هنا القصة الثالثة

حازم الأمين

مقالات الكاتب

منتظر الزيدي وشبيهات له في البرلمان العراقي

من المفترض أن يكون منتظر الزيدي قد فاز بمقعدٍ في البرلمان العراقي الجديد. “الصحافي” الذي قذف الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش بحذائه، فصار نجماً و”بطلاً”. لكنه أيضاً “الصحافي” الذي نشرت زوجته السابقة الصحافية اللبنانية مريم ياغي صوراً لوجهها المدمى على صفحتها على “فيسبوك” وقالت إن الزيدي ضربها. والأخير تنضح صفحته على “فيسبوك” بعبارات ذم المرأة واحتقارها.
والحال أن في حدث الانتخابات في العراق ما يقول الكثير عن أحوال النساء في ذلك البلد. الانتخابات كانت حدثاً ذكورياً خشناً حصل فيه قدر كبير من الوقائع الكاشفة موقع المرأة في ذلك البلد. هذا على رغم أن قانون الانتخابات في العراق يعتبر من الأكثر تقدماً إذا ما قيس بقوانين الانتخابات في الدول العربية التي تجرى فيها انتخابات. فالقانون العراقي يفرض كوتا نسائية تبلغ 25 في المئة من عدد مقاعد مجلس النواب.

أ.ف.ب

أشرطة الفيديو التي تم تداولها لمرشحات وفيها مشاهد من حياتهن الخاصة، شكلت سهاماً قاتلة لكل راغبة في الترشح إلى الانتخابات. حصل ذلك على نحو سافر وكان أشبه بحرب على المرشحات. والوقائع كانت أثقل من ذلك، فالقانون الذي يحرض المرأة على الترشح ويفرض على اللوائح الانتخابية وجود مرشحات على قوائمها، لا يبدو منسجماً مع الشرط الاجتماعي المرافق للانتخابات. مشهد عابر لا علاقة للمرشحة به يمكن أن يشطب وجهها، من دون أن يعترض ترشحها وربما فوزها.

في البرلمان العراقي ممثلات لظلامة المرأة، وممثلون لظالميها.


إحدى المرشحات، وهي محجبة، علقت صورة لنفسها في إحدى مناطق الفرات الأوسط. وظهر شريط فيديو لشاب عراقي يتسلق الصورة ويُقبّلها. انتشر الشريط وعُرفت هوية الفاعل، ونجم عن ذلك إقدام عشيرة الشاب على زيارة عشيرة المرشحة وعرض مبلغ مئة مليون دينار عراقي كفدية واعتذارٍ عن فعلة ابنها، فما كان من عشيرة المرشحة إلا أن قبلت الاعتذار وأعفت زوارها من دفع الفدية. وانتشر شريط فيديو موازٍ تظهر فيه عشيرة الشاب معتذرة من عشيرة المرشحة، لكن الاعتذار حصل في غياب السيدة المرشحة، ذاك أن اللحظة والمناسبة لا تفترض وجود نساءٍ، حتى لو كن مرشحات ويطمحن إلى تمثيل مناطقهن و(عشائرهن) في البرلمان.قانون الانتخابات العراقي وضع النساء في مواجهة أوضاعهن على نحو متفاوت وغير متوقع. فهو دفع بالنساء إلى واجهة المشهد الانتخابي، إلا أن ذلك جعلهنّ عرضة لما لا تقبله البيئة الاجتماعية من احتمالات. فمنتظر الزيدي الذي تزدحم صفحته على “فيسبوك” بتعليقات أقل ما يقال عنها أنها تنطوي على ازدراء للمرأة وحطٍ من موقعها، من المفترض أن سيدة مرشحة اندرج اسمها فوق اسمه في اللائحة التي ترشح فيها. وصورة السيدة التي تم التعرض لها في الفرات الأوسط، ما كان بإمكان صاحبتها تجنب نشرها، وهي إذ التقطت صورة لنفسها، كان من الصعب عليها تفادي إضافة ما تفترضه الصورة في المرأة من حضور ومن بعض الماكياج، وهذا ما يستدرج تصرفاً من نوع ما أقدم عليه ذلك الشاب، وتالياً يستدرج عشيرة واعتذاراً وفدية، وهذه كلها مما لا يشبه الانتخابات، أو مما يُشعر المراقب أن الانتخاب، وفي الوقت الذي يتيح للمرأة ما لا يتيحه المجتمع، هو أيضاً مناسبة لاستيقاظ الذكورة بصفتها القوة الدافعة لشعور الجماعة بنفسها، وبهذا المعنى تعود المرأة إلى موقعٍ يرشحها لأن تكون المكان الضعيف الذي يمكن أن تُستهدف منه الجماعة. إنها احتمال “العار” الكامن بمجرد أنها امرأة.

فالقانون الذي يحرض المرأة على الترشح ويفرض على اللوائح الانتخابية وجود مرشحات على قوائمها، لا يبدو منسجماً مع الشرط الاجتماعي المرافق للانتخابات.

اليوم، في البرلمان العراقي ممثلات لظلامة المرأة، وممثلون لظالميها. وهؤلاء لا يتوزعون على كتل نيابية مختلفة، ففي الكتلة النيابية الواحدة سيكون منتظر الزيدي إلى جانب سيدات ممن قال عنهن زميلهن في التكتل في أحد تغريداته: “المرأة الغبية إذا قرأت عن الحرية خلعت ثيابها. والمرأة الحمقاء إذا قرأت عن الحرية خربت بيتها”.
أما المأساة الأكبر فتتمثل بوجد ممثلات لظلامة المرأة هن في الوقت ذاته ممثلات لظالميها، وما أكثر هؤلاء في البرلمان العراقي، ذاك أن الأحزاب الدينية أُلزمت بترشيح سيدات، وهذه الأحزاب تتصدر البرلمان، وهي أجادت على العراقيات بعشراتٍ من شبيهات منتظر الزيدي لجهة موقفه من المرأة وتصوره لموقعها.

إقرأ أيضاً