fbpx

هنا القصة الثالثة

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

مقالات الكاتب

مقاتلون من درعا: الباصات الخضر ستقلّنا نحو المجهول

“لم يكن ما نعيشه الآن سيخطر على بالنا حتى في أسوأ الكوابيس، أن يتم إمهالك بضع ساعات لتقرر مصيرك ومصير عائلتك ومستقبلك ومنزلك وأرضك، بين البقاء هنا تحت رحمة الخوف الدائم، أو المغادرة إلى المجهول من دون رجعة”، بهذه العبارات تحدث شادي المسالمة، أحد مقاتلي فصائل المعارضة في مدينة درعا، إلى موقع “درج”، بعد التوصل إلى اتفاق بين الفصائل والجانب الروسي، لتهجير من يرفض التسوية مع قوات النظام إلى مناطق سيطرة ما تبقى من المعارضة في شمال سوريا.

ثلاثة أسابيع من المعارك العنيفة بين الجانبين، انتهت باستسلام فصائل المعارضة والرضوخ للشروط الروسية المحددة بخياري التهجير إلى الشمال السوري، أو إجراء ما يسميها النظام إعلامياً  “المصالحة الوطنية”. وبين هذا وذاك، يعيش أهالي درعا حالياً في حيرة من أمرهم، فالحافلات التي ستقل من اختار التهجير إلى الشمال السوري وصلت بالفعل، في رحلة يعي كثيرون منهم أنها باتجاه واحد لا عودة منه. يضيف شادي المسالمة: “كان من المستحيل أن أتخذ هذا القرار وحدي، فهو يغير مصير عائلة بأكملها، لذلك جلست وعائلتي واخترنا أن نذهب إلى محافظة إدلب، فلا ضمان في المستقبل بألا يقوم النظام بالانتقام من المقاتلين وعوائلهم بالاعتقال أو الإعدام الميداني”. هذه الضمانات التي طالب بها شادي، هي ذاتها التي طالبت بها فصائل المعارضة خلال جولات المفاوضات مع الجانب الروسي، وكانت أبرز نقاط الخلاف الرئيسية، إلا أن دعواتها إلى إدراج الأمم المتحدة ودول عدة كضامن للاتفاق فشلت، في ظل إصرار روسيا على أن تكون الضامن الوحيد، الضمان الذي اعتبره شادي المسالمة “حبراً على ورق، الطائرات الروسية هي من قصفتنا والسلاح الروسي هو ما قتلنا، هذا الطرف شريك في المعركة وليس طرفاً ضامناً أبداً”.

اقرأ أيضاً: لبنان بديلاً من الأردن في تهريب الإلكترونيات إلى درعا

أنباء المهجرين الآتية من الشمال السوري هي الأخرى تثير القلق لدى أهالي الجنوب، فالأوضاع الإنسانية في محافظة إدلب أو ضمن مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التي تخضع للنفوذ التركي، لا تبشر بخير، فمعاناة النازحين مستمرة في المخيمات وإيجارات المنازل مرتفعة للغاية، هذه الأنباء دفعت أبو محمد الصبيحي، إلى خيار البقاء في بلدته المزيريب، ورفض خيار التهجير. ويوضح في حديث مع “درج” أن البقاء في منطقته تحت حكم النظام هو “أهون الشرين، فالمعارك آتية إلى إدلب وسنجد أنفسنا هناك في تهجير جديد، وإن كنت سأموت فمن الأفضل أن أموت في منزلي على أن أعيش القهر والذل وأموت في خيمة على أرض ليست أرضي”. ولم يخفِ أبو محمد قلقه من المستقبل الغامض الذي ينتظر البلدات مع تقدم قوات النظام إليها، لكنه يعول على موقف إقليمي يضغط على النظام والجانب الروسي لتجنيب المنطقة التصعيد مرة أخرى، موضحاً: “سمعنا كثيراً أن الأردن لا يريد تهجير الجنوب لمنع تمدد الميليشيات الموالية للنظام وإحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة، ولذلك نريد من الأردن والدول الحريصة على الجنوب الضغط على روسيا لترسيخ الاستقرار في المنطقة”.

أمام خياري التهجير أو البقاء، هناك من حسم قراره فعلاً وينتظر بفارغ الصبر أن تُرفع السواتر عن محيط البلدات التي هجرّت قوات النظام أهلها منها قبل سنوات، ليعود إليها مجدداً، بعد وعود روسية قُدمت للفصائل بالسماح لأهالي جميع البلدات بالعودة إلى منازلهم.

 

إياد البديوي، من أهالي بلدة خربة غزالة، تحدث عن حال ترقب كبيرة يعيشها أهالي البلدة المُبعدين من بلدتهم قسراً منذ أكثر من خمس سنوات، ويضيف: “أهالي خربة غزالة عاشوا مرارة التهجير وخبروا إحساس أن تكون بعيداً من بلدتك ومنزلك ولا تستطيع الوصول إليهما، لذلك أنا متأكد أنه لا يوجد أحد بينهم يريد تكرار التجربة بالتهجير مجدداً نحو الشمال السوري”. ويقلل إياد البديوي من المخاطر التي تعترض من اختار البقاء ومواجهة حكم النظام السوري مجدداً، موضحاً: “قد يبدو الكلام غير منطقي، لكن فعلاً أنا مستعد لأدفع حياتي ثمناً للعودة والحياة في منزلي في خربة غزالة ليوم واحد، التهجير القسري والحرمان من أرضك ومنزلك هو قهر لن يدركه إلا من عاشه واقعاً”، ومن المتوقع بحسب ما أبلغ وفد الفصائل، أن يُسمح بعودة أهالي خربة غزالة إلى بلدتهم خلال الأسبوع المقبل، في الوقت الذي بدأ أهالي البلدات التي سيطرت قوات النظام عليها خلال الأسابيع الماضية، العودة فعلاً.

ميدانياً، وصل قطار حافلات النظام الخضراء إلى محافظة درعا، فبعد سلسلة من عمليات التهجير القسري في دمشق وريفها وحلب وحمص، كان البعض يظن أن الجنوب هو الاستثناء، فلا حصار هناك، والفصائل متشددة، والدول الراعية لن تسمح بانهيار المنطقة،والتصريحات الأردنية والأميركية وكذلك الاسرائيلية المعارضة لأي تمدد لإيران وميليشياتها باتجاه الجنوب السوري، كانت تبعث برسائل الاطمئنان لأهالي محافظة درعا، لكن تبخر كل شيء في أسابيع قليلة. أغلق الأردن حدوده، والتزمت إسرائيل الصمت، ورفعت أميركا يدها عن المنطقة لمصلحة روسيا، ليواجه الأهالي ومن تبقى من فصائل المعارضة حمم الطائرات الروسية وجهاً لوجه، ويُفتح الباب مجدداً على اتفاق مماثل لكل المناطق التي دخلتها هذه الحافلات: التهجير نحو مصير  مجهول في الشمال، أو البقاء في المجهول نفسه في الجنوب.

اقرأ أيضاً: “المصالحات” ساحة جديدة للحرب بين النظام والمعارضة في درعا

إقرأ أيضاً