fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

ملاحظات سريعة حول اللجوء السوريّ إلى لبنان

النقاش السياسيّ، وغالباً الطائفيّ وأحياناً الغرائزيّ، لمشكلة اللجوء السوريّ إلى لبنان يتجاهل مسألة تكاد تكون بديهيّة، لا تستطيع المواقف والقرارات أن تحدّ منها أو تؤثّر كثيراً فيها. لقد انفجر اللجوء بفعل عنف غير اعتياديّ أطلقه النظام السوريّ ضدّ الأكثريّة الكبرى من الشعب السوريّ. ومن الطبيعيّ، والحال هذه، أن يهرب المهدَّدون بالموت، إلى أقرب مكان جغرافيّ يمكن الهروب إليه. المكان هذا هو بالتعريف حدود سوريّا، أي لبنان والأردن وتركيّا والعراق.

لقد احترق البيت بجارك ففرّ هو وعائلته إلى بيتك. هذا ما لا مهرب منه في أيّ مكان من العالم.

عملاً بذلك، وكما كتبت الباحثة اللبنانيّة الشابّة ديمة كريّم، لم تكن نسبة الاستضافة اللبنانيّة أعلى من النسبة المعهودة في ظروف مشابهة: فـ “في الواقع، تتوالى أزمات اللجوء في ما يسمّى “دول الجنوب”، وتتكاثر، وتتفاقم، بحيث وصلت أعداد اللاجئين إلى ٢٢٫٥ مليون لاجئ في ٢٠١٧. وبطبيعة الحال، دفعت الدول المجاورة الثمن الأكبر لأزمات اللجوء التي ولّدتها الحرب السورية وتفاقم أزمة أفغانستان وجنوب السودان. فقد نزح أكثر من 3.5 مليون لاجئ أفغاني إلى باكستان المجاورة منذ ١٩٩٠، وأكثر من ٣ ملايين لاجئ أفغاني إلى إيران في الجوار الآخر. ونزح إثر الإبادة الجماعية في رواندا في ١٩٩٤، أكثر من 1.4 مليون رواندي إلى الكونغو. أما في حرب الخليج عام ١٩٩١، فنزح أكثر من مليون عراقي إلى إيران المجاورة. وفي الأزمة الأخيرة في جنوب السودان، نزح مليون لاجئ إلى أوغندا في 2016-2017. فكما يبدو، تستضيف الدول المجاورة، التي هي بطبيعة الحال نامية، أكثر من ٨٥ في المئة من اللاجئين في العالم، فيما نزح ١١ في المئة فقط من لاجئي العالم إلى دول العالم الأول أو دول غير مجاورة”.

مع هذا، فالمشكلة في لبنان هي في مكان آخر يحاول أن يُخفيه أولئك الذين يؤكّدون على “القنبلة العدديّة” وشدّة التحمّل أو كرم الضيافة: إنّها الطائفيّة وهشاشة التركيبة اللبنانيّة. فوفقاً لهذا الاعتبار يتحوّل اللاجئون إلى عدد ضخم يضاف إلى حجم الطائفة السنيّة بما يثير مخاوف المسيحيّين والشيعة والدروز. وهذا، ومن دون التقليل من أهميّة حساسيّاته اللبنانيّة، إنّما يتّصل بمشكلة الاجتماع في المشرق العربيّ، وبالتالي بتراكم العجز عن تطوير ولاءات وطنيّة. ولئن بدا هذا العامل فعّالاً بالمطلق، فإنّه في زمن انفجار الهويّات أكثر فعاليّة من أيّ وقت سابق.

هناك عنصران يصعب تغييبهما عن خلفيّة تفكيرنا بالمسألة، وهما عنصران لبنانيّان حصراً، أي أنّهما لا ينطبقان على حالات اللجوء الكلاسيكيّة، أو ما نشهده حاليّاً مع سوريّي الأردن أو تركيّا: أوّلهما، وهو أخلاقيّ إلى حدّ بعيد، أنّ طرفاً لبنانيّاً ممثّلاً في الحكومة والبرلمان، هو حزب الله، ساهم بنشاط في إيصال الأحوال في سوريّة، بما فيها التهجير، إلى ما وصلت إليه راهناً. والثاني، أنّ الهجرة تشكّل في الوعي الجمعيّ اللبنانيّ جزءاً من السرديّة التي تحظى بالاتّفاق عليها إلى هذا الحدّ أو ذاك. ولا بأس بالتذكير بأنّ لبنانيّي الهجرات الأولى من جبل لبنان كانوا أقرب إلى لاجئين من الحرب العالميّة الأولى والتجنيد العثمانيّ والمجاعة. وهم، في البلدان التي نزحوا إليها، إنّما عانوا صنوفاً من الاضطهاد تشبه ما يعانيه الكثيرون من اللاجئين السوريّين في لبنان اليوم.

