fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد حسان

مقالات الكاتب

من هو أبو سيف الشعيطي الذي اعتقلته المخابرات العراقية؟

هو أحد قادة “داعش” الخمسة الذين غرد الرئيس الأميركي محتفلاً باعتقالهم الأسبوع الماضي من قبل قوة من المخابرات العراقية دخلت إلى الأراضي السورية ونفذت عملية الاعتقال. أبو سيف الشعيطي قيادي التنظيم والذي قتل نحو ألف من أبناء عشيرته الشعيطات في شرق سورية، ويتهمه بعض أبناء العشيرة بأنه خطط للمجزرة وكان أحد منفذيها. هنا جزء من سيرته.

في التاسع من شهر مايو/ أيار الجاري في تمام الساعة الثامنة وعشرين دقيقة، وصلتني رسالة عبر “واتس اب” من عمر أبو ليلى أحد إعلاميي محافظة دير الزور السورية، كان محتوى الرسالة عبارة عن صورة لتغريده نشرها شخص عراقي، كتب فيها عن قيام المخابرات العراقية بإلقاء القبض على خمسة قياديين من تنظيم “الدولة الإسلامية”، بينهم اثنان من أبناء دير الزور، هما صدام الجمل ومحمد حسين خضر الغدير المكنى بـ “أبي سيف الشعيطي”.

في بادئ الأمر لم ألقي للموضوع بالاً، وقلت صديقي إن الخبر قد لا يتعدى مجرد إشاعة، إلا إذا ما تم نشر تسجيلات مرئية تثبت صحته، بخاصة أن مثل هذه الأخبار وغيرها عن مقتل قيادات تابعة للتنظيم، يتم تداولها في كل مرة ثم نكتشف بعد أيام عدم صحتها، وضربت له أكثر من مثال عن تلك الأخبار.  

بعد دقائق من إنهاء المحادثة مع أبو ليلى، وصلتني رسالة جديدة منه يخبرني فيها بضرورة متابعة قناة “الحرة الفضائية” لأمر مهم يجب أن أشاهده، وما أن حولت التلفزيون إلى محطة الحرة حتى ظهر أبو سيف الشعيطي وكان يسرد اعترافاته عن مهمته في تنظيم “الدولة الإسلامية”.

حديث “أبو سيف” أعادني إلى منتصف عام 2012، عندما التقيته لأول مرة أثناء زيارته بلدتي الخريطة غرب دير الزور، كان قادماً إليها ليستعين بعناصر “الجيش الحر” المتواجدين داخلها لتصوير بيان تشكيل كتيبة “أبو نجد السلفي”، وفي محاولة للحصول على الدعم المادي بغرض شراء أسلحة وآليات لقتال النظام السوري. لم تتغير ملامحه على رغم مرور تلك السنوات الطويلة، باستثناء لحيته التي أطالها لتتناسب مع كونه أحد قادة التنظيم المتشدد.

من هو أبو سيف الشعيطي؟ الرجل العشائري الذي أخلص لتنظيم “الدولة” منذ انضمامه إليه حتى لحظة اعتقاله، على رغم المجزرة التي ارتكبها التنظيم بحق عشيرته والتي راح ضحيتها أكثر من ألف قتيل مدني. وهل هو من رجالات الصف الأول في “داعش”؟، وما هي أبرز التقلبات التي عاشها هذا الرجل، منذ انطلاق الثورة السورية مطلع عام 2011 وحتى اعتقاله؟

مولده ونشأته

ولد محمد حسين خضر الغدير “أبو سيف الشعيطي” في بلدة الكشكية السورية، الواقعة شرق محافظة دير الزور عام 1979، لعائلة مكونة من 28 شخصاً، يملك والده الكثير من الأراضي الزراعية والمالكانات في البلدة، وينحدر من عائلة تدعى “النهر” وهي من أكبر العائلات المنتمية إلى عشيرة الشعيطات العربية التي ينتسب لها أبو سيف.

درس أبو سيف، مرحلة التعليم الابتدائي في مدارس الكشكية، وتوقف عن الدراسة بعد حصوله على شهادة السادس الابتدائي. بعد توقفه عن التعليم عمل مع والده في الأراضي الزراعية التي يملكونها، ثم عمل في أحد ورشات البناء في البلدة.

استمر أبو سيف في عمله بورشات البناء حتى عام 1999، ثم غادر سوريا للعمل في المملكة العربية السعودية، حيث عمل في قطاع البناء داخل المملكة حتى أواخر عام 2009، عاد بعدها إلى سوريا وبلدته الكشكية.

حياة أبو سيف كانت حياة جيدة، حيث وفّر له عمله في السعودية مدخرات مالية، إضافة إلى وجود أراضي يملكها كحصص من أملاك والده، ولم يكن له في تلك الفترة أي ميول سياسية أو حزبية، ويعتبر متديناً عادياً غير ملتزم وعائلته أقرب ما تكون للصوفية.

