fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عيساوي

أحمد عيساوي

مقالات الكاتب

من بينهم رجل اعمال لبناني: شخصيات محورية في قضية ساركوزي والقذافي

عائداً من العاصمة الإماراتية دبي حيث شارك في فاعليات الدورة السادسة للمنتدى العالمي للتعليم والمهارات الذي تعقده مؤسسة “فاركي”، وقبل ساعات قليلة على مغادرته باريس إلى لندن للمشاركة في لقاء أكاديمي، ألقت عناصر الشرطة الفرنسية التابعة لمكتب مكافحة الفساد والمخالفات المالية والضريبية القبض على رئيس الجمهورية السابق نيكولا ساركوزي (2007-2012)، واستمعت إلى شهادته في قضية تمويل حملته الرئاسية عام 2007 من نظام الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي.
وبعد هذا التوقيف قيد التحقيق، صدرت سريعاً ردود فعل شاجبة على لسان محازبين ووزراء ونواب سابقين ينتمون إلى عائلة اليمين الجمهوري، أعنفها جاء على لسان رئيس الحزب الحالي للجمهوريين، لوران فوكيه، الذي اعتبر أنّ التعامل مع رئيس جمهورية سابق بهذه الطريقة “أمر مهين ولا ينفع أحداً”.
ملابسات القضية والشخصيات- المفاتيح في قضية التمويل الليبي.
لكن كيف بدأت القضية؟
في نيسان (أبريل) عام 2012 وفي خضمّ التحضير للجولة الرئاسية الثانية بين رئيس الجمهورية آنذاك نيكولا ساركوزي ومرشّح الاشتراكيين فرانسوا هولاند، كشف موقع “ميديابارت”، الذي سيذيع صيته لاحقاً في عالم الصحافة الاستقصائية مع ملفّات عديدة، عن ورقة رسمية للمخابرات الليبية تعود إلى تاريخ أيلول (ديسمبر) 2006 يتعهّد فيها العقيد الليبي معمّر القذافي بدفع مبلغ 50 مليون يورو لتمويل حملة ساركوزي الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب وزير الداخلية.
بعد سنة بالتمام والكمال، تمّ فتح تحقيق يطاول التمويل الذي ارتكزت عليه حملة ساركوزي الرئاسية عام 2007. واستطاعت التحقيقات التوصّل إلى شخصيات عديدة لعبت دوراً محورياً في تلك القضية. في مقدّمة تلك الأسماء يبرز اسم رجل الأعمال الفرنسي- اللبناني زياد تقي الدين. فمن هو هذا الرجل وما هو الدور الذي لعبه في العلاقة الفرنسية- الليبية؟
في سجّل رجل الأعمال الذي ارتبط بصلات وثيقة مع شخصيات سياسية محسوبة على اليمين في فرنسا، تاريخ طويل من القضايا الملتبسة والتي أدّت إلى توقيفه مراراً. لكنّ “قضية كراشي” تبقى الأهم من بين قضايا أخرى لأنّها تحوّلت سريعاً إلى “قضية دولة”. في ٨ أيار (مايو) عام 2002، خلّف اعتداء في مدينة كراتشي الباكستانية 14 قتيلاً من بينهم 11 فرنسياً، كانوا يعملون في مجال الصناعات البحرية. همسٌ في الكواليس وحبر في الصحافة وكلامٌ لا يقال سُمِع عن إمكان وجود علاقة بين الاعتداء وبيع فرنسا ثلاث غواصات لباكستان عام 1994. وقد اشتبه القضاة في هذا الملف بوجود عملات مسترجعة بين فرنسا وباكستان تتورّط فيها شخصيات مرموقة في الوسط السياسي الفرنسي. لعب زياد تقي الدين دور الوسيط في دائرة من العمولات الرجعية على عقود التسليح تلك، وساهمت تلك العمولات في تمويل غير شرعي لحملة رئيس الوزراء الأسبق ادوار بالادور عام 1995.
بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 وكانون الثاني (يناير) 2007 حلّ زياد تقي الدين ضيفاً على كلود غيان، رئيس ديوان وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، مرتين، وعلى ساركوزي شخصياً مرة واحدة. ثلاث مرات، ثلاث حقائب حضرت حملت مبلغ 5 ملايين يورو. نفي ساركوزي المتكرّر علاقته بتقي الدين تكذّبها شهادة الأخير واعترافه بنقل الحقائب المليئة بالأموال إلى غيان. ولم يتردّد رجل الأعمال المعروف في الذهاب بعيداً في اعترافاته في تشرين الثاني 2016، في خضمّ التحضير للانتخابات التمهيدية لدى معسكر اليمين الجمهوري، عندما قال لـ “ميديابارت”: “أريد أن أكشف حقائق كثيرة عن هذا النظام المافيوي الذي نعيش في ظلّه”.
الشخصية الثانية في تلك الحلقة الضيقة هو كلود غيان نفسه، الذي شغل منصب الأمين العام للرئاسة الفرنسية في عهد ساركوزي، وفي سجلّ الرجل عشرات قضايا الفساد وتعرّض سابقاً للإيقاف في قضية التحكيم الشهيرة بين رجل الأعمال بيرنار تابي ومصرف Credit Lyonnais.
أما الشخصية الثالثة فهو ألكسندر دجوري، رجل الأعمال الفرنسي- الجزائري الذي يعرف بـ”رجل الظل” في الشبكات المالية لليمين الجمهوري. والمعروف أنّ دجوري، المتحدّر من عائلة فقيرة كانت تقطن في ضاحية السان- دنيس، استفاد من تقرّبه من كلود غيان ودومينيك دو فيلبان وأسّس لعلاقة قوية بالنظام الليبي، ترجمها بصفقة بيعه الفيلا التي كان يملكها في إحدى بلدات جنوب الشرق الفرنسي (Mougins)، بـ10 ملايين يورو، ما يعادل 5 أضعاف سعرها الحقيقي. وقد تمّ توقيفه مطلع العام الحالي في لندن لاضطلاعه بدور رئيسي في وضع نظام سرّي لنقل الأموال بين طرابلس وباريس ويخضع لتحقيق دقيق بسبب وضعه الصحي الحرج، كما ذكر محاميه.
شهادات كثيرة فرنسية وليبية وكلام مباشر، كذلك الاتهام الذي وجّهه سيف الإسلام القذافي لساركوزي عام 2012 بالاستفادة من المال الليبي للوصول إلى الإليزيه، وشهادة مدير المخابرات العسكرية الليبية السابق عبدالله السنوسي، تثبت صحّة اعترافات زياد تقي الدين وتلتقي مع المراجعات المالية الخاصة بوزير النفط شكري غانم- المقتول في ظروف غامضة في فيينا عام 2012- التي تمكّن القضاء الفرنسي من تحصيلها وتذهب إلى حد المطابقة مع كلام الرجل المقرّب جداً من القذافي، بشير صالح الذي أكّد إبرام صفقة كبيرة بين ساركوزي والعقيد الليبي تتضمّن تمويل حملته الانتخابية.
سنوات العسل الخمس بين باريس والقذافي التي دشّنتها زيارة تاريخية للرئيس الليبي إلى العاصمة الفرنسية حيث نصب خيمته في باحة فندق “ماريني” قبالة قصر الإليزيه عام 2005، استكملت في الكواليس بين عامي 2006 و2007 في الدور الإيجابي الذي لعبته سيسيليا اتياس (الزوجة الرئيس الفرنسي الأولى)، في قضية إطلاق سراح الممرضات البلغاريات المتهمات بنقل فيروس الإيدز لـ438 طفلاً في مستشفى الأطفال في بنغازي، وانتهت بشكل مأسوي مع بداية الربيع العربي وإرسال ساركوزي قائد الأركان الفرنسية إلى طرابلس، طالباً من القذافي التنازل عن الحكم، لتصل إلى تحميل ساركوزي وسياسته المسؤولية الأولى عن اغتيال القذافي وعما آلت إليه الأوضاع في ليبيا.

إقرأ أيضاً