هنا القصة الثالثة

عمّار كريم

مقالات الكاتب

ملصقات في بغداد تعيد تذكير المدينة بحقوق مثليّيها المهدورة

يطفو الجدل حول المثلية إلى السطح في العراق بين فترة وأخرى، ومناسبة عودة النقاش، نشر ملصقات مصورة في أماكن يفترض أنها في أطراف العاصمة بغداد، تدعو إلى حماية حقوق هذه الفئة من الناس. نشر الملصقات الذي يتكرر منذ عامين في شهر رمضان، وما تضمنته من دعوات وشعارات هذا العام، أثارا جدلاً واسعاً في مواقع التواصل، وانقسم المعلقون بين التعبير عن السخط من تلك الخطوة، ومطالبة الحكومة بإنزال أقصى العقوبات بحق المروجين لهذه الظاهرة، وبين دعوات إلى احترام مساحة المثليين الشخصية و”مساعدتهم على تجاوز ما يعيشونه”، بناءً على اعتقاد سائد يرى أن المثلية نابعة من نواقص واضطرابات وليس خياراً شخصياً، فيما اقترح، آخرون التجنيد الإجباري كحل للشباب العاطلين المعرضين لـ “الدخول في هذا العالم”.

نشر الملصقات تزامن مع فترة هدوء يعيشها المثليون بعد جدل صاخب أعقب حادثة اغتيال الفنان العراقي الشاب كرار نوشي، في العاصمة العراقية بغداد قبل نحو عام من الآن، بعد يومين من اختطافه من قبل مجهولين، وقيل إن ما حصل، كان بسبب مظهره أو الشكّ في أنه مثلي.

والمثليون في العراق استهدفوا بعمليات قتل بطريقة مبرمجة شاركت فيها مجموعات مسلحة منظمة بحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان، من بينها “هيومن رايتس ووتش”، التي قدرت عدد المثليين الذين قتلوا في العراق بالمئات منذ عام 2004، وهو العام الذي شهد ولادة الجيوش الدينية والطائفية الصغيرة تحت ذريعة مقاومة الاحتلال الأميركي أو الدفاع عن الطوائف.

الحملة على المثليين كانت تقع تحت طائلة “جرائم الشرف” حيث تعاقِب عائلة أو عشيرة أحدَ أفرادها لتفادي ما تصفه بـ”الذل” في محيطها الاجتماعي الخاضع للأعراف العشائرية والمؤثرات الدينية. وتزامنت الحملة مع نشر ملصقات انتشرت على الجدران في بعض الأحياء الشعبية والمكتظة الخاضعة لحكم المجموعات المسلحة الدينية، وفي مقدمها مدينة الصدر التي تعد معقلاً للتيار الصدري تدعو إلى “الاحتراس من المثليين”، تعلن أسماء في قوائم لهدر دمهم، إلى أن أفتى السيد مقتدى الصدر في  آب/اغسطس 2016 بـضرورة “الكف عن الاعتداء على المثليين، والاكتفاء بمقاطعتهم”. لاقت الفتوى إشادة دولية أعقبها التعبير عن الأمل بأن تغير الفتوى سلوك الجماعات الدينية تجاه المثليين، وأن تدفع الحكومة إلى محاسبة مرتكبي الجرائم ضد هذه الفئة من الناس.

والمثليون في العراق استهدفوا بعمليات قتل بطريقة مبرمجة شاركت فيها مجموعات مسلحة منظمة بحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان، من بينها “هيومن رايتس ووتش”، التي قدرت عدد المثليين الذين قتلوا في العراق بالمئات منذ عام 2004، وهو العام الذي شهد ولادة الجيوش الدينية والطائفية الصغيرة تحت ذريعة مقاومة الاحتلال الأميركي أو الدفاع عن الطوائف.

العنف ضد المثليين في العراق، ثم إطلاق دعوات إلى “الرأفة” بهم، جزء من مسار عنيف متقلب في التعامل مع هذه الشريحة. ففي بداية حقبة حكم صدام وعلى رغم ما شهدته من عنف دموي مارسه صدام ضد خصومه السياسيين، لكنّ قضية المثليين لم تكن جزءاً من هموم النظام الأمنية، إلا أن سلوك النظام تغير تجاههم في فترة التسعينات وبعد تبني صدام “الحملة الإيمانية” أطلق العنان لمستهدفي تلك الفئات من  بخاصة في العاصمة بغداد.

وبعد سيطرة الأحزاب الدينية على مقاليد الحكم في العراق عام 2003، تحول العراق إلى ما أطلق عليه “البلد الأخطر على المثليين في الشرق الأوسط”، نظراً إلى عمليات القتل التي تعرضوا لها، إضافةً إلى التعذيب والتمثيل بجثث مشتبه بأنهم مثليين وإلقائها أمام مستوعبات القمامة وكتابة عبارات نابية عليها، وثقت بعضها تقارير “هيومن رايتس ووتش”.

وعلى رغم استنكار المسؤولين الرسميين تلك العمليات، إلا أن اتهامات طاولتهم بالوقوف مكتوفي الأيدي حيال حملة التنكيل وعدم تقديمهم أحداً إلى المحاكمة على خلفية تلك الاعتداءات، ما دفع كثراً من المثليين إلى ترك البلاد والفرار إلى الخارج، خوفاً من تعريض حياتهم وحياة عائلاتهم للخطر. ونشرت في حزيران/يونيو العام الماضي فتاة كردية من أصول إيرانية تدعى شيرين قريشي (26 سنة)، على “يوتيوب” شريطاً كشفت فيه عن أنها “مثلية الجنس”، من دون أن تخفي وجهها وأكدت أن “مثليي الجنس في كردستان العراق ليسوا قليلين، ولكنهم يعيشون تحت غطاء من الخوف والخجل”.

تقارير لصحف بريطانية بينها “الأوبزرفر”، قدرت عدد قتلى المثليين من عام 2003 إلى عام 2009 بنحو 700 شخص، نقلاً عن مصادر محلية غير رسمية، بينما تمتنع الحكومة عن نفي تلك الأرقام أو إثباتها، وتباهت دوريات للشرطة في النجف خلال الأعوام السابقة باعتقال شباب بتهمة المثلية، والتقط عناصرها صوراً لعملية الاعتقال بكاميرا خليوي، انتشرت بشكل واسع في فضاء العالم الافتراضي.

وانضمت الأكاديمية العراقية في بحوثها إلى الرأي القائل إن المثلية خروج عن طبيعة البشر، بدلاً من البحث في أسباب أكثر عمقاً وإنصافاً..

بالمجمل، فإن الحديث عن المثليين في العراق يعد من المحرمات ويرفض البعض إطلاق تسمية “مثليين” على هؤلاء الأشخاص، لكي لا تكون ذريعة للاعتراف بوجودهم ووجود حقوق لهم، وظهر هذا جلياً أيضاً في التعليقات على صور الملصقات التي انتشرت قبل أيام.

إقرأ أيضاً