fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عابدين

مقالات الكاتب

ملامح التغيير في نظام السيسي:المزيد من السيطرة

استهل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ولايته الثانية بتغييرات واسعة في أركان نظامه شملت الحكومة والجيش والمخابرات ومؤسسة الرئاسة، والتي كانت لكل منها دلالته على أولويات الرئيس خلال الفترة الرئاسية الثانية له..

حكومة الإنشاءات

شهدت حكومة السيسي الجديدة تغييراً كبيراً في الوزراء، كان على رأسهم رئيس الوزراء شريف إسماعيل الذي كان متوقعاً خروجه لظروف مرضه، إلا أن اختيار وزير الإسكان مصطفى مدبولي بديلاً كانت له دلالته، فالسيسي منذ اعتلائه كرسي الرئاسة وهو يولي المشاريع الإنشائية اهتماماً كبيراً، بداية من تفريعة قناة السويس الثانية ومشاريع الشقق السكنية، وصولاً إلى العاصمة الإدارية الجديدة، والتي شهدت مشاركة كبيرة وواسعة من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وهو ما تم التعليق عليه في استجواب داخل الكونغرس حول الدعم المقدم لمصر “بأنها الطريقة الأمثل للجيش للحصول على الأموال.”

مدبولي، الذي احتفظ أيضاً بمنصبه وزيراً للإسكان، على رغم فشله في إنجاز مشروع إسكان الطبقة المتوسطة، والذي كان قد وعد به منتصف عام 2014 بتسليم 150 ألف وحدة خلال عام ونصف العام، على أربع مراحل ولم تنتهِ المرحلة الأولى حتى الآن، كانت جهوده في إنجاز العاصمة الإدارية الجديدة التي يوليها السيسي جُلّ اهتمامه، وتوسيع نطاق مشاركة القوات المسلحة في تلك المشاريع كان أكبر مؤهلاته للحصول على منصب رئيس الوزراء.

القطاع الأمني والمخابرات… لا لمراكز القوى

أما أبرز التغيرات التي شهدها النظام فكان منصب وزير الدفاع، والذي كان قد تولاه الفريق أول صدقي صبحي منذ اعتلاء السيسي منصب الرئاسة والذي كان يوصف بالشريك، نظراً إلى ارتباطه بالسيسي منذ الإطاحة بالمشير طنطاوي، ثم عزل محمد مرسي من مقعد الرئاسة، إلا أن عملية الإطاحة بصبحي تحتاج إلى نظرة أقدم وأعمق لفهم ملابساتها.

يأتي خروج صبحي من المشهد بعد عدد من المشاهد داخل نظام السيسي، فقد كان واضحاً سطوع نجم الفريق محمود حجازي رئيس الأركان الأسبق، داخل الجيش وتزايد نفوذه كونه صهر السيسي، وتوليه ملفات مهمة وحساسة كثيرة، مثل الملف الليبي وملف التسليح، ما كان يُغضب القوى داخل المؤسسة العسكرية وعلى رأسهم صدقي صبحي الذي رأى أن تزايد ذلك النفوذ يأتي على حسابه كونه وزير الدفاع، وهو ما بدا واضحاً وقتها بغيابه –أي صدقي– عن كثير من المناسبات والزيارات الميدانية داخل الجيش التي أجراها السيسي. وعقب عودة حجازي من الولايات المتحدة بعد مشاركته في اجتماع رؤساء أركان الدول المشاركة في الحرب على الإرهاب، تفاجأ الجميع بقرار السيسي بعزله وتولية صديقه المقرب محمد فريد حجازي، وهو الأمر الذي استقبلته المؤسسة بارتياح شديد لخوفها من سيطرة السيسي عليها عبر صهره.

وفي أول تشكيل وزاري في الفترة الرئاسية الثانية تخلص السيسي من صدقي صبحي صاحب النفوذ الأكبر داخل المؤسسة. وعلى رغم أن الدستور في مادته رقم 234 يفرض على رئيس الجمهورية أخذ موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبيل تعيين وزير الدفاع، والذي رآه البعض تحصيناً لصدقي صبحي، إلا أن عدم إعلان تلك الموافقة وعدم الاعتراض على قرار التعيين بدا واضحاً أن خروج صدقي كان مقابلاً لخروج حجازي.

