fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد منصور - حقوقي وكاتب مصري

خالد منصور - حقوقي وكاتب مصري

مقالات الكاتب

معركة أخيرة من قلب حجر أسود صُنع في الشام!

تمكن القصف العنيف من جانب القوات السورية، وربما حلفائها، في حي الحجر الأسود، جنوب دمشق العاصمة، من التخلص من آخر جيوب “داعش”، بل والمعارضة الإسلاموية المسلحة كلها تقريباً في الحزام المحيط بعاصمة بشار الأسد. تراجع وجود تنظيم “داعش” في هذا الحي ومخيم اليرموك الفلسطيني المجاور منذ خروج مسلحي جماعات جهادية مسلحة أخرى من الغوطة شرق دمشق في شهر أبريل/ نيسان. اقتربت نهاية فصل من العنف العار من أي قواعد للقتال، قانونية أو أخلاقية، وضعية أو دينية، يمكنها أن تجنب المدنيين أو الأطفال أو غير المشاركين عموماً الثمن الباهظ الذي يدفعه معظمهم، ثمن قد يكون حياتهم. تواترت تقارير أن مسلحي داعش، أقسى وأعنف وأغرب تنظيم إسلامي مسلح، تفاوضوا مع ممثلين للنظام الأسدي من أجل خروج آمن، نحو الشمال ربما، مثلما فعل مسلحو جيش الإسلام وفيلق الرحمن وغيرهم من جهاديي الغوطة واتجهوا نحو المنطقة المختارة لتجميع الجهاديين في إدلب شمال غربي البلاد.

اعتاد حي الحجر الأسود منذ عقود استقبال العمالة الفقيرة غير المنتظمة والنازحين إلى المدن بسرعة وأعداد متزايدة من مناطق سوريا المضروبة بسياسات اقتصادية فاشلة تحولت من اشتراكية مدعاة في الستينات إلى انفتاح اجباري ثم إلى شبه افلاس في نهاية الثمانينات، أنقذ دمشق منه غزو العراق للكويت وانضمام سوريا إلى المعسكر الأميركي في إعادة صدام حسين وجيشه للعراق. وبعدها تحول النظام إلى لصوصية صريحة وبخاصة في العقدين الأخيرين وبات وجود عمالة زائدة وبشر فائضين عن الحاجة في أحزمة فقر حول العاصمة أمراً طبيعياً– وربما لا يمكن الفكاك منه مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.

ويبعد الحجر الأسود، أكثر الأحياء الفقيرة التي تحزم العاصمة السورية اكتظاظاً بالسكان، نحو سبعة كيلومترات عن مركز دمشق ومعظم المقيمين فيه من الفقراء والعمالة غير المنتظمة أو الدنيا من النازحين من المحافظات السورية، وتدريجياً انضم إليهم صغار موظفي أجهزة الدولة وطبقات دنيا من حيث الدخل، وشباب في بداية حياتهم المهنية. مهاجرون ومُهجرون وباحثون عن مأوى رخيص تداخلوا في الحي الذي يُقدر عدد قاطنيه بحوالى 60 ألف نسمة وصل معظمهم إلى هناك قبل اندلاع الانتفاضات الشعبية في 2011.

ولكن لماذا صار الحجر الأسود المعقل الأخير للعدمية والعنف المفرط، الذي يميز “داعش”، قرب دمشق العاصمة؟  

ربما نجد تفسيراً جزئياً لدى فناني سوريا النافذين إلى تلافيف ما حدث في بلادهم وأحشائه منذ منتصف السبعينات. أربعة أفلام تسجيلية تمكنها المساهمة في الإجابة عن السؤال وفي مقدمتها، وأهمها لتركيزه على هذه المنطقة بذاتها، “حجر أسود” الذي أبدعه المخرج نضال الدبس عام 2006 ويحاذيه فيلم نبيل المالح “عالشام … عالشام” عن تدفق عمال المياومة إلى دمشق وبخاصة في مقاولات البناء والعمارة. وسبقهما بنحو ثلاثين عاماً “الدجاج” الذي قدمه عمر أميرالاي في 1977 و”خطوة خطوة” للمخرج أسامة محمد في 1979. لهؤلاء المخرجين وغيرهم أفلام أخرى مهمة تفتح أبواباً مغلقة ونوافذ موصدة على زوايا نظر أخرى تجعل من الأيسر فهم بعض تحولات الثورة السورية وتوحش الجهاديين الإسلاميين. معظم هذه الأفلام مُنع عرضه في الشام، على رغم أنه من إنتاج الدولة.