في الثورة السورية

مع بدء أحداث الثورة السورية عام 2011، أنخرط أبو سيف الشعيطي في صفوفها، عبر المشاركة في التظاهرات التي كانت تحصل في مناطق وجود عشيرة الشعيطات. ويذكر أن اثنين من أخوته كانا من أوائل من خرج في التظاهرات المناوئة للنظام في تلك المناطق.

ومع بدء ظهور علامات عسكرة الثورة، كان أبو سيف  ممن حملوا السلاح ضد النظام السوري، على مستوى بلدته، حيث عمل مع مجموعات من أبناء بلدته على حراسة البلدة لمنع قوات النظام من دخولها.

في أواخر الشهر الثاني من عام 2012، اقتحمت قوات النظام بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وشارك أبو سيف مع عدد من أبناء تلك البلدات بالتصدي لتلك الحملة.

بعد انسحاب قوات النظام من تلك المناطق، عُقد اجتماع لجميع من شاركوا في التصدي للاقتحام، وأسفر الاجتماع عن تشكيل “كتيبة الحمزة” التي تشكلت من عدة سرايا، وعين أبو سيف وقتها قائداً لسرية ثوار الشعيطات.

بعد أشهر من العمل مع “كتيبة الحمزة “، أنفصل أبو سيف الشعيطي عنها وأعلن بتاريخ 23/5/2012، تشكيل كتيبة “ثوار الشعيطات” التابعة للواء “جعفر الطيار” المنضوي تحت قيادة مجلس دير الزور العسكري، وشاركت الكتيبة في عدد من العمليات التي استهدفت نقاط قوات النظام في ريف دير الزور.

وجود أبو سيف مع لواء “جعفر الطيار” لم يستمر طويلاً، فأعلن في 18/9/2012، تشكيل “لواء الأمة” الذي شكلت كتيبة ثوار الشعيطات عموده الفقري، وشارك في الهجوم على مدينة البوكمال ومطار الحمدان العسكري، وعملية حاجز دوار الحلبية أواخر عام 2012.

في مطلع عام 2013، انضم أبو سيف الشعيطي ولواء الأمة إلى تجمع ألوية “أحفاد الرسول” بقيادة الرائد “ماهر النعيمي”، وأصبح من قيادات التجمع في محافظة دير الزور، تحت أمرة “صدام الجمل” الذي كان يشغل منصب القائد العام للتجمع في منطقة شرق سوريا وقتها.

خلال هذه المرحلة، شارك أبو سيف مع التجمع في معارك عدة داخل محافظة دير الزور وخارجها، بخاصة معارك فوج الميلبية ومعركة اليعربية وتل حميس وغيرها في محافظة الحسكة.

قرابة الشهر السابع من عام 2013، اعتقلت جبهة النصرة أبو سيف الشعيطي وصدام الجمل من منطقة تل حميس في ريف الحسكة لمدة 12 يوماً، وصادرت كميات كبيرة من الأسلحة كانت موجود داخل مقار التجمع، بعد إطلاق سراحهما تمكن الجمل والشعيطي من استعادة الأسلحة المصادرة واستكمال المعركة ضد قوات النظام في فوج الميلبية.

بعد هذه الحادثة، بدأت “النصرة” حرباً باردة ضد تجمع ألوية “أحفاد الرسول”، بحجة توقيعه على التزامات دولية لقتالها، وكان من بين الأشخاص الذين ركزت عليهم الجبهة صدام الجمل وأبو سيف.

في شهر أبريل/ نيسان عام 2013، وبعد انفصال “جبهة النصرة” عن تنظيم “الدولة الإسلامية”، بدأ الأخير حملة تهديدات واعتقال طالت قادة كتائب وألوية من تجمع “أحفاد الرسول” في الرقة وديرالزور.

تهديدات “الدولة الإسلامية”، طاولت أبو سيف الشعيطي كونه أحد قادة التجمع في دير الزور، وطالبته بتسليم سلاحه والخضوع لدورة توبة شرعية لدى التنظيم مقابل عدم التعرض له. أبو سيف رفض الأمر في البداية لكنه عاد وقبل بعدما وصلت التهديدات إلى حد قتله وقتل عائلته، وقام بتسليم السلاح وخضع مع مجموعة من عناصره لدورة توبة شرعية، في معسكر مغلق داخل مدينة البوكمال على الحدود السورية العراقية.

مع تنظيم “الدولة الإسلامية”

تنظيم “الدولة الإسلامية” استغل فترة وجود أبو سيف الشعيطي في معسكر التوبة لإقناعه بالعمل معه، مقابل إغراءات قدمت له كإعادة سلاحه المصادر ومنحه مبالغ مالية كبيرة، ما دفعه إلى مبايعة التنظيم بشكل سري بادئ الأمر.