وعبرت التعيينات البديلة عن تفضيلات السيسي الشخصية، فرئيس الأركان الجديد هو أحد أشد المقربين منه، وكان قد عينه إبان توليه منصب وزير الدفاع؛ أميناً عاماً لوزارة الدفاع وأميناً لسر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كما أنه أحد زملائه في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى إدارة شؤون البلاد عقب خلع حسني مبارك، وكذلك وزير الدفاع الجديد محمد زكي، والذي تُشير مواقفه السابقة إلى السمات التي يرغب فيها السيسي في الشخص الذي يتولى هذا المنصب الحساس، فزكي، الذي شغل منصب قائد لسلاح المظلات، لا يُنسى دور قواته في فض اعتصام مجلس الوزراء أثناء حكم المجلس العسكري، الذي راح ضحيته مئات القتلى والمصابين، وكذلك طموحه الشخصي الذي بدا واضحاً في ما نُشر أخيراً عن محادثته مع الرئيس المعزول محمد مرسي، إذ كان يتولى منصب قائد الحرس الجمهوري وقتها. وعندما سأله مرسي عن الجهة التي سينحاز إليها إذا تطورت الأحداث، رد زكي “يا سيادة الرئيس أنا مليش في السياسية… عينّي محافظ أو رئيس شركة وخليني اختم حياتي بعيداً من المشكلات.”

 

المخابرات العامة… الرجل الأقرب على رأس الجهاز الخطر

وبعد قرابة 6 أشهر من تكليف اللواء عباس كامل تسيير شؤون جهاز المخابرات العامة، شهدت بداية الفترة الرئاسية للسيسي تعيين كامل رئيساً للجهاز بشكل رسمي، خلفاً للواء خالد فوزي الذي أثار خبر إقالته الكثير من الجدل والتكهنات.

قبل الإطاحة بحسني مبارك، كان جهاز المخابرات العامة أقوى الأجهزة السيادية المصرية نظراً إلى قرب رئيسه الراحل عمر سليمان من المخلوع، إذ كان يتولى مسؤولية ملفات داخلية وخارجية كثيرة، وهو ما كان يُثير خلافاً محتدماً مع جهاز المخابرات الحربية، بخاصة في ما يتعلق بسيناء والشأن الفلسطيني، وبعد الإطاحة بمبارك تنامى نفوذ جهاز المخابرات الحربية على حساب العامة، حتى وصل ذروته عقب الإطاحة بمحمد مرسي في 2013 لتبدأ مرحلة تصفية قيادات وكوادر الجهاز، بقرارات إقالة وتقاعد ونقل وظائف مدنية بدأت بقرار من عدلي منصور، الرئيس الموقت، بإحالة 10 من وكلاء الجهاز للتقاعد، وتواصلت عبر 7 قرارات للسيسي طاولت عشرات قيادات الجهاز لتصفية الولاءات القديمة أو أصحاب العلاقات بمراكز القوى في الداخل والخارج.

وعلى رغم التكهنات الكثيرة حول سبب إقالة خالد فوزي، الذي شهدت رئاسته الجهاز عمليات تصفية القيادات والكوادر، إلا أن هناك معلومات شبه مؤكدة تتردد داخل أروقة النظام حول السبب الحقيقي في إقالته، إذ تقول مصادر داخل الجهاز إن الشكوك حول خالد فوزي قد بدأت بمساهمته في تعطيل التعديل الدستوري الذي أراد السيسي تمريره في الفترة الأولى لمد فترات حكمه لأجل غير مسمى، وذلك بعد تقارير رفعها فوزي للسيسي تُشير إلى خطورة ذلك داخلياً وخارجياً. وتُضيف المصادر أن محمود، نجل السيسي والرجل القوي داخل الجهاز، قد عمل من بعدها على مراقبة فوزي وتتبع خطواته بمساعدة جهاز الأمن الوطني الذي اكتشف في النهاية طموح فوزي تولي رئاسة الجمهورية عبر خطة عَمِل عليها، كان من ملامحها خلق نفوذ قوي لنفسه داخل الجهاز، وتدريب شباب وإلحاقهم بوزارات وأجهزة الدولة لمساعدته على تنفيذ خطته، وهو ما جعل السيسي يدفع بأقرب رجاله –عباس كامل– إلى قيادة الجهاز للسيطرة على مراكز النفوذ داخل الجهاز، من المشكوك في تعارض وجهة نظر أعضائه أو آرائهم مع السيسي ونظامه، وذلك بمساعدة ابنه محمود الذي أصبح الرجل الثاني في الجهاز وكذلك تم تعيين ابنه الأصغر حسن لإدارة الاتصال في الجهاز.

وبعد انتقال كامل إلى جهاز المخابرات العامة لأداء مهمته الحساسة في السيطرة على الجهاز الخطير، تم اختيار اللواء محسن عبد النبي مديراً لمكتب رئيس الجمهورية، ويُوضح هذا الاختيار– إلى جانب شواهد أخرى كثيرة- مدى أهمية الإعلام في رؤية السيسي للسيطرة على الحكم، فاللواء عبد النبي كان تم تعيينه في يناير/ كانون الثاني 2012، نائباً لمدير إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، ثم مديراً لها في كانون الثاني 2014، وهو الجهاز الذي كان مسؤولاً ومشرفاً على الترويج والدعاية للسيسي كرئيس للجمهورية، عقب الإطاحة بمرسي، ثم كانت خطة السيطرة على وسائل الإعلام التي نفذتها الأجهزة الأخرى.

إقرأ أيضاً