هنا القصة الثالثة

خالد منصور

مقالات الكاتب

من الكرة إلى المونديال: من رأس جندي روماني إلى أعناق لاعبي إيطاليا

تروي أسطورة إنكليزية أن أولى الركلات التي تلقّاها جسم كروي، أو شبه كروي، في فاتحة التطور البطيء والطويل للعبة كرة القدم وقعت قبل ميلاد المسيح بخمسين عاماً، عندما تبادل جنود على أراضي إنكلترا ركل رأس مفصول عن جسد جندي روماني احتفالاً بنصر نادر على جحافل قيصر المغيرة على أوروبا.

ربما تقلل هذه الأسطورة من بعض انزعاجنا من الخشونة الشديدة التي مارسها اللاعب سيرج راموس من فريق ريال مدريد على منافسه الليفربولي محمد صلاح الشهر الماضي. وهي الخشونة التي قد تسبب حرمان أشهر لاعب مصري وعالمي هذا الموسم من المشاركة في مباراة منتخبه الوطني في منتصف يونيو\ حزيران مع فريق أوروغواي في إطار مباريات كأس العالم التي تبدأ منتصف حزيران في روسيا. وتلك خسارة ليس بالهينة إذ إن منتخب أوروغواي هو على الأرجح أقوى منتخب في مجموعة مصر التي تضم أيضاً السعودية والدولة المضيفة، روسيا.

شاركت مصر في أول بطولة عالمية لها سنة 1920 وكانت المنتخب الوحيد من خارج أوروبا في منافسات كرة القدم في أولمبياد آنتويرب في بلجيكا وخسرت أمام إيطاليا بهدفين مقابل لا شيء لتخرج من الدور الأول. ولم تكن هناك فرق من أميركا الجنوبية وسط ستة عشر فريقاً مشاركاً. وحصلت بلجيكا على الميدالية الذهبية.

لم تلمع مصر في اولمبياد آنتويرب ولكنها صعدت إلى دور الثمانية في أولمبياد باريس في عام 1924 بعد أن فازت في الدور الأول ٣/صفر على المجر، ولكنها خرجت في دور الثمانية بعد أن غلبتها السويد بخمسة أهداف مقابل لا شيء. وفي هذا الاولمبياد ذاته، فاز منتخب أوروغواي، في أول مشاركة لفريق من أميركا اللاتينية في كرة القدم الأولمبية، بالمركز الأول والميدالية الذهبية بعد أن كسب سويسرا ٣/صفر. ويوضح إدواردو غاليانو، الكاتب والصحافي الشهير وأهم من كتب أدبياً عن كرة القدم في أوروغواي، أن يوغوسلافيا أرسلت عدداً من الجواسيس إلى تدريبات أوروغواي للتعرف إلى خططهم وتهيئة فريقها. ولكن فريق أوروغواي علم بوجود الجواسيس في الملعب فقدم عرضاً غاية في السوء وتعثر اللاعبون في الكرة وأفسدوا تمريراتهم، فكتب الجواسيس تقريرا سلبياً عن فريق ضعيف. ولكن في المباراة الحقيقة هزمت أوروغواي يوغوسلافيا بسبعة أهداف من دون مقابل، ثم تقدمت لتفوز بالمركز الأول بعد أن غلبت سويسرا ٣/صفر.

جاء مونديال إيطاليا في 1934 في زمن صعود الفاشية وقائدها الإيطالي بنيتو موسوليني الذي هدد المنتخب ومدربه بالقتل إن لم يفز بالكأس.

وتكرر فوز أوروغواي في أولمبياد  1928 بالميدالية الذهبية. ولذا كان من الطبيعي أن تقبل الدول طلب أوروغواي استضافة أول كأس عالم تنظمه الـ “فيفا” 1930 في عاصمتها مونتفيديو حيث تصادف التاريخ أيضاً مع الذكرى المئوية لتأسيس الدولة.

