان حينها طالباً يدرس مجال التصميم في كلية ويكفيلد في يوركشاير، ويتوق للالتحاق بتكنولوجيا المعلومات. وبالإضافة إلى رغبته الجامحة في أن يكون رئيس نفسه، كان لديه مطلباً أكثر إلحاحاً.
يقول يونس “في الحقيقة، عندما كنت أعود إلى البيت، كنت أجد صورة كبيرة لابنة عمي في باكستان، على رفّ الموقد. كانت والدتي دوماً ما تعدِد مناقب ابنة عمي، وتتحدث لي عن براعتها في صناعة الشاباتيس وما إلى ذلك، وفكرتها الكامنة في كلامها، أن أتزوج بها”.
كان جَد يونس قد استقر في يوركشاير بعد أن قاتل في صفوف الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، وفي أعقاب ذلك تم تنظيم الأمور لتتزوج ابنته والد يونس، ابن عمها الأول. وكان المفترض أن يحذو يونس حذوهما أيضاً ويسير على نفس الطريق.
يُعد موقع SingleMuslim.com فضاء للزواج أكثر منه للتعارف، ويدعي أيضاً تحقيق نسبة عالية من النجاح في هذا الشأن.
يتذكر يونس أنه حينما أشار إلى رغبته في انتهاج سبيل مختلف، سألته والدته بشيء من القلق “إذن أخبرني، إذا كنتَ لن تتزوج ابنة عمك، فمنْ ستتزوج إذن ؟” وبصفته شاباً مسلماً محافظاً يريد زوجة يؤسس معها أسرته، أدرك أنه لم يكن وحده من يتعرض لمثل هذا السؤال. “كان ذلك في زمن اشتهر بتنظيم الكثير من الزيجات المرتبة قسراً ، مما تسبب في قدر هائل من التوتر والاضطرابات”، ثم يضيف “اعتقدت أنه بوسعنا حل الكثير من هذه المشاكل من خلال فتح الباب أمام الناس لمزيد من الخيارات”.
كان يونس يعمل  بدوام جزئي في مطعم للبيتزا في الجزء السفلي من ويستغيت. وفي مقابل نوبتين إضافيتين من العمل، أقْنع رئيسه بمنحه مساحة مكتب فوق المطعم، فأنشأ فيها موقع بدائي للزواج خاص بالمسلمين بمساعدة أحد أصدقائه. ومباشرة بعد أن وضعا الموقع على الشبكة حصلا على أول تسجيل، أخذ المشروع ينمو ببطء من خلال اتصالات شفهية، معظمها من خلال الجمعيات الطلابية. وخلال المسيرات التي نظمت للتنديد بغزو العراق، راح يونس يروج لمشروعه مخاطبا الحشود “عليكم بالحب، وليس الحرب” مع توزيع منشورات عن الموقع إلى كل مسلم  يصادفه في الطريق.
في السنوات التالية، تطور موقع SingleMuslim.com ونما ليتصدر هذا النشاط ويتحول إلى الفاعل المهيمن في الساحة التي أصبحت سوقاً تنافسية. يقول مالك خان، الرئيس التنفيذي للعمليات في الشركة، إن “الطلب أخذ في التعاظم على نحو واسع جداً”، ويعتقد أن ذلك يرجع إلى واقع الثقافات الغربية، التي تجعل غالباً التعارف بين الجنسين يحدث في الحانات والنوادي، مما يحد من خيارات الأماكن التي يمكن للمسلمين الملتزمين لقاء شريك مستقبلهم والتواصل معه . ويتباهى الموقع الكائن بالمملكة المتحدة، بتسجيل ما يقرب من مليون مستخدم نشط في المملكة المتحدة، في الوقت الذي تسعى الشركة إلى توسيع نشاطها دولياً. (يشير تحليل حركة تصفح الموقع إلى أن هناك حوالي 1.4 مليون زيارة شهرياً)، ولأن الموقع هو في الحقيقة لغرض الزواج أكثر منه للتعارف، فإنه يدعي تحقيق نسبة عالية من النجاح، وقد حقق الموقع خمسمائة ألف حالة زواج والعدد في ازدياد.
على بعد نصف ميل عن طريق مطعم البيتزا، يقع مقر الشركة في ثلاثة طوابق داخل مبنى كبير يعود للعهد الفيكتوري، أمام قاعة بلدية واكيفيلد، ويعمل في الشركة أكثر من 30 موظفاً. “عندما يأتي الناس هنا، يتوقعون أنهم سيجدون أشخاصاً مسلمين بعمائمهم” يقول خان مازحاً. وبعد ظهر يوم الجمعة، يتوجه نصف الموظفين لأداء الصلاة خارج المقر، في حين يتوجه الباقي إلى الحانة المجاورة.