ذلك الواقع يستدعي من اللاجئين السوريّين انتباهاً أكبر إلى الخصوصيّات اللبنانيّة ومراعاتها، من دون الوقوع في خرافة تحميل السوريّين مسؤوليّة الأزمات الناجمة عن التركيبة الطائفيّة اللبنانيّة نفسها والملازمة لها. وقد يكون مفيداً، في هذه الحدود، أن يهتمّ السوريّون أكثر بمخاطبة الرأي العامّ اللبنانيّ وعرض شروط حياتهم البائسة ونقل معاناتهم إليه.

فما بين “لا مشكلة إلاّ عند العنصريّين اللبنانيّين” وتضخيم المشكلة وتحويلها إلى فزّاعة شعبويّة لاستنهاض العصبيّات الطائفيّة، يمكن إيراد بعض الحقائق والتدقيق في بعضها الآخر، ممّا يجب أن يقبع في خلفيّة كلّ تناول للمسألة هذه.

صحيح أنّ وظيفة الدولة، أيّة دولة، تأمين العمالة لمواطنيها، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ معظم السوريّين الذين “ينافسون” اللبنانيّين في مجالات الزراعة والبناء والخدمات كانوا يعملون هنا في لبنان قبل انفجار موجة النزوح.

في المقابل، فوجود السوريّين في لبنان هو سبب لتدفّق أموال على البلد قد لا تكون كافية، إلاّ أنّ الفساد اللبنانيّ هو الذي يزيد في خفضها وتقليلها. أهمّ من هذا أنّه إذا صحّ، لا سيّما مع زيارة المستشارة الألمانيّة أنغيلا ميركل الأخيرة إلى بيروت، أنّ الأوروبيّين ينوون الاستثمار الكثيف في اقتصاد لبنان، وخصوصاً في بنيته التحتيّة، للحؤول دون تدفّق هجرة سوريّة جديدة منه إلى أوروبا، فالصحيح أيضاً أنّ العمالة السوريّة هي التي تقدّم اليد المطلوبة لأداء مهمّة ضخمة كهذه.

المسألة الأخرى، أنّه بات من المسلّم به أنّ الحرص على عدم انتقال السوريّين إلى أوروبا هو أبرز أسباب الحرص الغربيّ على استقرار لبنان وعدم انفجار حرب أهليّة جديدة فيه. وهذا يجيز القول إنّ الوجود السوريّ بات يرتبط بالسلام اللبنانيّ، وهو أصلاً هشّ كما نعلم، كما بالازدهار الاقتصاديّ المحتمل.

وفي مجال منع الحرب الأهليّة لا بأس بالتذكير بأنّ السوريّين، على عكس ما كانته أحوال الفلسطينيّين في لبنان ابتداء بأواخر الستينات، ليسوا مسلّحين ولا منضوين في فصائل مسلّحة.

فوق هذا، هناك عنصران يصعب تغييبهما عن خلفيّة تفكيرنا بالمسألة، وهما عنصران لبنانيّان حصراً، أي أنّهما لا ينطبقان على حالات اللجوء الكلاسيكيّة، أو ما نشهده حاليّاً مع سوريّي الأردن أو تركيّا: أوّلهما، وهو أخلاقيّ إلى حدّ بعيد، أنّ طرفاً لبنانيّاً ممثّلاً في الحكومة والبرلمان، هو حزب الله، ساهم بنشاط في إيصال الأحوال في سوريّة، بما فيها التهجير، إلى ما وصلت إليه راهناً. والثاني، أنّ الهجرة تشكّل في الوعي الجمعيّ اللبنانيّ جزءاً من السرديّة التي تحظى بالاتّفاق عليها إلى هذا الحدّ أو ذاك. ولا بأس بالتذكير بأنّ لبنانيّي الهجرات الأولى من جبل لبنان كانوا أقرب إلى لاجئين من الحرب العالميّة الأولى والتجنيد العثمانيّ والمجاعة. وهم، في البلدان التي نزحوا إليها، إنّما عانوا صنوفاً من الاضطهاد تشبه ما يعانيه الكثيرون من اللاجئين السوريّين في لبنان اليوم.

أمّا الدعوات الأشدّ إلحاحاً إلى إخراج السوريّين كيفما اتّفق من لبنان لأنّهم “باتوا آمنين في سوريّا”، فتثير خليطاً من الشعور بالتراجيديا الممزوجة بالكوميديا فيما نحن نتابع الحرب الضروس الناشبة في درعا، وعلى الأرجح غداً في إدلب، وحين نعرف القليل عن الطبيعة الانتقاميّة لنظام الأسد، خصوصاً بعد ثورة كادت تطيحه لولا الدعم الخارجيّ.

إقرأ أيضاً