وكان السفر آنذاك صعباً والرحلات البحرية من أوروبا تستغرق أسابيع وبنفقات مالية عالية وبخاصة مع موجة الكساد الاقتصادي. وكان اللاعبون غير محترفين بل يعملون في شركات ومؤسسات، وبعضهم الآخر كانوا طلاباً يجب أن يحصلوا على موافقتها من أجل السفر أو تأجيل اختبارات مقررة. وأدى هذا إلى تخلف بعض الدول التي كانت قد وافقت على المشاركة. وهنا قررت أوروغواي تحمل تكاليف السفر والإقامة لكل الفرق ولكن بعض الأوروبيين جادلوا بأن الأندية احتجت على حرمانها من أفضل لاعبيها لأسابيع طويلة للمشاركة في دورة دولية غير معروفة. وتخلفت مصر بعد أن أكدت حضورها، إذ تعذر على مسؤوليها وفقاً للوثيانو بيرنيكي في كتابه “أغرب الحكايات في تاريخ المونديال”، إيجاد طرق سفر ملائمة للوصول في الموعد المناسب.

وبمشاركة 13 فريقاً، انعقد أول مونديال لكرة القدم وفازت به أوروغواي بسبب أداء فريقها القوي، على رغم طرد حارس المرمى البارع أندريس ماتسالي، قبل بداية المباريات، لأنه هرب في الليلة التي سبقت انطلاق البطولة من المعسكر من أجل موعد غرامي مع فتاة كان قد التقاها مصادفة عصر اليوم ذاته. حرس ماتسالي، المشهور بعلاقاته النسائية المتعددة ومهارته في الرقص، مرمى فريقيه في أولمبياد 1924 و1928، وكان بطل أميركا الجنوبية في سباق 400 متر حواجز، وهو لاعب ماهر في كرة السلة حقق مع فريقه بطولة الدوري.

كما لم يكن اللاعبون محترفين، كان الحكام أيضاً يشتغلون في وظائف كثيرة. فقد أدار البلجيكي جان لانجينوس أربع مباريات بما فيها المباراة النهائية، ولكنه كان في المونديال أيضاً بصفته الصحافية وكان يتجه بعد انتهاء كل مباراة إلى مكتب الهاتف لنقل تقريره عن المباراة إلى جريدة ألمانية كان يراسلها.

وبينما اتسمت حكايات مونديال أوروغواي بالطرافة، جاء مونديال إيطاليا في 1934 في زمن صعود الفاشية وقائدها الإيطالي بنيتو موسوليني الذي هدد المنتخب ومدربه بالقتل إن لم يفز بالكأس. وكانت الشبهات تحيط بصعود إيطاليا للمونديال بعدما انسحبت اليونان في ظروف غامضة حتى تبين بعد نشر وثائق رسمية عقب ستين عاماً، أن الاتحاد اليوناني لكرة القدم وكان فقيراً، قبل عرضاً إيطالياً بالحصول على مبنى من طبقتين في أثينا ليصير مقراً له مقابل إلغاء المباراة وبالتالي تأهل إيطاليا.

وانتهى الشوط الأول في المباراة النهائية بين إيطاليا وتشيكوسلوفاكيا بالتعادل السلبي. وذهب موسوليني إلى غرفة ملابس اللاعبين ووبخ المدافع لويس مونتي، لأنه يضرب منافسيه كثيراً، خصوصاً داخل منطقة الجزاء، ما قد يعرض الفريق الإيطالي لضربات جزاء. وكان مونتي أرجنتيني الأصل بل ولعب مع منتخب الأرجنتين حتى عام 1931، وبالتالي كان وجوده مع الفريق الإيطالي في حد ذاته مخالفاً لقواعد الفيفا آنذاك. وتوعد موسوليني اللاعب قائلاً إن الحكم “الطيب… يتعاون” لكن إذا تكررت الخشونة فقد ينال فريق إيطاليا ضربة جزاء.

كان موسوليني قد اجتمع بمدرب المنتخب فيتوريو بوتسو قبل بداية المونديال وقال له ببساطة: “ليكن الرب في عونك إذا انتهى الأمر بفشلك” ثم قال للفريق: “إما الفوز أو الصمت التام” ممرراً إصبعه على عنقه إشارة إلى الذبح.

وهكذا اكتملت دورة تاريخية امتدت ألفي عام بدأت أسطورياً بجنود إنجليز يركلون رأس جندي من جيش قيصر روما، وانتهت بدكتاتور إيطالي فاشي يتوعد لاعبيه في روما بقطع رؤوسهم إن لم يفوزوا بكأس العالم في دورته الثانية. ولحسن حظ الفريق الإيطالي فاز على تشيكوسلوفاكيا بهدفين مقابل هدف واحد، وفر من مصير جنود يوليوس قيصر.

إقرأ أيضاً