وقد مكَنتْ البيانات الضخم يونس من إنشاء مشاريع أخرى، أبرزها جمعية Penny Appeal الإنسانية الخيرية، التي جمعت في العام الماضي ما يقرب من 14 مليون جنيه استرليني، معظمها من تبرعات أعضاء موقع الزواج، وتعمل الآن في جهود الإغاثة من الكوارث، من برج غرينفيل إلى هايتي. وبفضل شراكته مع رجل الأعمال والنجم السابق جيمس كان، يوشك يونس على إطلاق صندوق يناهز 2 مليون جنيه استرليني لتوفير رأس المال الأولي لمشاريع التكنولوجيا.
 
في يوليو/تموز ـ حصل يونس،37 عاماً، على لقب المدير الشاب لهذه السنة، عن يوركشاير والمنطقة الشمالية الشرقية، من قبل معهد المديرين.ولكن لسوء حظه، كانت أبرز العناوين التي تطرقت لموقع SingleMuslim.com في الفترة الأخيرة تدور حول محاكمة زوجين متهمين بالتخطيط لهجوم مشتبه بانتمائه لتنظيم الدولة الإسلامية بقنبلة منزلية الصنع. واستمعت هيئة المحكمة إلى أحد المتهمين، منير محمد، مواطن بريطاني من أصل سوداني، يعيش في ديربي، وكيف جند رويدا الحسن، خِريجة الصيدلة من كلية لندن الجامعية، لتوظيف معرفتها بالمواد الكيميائية اللازمة لصنع مادة متفجرة.
وقد أشير أثناء المحاكمة وفي الصحف أيضاً، إلى أن المتهمين التقيا لأول مرة على SingleMuslim.com.  وعرف منير محمد نفسه على الموقع، باعتباره يبحث عن زوجة وشريكة حياة لبناء أسرة، في حين أشارت الحسن في ملفها الشخصي، أنها حاصلة على درجة الماجستير في الصيدلة، موضحة في ذات الملف “أبحث عن رجل بسيط، بسيط وصادق وصريح، يخشى الله قبل أي شيء آخر”. وبعد تواصلهما على الموقع، بين 2015 و 2016 ، أصبح الزوجان على اتصال منتظم من خلال واتساب، حسبما أفاد به المعنيان أمام المحلفين.
وكان خان ويونس على علم بأن القضية ستحال إلى المحكمة منذ فترة، وعندما ألقيَ القبض على محمد والحسن، طلبت الشرطة من الشركة تقديم سجل العلاقة بين المتهمين. ويقول خان “لا مشكلة لدينا، قمنا على الفور بطباعة جميع عمليات تسجيل الدخول والرسائل. وكان سلوكهما  طبيعي جداً على الموقع، فقد تبادلا بعض رسائل الحب العاطفية، ثم تبادلا عناوين واتساب، هذا كل ما لدينا”.
هذه القضية يقول يونس، هي بطبيعة الحال، “آخر ما كُنا نحتاجه أو نريده”. ويعتقد القائمون على الموقع أنهم فعلوا كل ما بوسعهم لمنع وقوع أي علاقات اتصال متطرفة. ويقول خان “لا يمكن لأي عضو مشاركة مقاطع  فيديو أو روابط خارجية على موقعنا”، ويضيف “إذا جاء طلب العضوية من بلد غير مستقر، نيجيريا أو اليمن على سبيل المثال، يتم تعليق الطلب تلقائياً بغرض الفحص الدقيق أولاً.
يدفع مشتركو SingleMuslim.com   ثلاثني جنيهاً إسترلينيا شهرياً (أو 120 جنيهاً إسترلينياً لمدة سنة) وتُستثمر جل هذه الأموال بحسب ما يقول خان، في جعل المنصة مكاناً آمناً. يقول “لا يمكنك حتى السب والشتم على موقعنا، ونقوم بالرقابة أوتوماتكياً بقدر ما نستطيع، وفي حالة وجود أي شيء محل شكوك، فيتم التحقق منه من قبل أحد الأشخاص الحقيقيين “.
في كل مرة يحدث هجومٌ إرهابيٌ في أوروبا – بعد الفظائع في لندن ومانشستر هذا الصيف على سبيل المثال-  يتعرض الموقع لحملات الكترونية هي عبارة عن رسائل مليئة بالكراهية تستهدف المستخدمين على الموقع. بطبيعة الحال نقوم بتصفية معظمها تلقائياً؛ ومع ذلك يُعزز الفريق بموظفين إضافيين في الموقع للتأكد من بقائه “نظيفاً”.
وأجاب خان عن السؤال حول ما إذا كانوا يعتقدون بأن الأجهزة الأمنية ستُوليهم الآن المزيد من الاهتمام؟
يقول خان: “ليس لدينا أي مشكلة في مساعدة الشرطة في أي من طلباتها، ويضيف “لكنهم لم يتصلوا بنا إلا نادراً، وفي الماضي كان هناك عددٌ قليلٌ من قضايا الهجرة طُلب منا تقديم معلومات أكثر بشأنها، إلى جانب ذلك نمدّ هذه الأجهزة بالمعلومات التي تخص مرسلي الرسائل غير المرغوب فيها والمحتالين… ”
عندما أنشأ يونس موقعه على الإنترنت، جاءت المشاكل في البداية من الأصوليين. يقول ” كنا نتلقى حينئذ تهديدات بالقتل، وكلها صادرة عمن يسمون بمحاربي لوحة المفاتيح المجهولين، الذين يعتبرون أنه حرام وغير جائز عرض صور النساء، وربما شهد البعض منهم أخواتهم على الموقع”.