بعد انتهاء دورة التوبة ومبايعة الشعيطي للتنظيم، عاد إلى بلدته الكشكية التي كانت تخضع لسيطرة فصائل الجيش الحر، وعمل خلال تلك الفترة على جمع أنصار للتنظيم في تلك المناطق، وتقديم معلومات عن تحركات الفصائل.

بعد بدء القتال بين “جبهة النصرة” وفصائل الجيش الحر من جهة، وتنظيم “الدولة الإسلامية” من جهة أخرى في محافظة دير الزور مطلع عام 2014، شارك أبو سيف في المعارك إلى جانب التنظيم، بخاصة معركة السيطرة على البوكمال في أواخر الشهر السادس من عام 2014.

بعد سيطرة التنظيم على كامل محافظة دير الزور بتاريخ 20/7/2014، كان أبو سيف أحد المقربين من قادة التنظيم، لكن من دون إعطائه أي ميزات، فتم تعيين “أبو علي الشعيطي” أميراً على مناطق وجود عشيرة الشعيطات بدلاً منه، وبقي كعسكري ضمن صفوف التنظيم.

نهاية الشهر السابع وبداية الشهر الثامن من العام ذاته، دارت مواجهات عسكرية بين عشيرة الشعيطات وتنظيم الدولة، بعد خرق الأخير بنود الاتفاق الذي قامت العشيرة بموجبه بمصالحة التنظيم وتوقفت عن قتاله قبل سيطرته على دير الزور.

المواجهات العسكرية بين الشعيطات والتنظيم استمرت أياماً، انتهت بسيطرة التنظيم على قرى الشعيطات بعد ارتكابه مجزرة راح ضحيتها أكثر من ألف قتيل مدني بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى عشرات الجرحى ومئات المعتقلين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اللحظة، كما هجّر التنظيم أهالي تلك المناطق لمدة تجاوزت العام خارج مدنهم وبلداتهم.

المصادر المحلية من أبناء المنطقة اختلفت رواياتها حول مشاركة أبو سيف في تلك المجزرة، فمنها من قال إنه شارك بعملية قمع ثورة الشعيطات ضد التنظيم، وقسم آخر أكد أنه في تلك الفترة كان يُقيم في منزل له داخل مدينة الميادين، بسبب إجرائه عملية جراحية في عموده الفقري.

لكن أبو صالح الشعيطي وهو قائد فصيل في الجيش الحر قال لـ “درج”: “أبو سيف شارك في المذبحة التي ارتكبها التنظيم بحق أبناء عشيرة الشعيطات، بل كان أحد مهندسي العملية وتوجد تسجيلات صوتيه تثبت مشاركته في تلك الجريمة، التي أقدم عليها نتيجة حقده على العشيرة التي رفضت الوقوف معه عندما أرادت النصرة اعتقاله نتيجة ممارساته المشبوهة والخاطئة”.

بعد أن قام التنظيم بقمع أحداث الشعيطات، تم استدعاء أبو سيف مع مجموعة من عناصره إلى حقل العمر النفطي، وتم وضعهم في السجن بتهمة التستر على عناصر قاتلت التنظيم من أبناء الشعيطات، وتسريب معلومات لمقاتلي الشعيطات عن تحركات تنظيم “الدولة” خلال فترة المواجهات العسكرية مع العشيرة.

تنظيم “الدولة الإسلامية” عاد وأطلق سراح أبو سيف بعد عدم ثبوت التهم الموجهة إليه، ثم بدأ بالاعتماد عليه في بعض المعارك كعسكري داخل التنظيم في الحسكة وريف حلب ومحافظة دير الزور، خلال فترة أوج سيطرة التنظيم.

أهم المناصب التي تقلدها أبو سيف في تنظيم “الدولة الإسلامية” هي، والي مدينة الميادين لفترة قصيرة ثم والي منطقة الشعيطات، ومنصب عسكري خلال المعارك الأخيرة، التي شهدت انحسار التنظيم عن المناطق التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق.

ويعتبر منصب المشرف العام على الأنفاق في مدينة الميادين، ومنصب مستشار عسكري في مناطق سيطرة التنظيم شرق دير الزور، آخر منصبين تقلدهما أبو سيف، قبل أن تتمكن القوات العراقية من إلقاء القبض عليه في التاسع من أيار عام 2018، مع أربع قياديين آخرين من تنظيم “الدولة الإسلامية”، بعد عملية استخباراتية داخل الأراضي السورية.

ويعتبر أبو سيف قيادياً عادياً ضمن التنظيم، على عكس ما يتم الترويج له بأنه أحد قادة الصف الأول، فالتنظيم لم يعتمد عليه في أي مناصب مهمة داخله، وكانت فترة تقليده مناصب متوسطة في مرحلة الانحسار، والتي احتاج فيها إلى أشخاص للتضحية بهم، لعدم رغبته في تعريض قادته الحقيقين لأي خطر.

 

 

 

 

 

إقرأ أيضاً