ولم يؤثر ذلك في يونس، مضيفاً أن الآن لم يعُد يسمع اعتراض أي شخص على ما نفعله، لأن السبب حسب اعتقاده أن “الجميع  على علم بشخص من معارفه، قد ساعده الموقع في تحقيق ما كان يبحث عنه”.
وبعد فترة قصيرة على تأسيس الموقع، دعته إحدى عماته إلى منزلها للتحدث معه، وما إن جلس على أريكة حتى “انهالت عليه بالنقد” والتعنيف حول الموقع،  وبعد ستة أشهر، يقول يونس، دعته العمة نفسها مرة أخرى، لكن هذه المرة قدمت له الشاي والبسكويت، وتوجهت إليه بالقول “يونس، أنت تملك اليوم هذا الجهاز (الموقع)، وهناك أخ في مجتمعنا ربما يمكنك مساعدته؟”  وافق يونس، “وبعد ستة أشهر تمكننا من ترتيب أمور زواجه”.

لا يحتاج المرء إلى قضاء فترة طويلة جداً على SingleMuslim.com ليتحقق بنفسه أنه ليس خطيراً ومُفضياً للهلاك. ويُطلب من كل المستخدمين ملء الخيارات المتوفرة أمامه لإنشاء ملف تعريف على الموقع، تحديد مستوى التدين (متدين جداً / إلى حد ما  / يفضل عدم الإفصاح عن ذلك) ومذاهبهم  (الشيعة / السنة / مسلم فقط) وتفضيلات المظهر (الحجاب؟ اللحية؟).
يقول يونس “لسنا ذلك النوع من نوادي “الموافقة التلقائية عبر نظرة خاطفة” أو خدمة سريعة بين ليلة وضحاها”، موضحاً “الناس يطلقون على ما نقوم به التعارف الحلال” وهذا أمرٌ جيدٌ، لأن الحلال يعني أن تكون إنساناً مستقيماً صادقاً في إيمانك”.
حوالي 10٪ من الأعضاء المسجلين ينضمون كأسرٍ بكاملها، وفي تلك الحالات، عادة ما تستخدمُ الأمهات أو الجدات الموقع لتحضير اللقاءات والتوسط في الزيجات، يوضح خان، لكن ما تقوم به شركتنا يتمثل في الغالب في فرصة توسيع نطاق هذا البحث إلى أقصى حد ممكن.
هناك محفز لتمكيننا بما نقوم به، وإصرارنا على اشتراط أن تكون صور الوجه بالكامل. ويوضح خان هذه النقطة قائلا “الإناث اللواتي يتم تغطيتِهن بالكامل لا يلِجن إلى الموقع، لأنه لا فائدة من مشاهدة صورة لا ترى منها سوى العينين”.
في غرفة اجتماعاتهم، يوجد إلى جانب علبة الهاتف الأحمر (“نحن شركة بريطانية جدا” يمزح يونس) هناك جدار من زهور الحرير، تقع عليه صور بعض الأزواج السعداء تزين المكان، لكن ليس بينها صورة يونس، في حين كان يمكن لها أن تأخذ مكانها هناك.  وقد ساهمت الفكرة من وراء مشروعه، في تقديم الجواب في نهاية المطاف على سؤال والدته “إن لم تكن ابنة عمك، إذن من هي المرأة التي ستتزوجها؟” – السؤال الذي بدأنا به. وبعد جولات من البحث عن طريق التجربة والخطأ، وصل يونس ذات صباح من عام 2005 إلى المكتب ليعلن لرفاقه “يا أصدقاء، لقد وجدت ضالتي، التقيت بها أخيراً!”
حدق فيه زملاؤه بتعجب ساخر، بعد ترك لوحات المفاتيح التي كانوا يعملون عليها، قبل أن يردوا عليه “حسناً يا رئيس، هل سنغلق الموقع الآن؟ ”
لم يكن زواجه أبداً نهاية للمشروع والموقع، بل يعتبِر يونس، أن المشروع قد ألهمه لما بعده. ويقول “زوجتي نشأت في ميدلاندز، في مجتمع مختلف، وفي ظروف عادية ما كُنا لنلتقي أبداً. ولديهم الآن أربعة أطفال. أما خطته التي يطمح إليها فتتمثل في توسيع نطاق هذا الإنجاز السحري، في “واكيفيلد ثم العالم”…
 
هذا المقال مترجم عن موقع The Guardian
لقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط  التالي

إقرأ أيضاً