في “حجر أسود” يتابع الدبس أطفالاً في أيام عملهم الشاق المستمر وساعات لعبهم القليل الصاخب. مصطفى، 14 عاماً، يعمل في جمع المخلفات التي يمكن تدويرها، من احياء الشام الفقيرة وهو أيضاً يبيع جسده في حدائق معلومة في قلب العاصمة أو لسائقي سيارات النقل الثقيلة في الكراجات طوال الليل. بكى الطفل في آخر مرة زار قبر أبيه الذي تُوفي قبلها بشهرين، على رغم ان هذا الأب ذاته كان يعذبه بالصعق الكهربائي ويضربه حتى يغيب عن الوعي.

نتعرف إلى آباء تكاد دموعهم تنزل وهم يقرون بإرسال أطفالهم للعمل، عارفين أنهم لا يجب أن يعملوا في مثل هكذا سن صغيرة، وعلى آباء يطردون عائلاتهم بأكملها لتقضي ليال متتالية في الشارع لانهم يريدون أن يسكروا في هدوء داخل منازل صغيرة قابضة للروح. ليس هذا فيلماً عن أطفال جُردوا من إنسانية مدعاة. هؤلاء أطفال لم يمروا أصلاً على خطاب وممارسات ما يسمى بالإنسانية والأخلاق والقيم والتهذيب، بل تربوا على أن يكونوا حيوانات تدافع عن بقائها ضد الجميع ولا تمتلك مشاعر غير مادية سوى تجاه عائلتها الصغيرة جداً (وليس طول الوقت)، ونحو بضعة أصدقاء مختارين. أطفال يعيشون على حافة الحلم وتمتين رابطتهم الإنسانية ببشر آخرين حولهم من ناحية، وحافة العنف الساحق تجاه كل شخص وكل شيء، يسيرون على حبل واصلت الدولة والمجتمع شده حتى انقطع، ربما في عام 2012 فصاروا في المجمل قادرين على فائض لا ينتهي من العنف والقتل.

أنتج صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) فيلم الدبس وباركته وزارة الإعلام السورية، ولكن المنظمة الأممية كما يبدو خافت وتراجعت بعد أن توقفت وزارة الاعلام البعثية عن دعم الفيلم لأنه ببساطة يفضح سياسات عدة خلقت هذا المناخ من العنف والظلم والفساد المنهجي. وهكذا رفعت المنظمة الأممية المفترض انها تعني بحقوق الأطفال في المقام الأول اسمها عن الفيلم وتركته لصانعيه، وهكذا نجد اسمي الدبس وخالد خليفة، الروائي الشهير، كمنتجين للفيلم في أول لقطاته.

يتعامل أطفال الحجر الأسود مع الظلم على أنه واقع حياة ومع الحقوق على انها منحة قد تأتي أو لا تأتي. يقول طفل كردي إنهم أخذوا أشقاءه من الفراش في الليل إلى سجن في عدرا، “لكن ح يطلعوا لان ما عليهم شيء” وفي الوقت ذاته ليس لديهم شيء، فهُم كما يضيف “أكراد أجانب”. الطفل الكردي، الأجنبي، يعمل بدوره في جمع ما يصلح لإعادة التصنيع من المخلفات وعاجز عن الذهاب إلى أي مدرسة لأن “ما في أروح ع المدرسة .. قبل ما يطلعوا اخواتي”. ولكنه يجب أن يعمل ليساهم في الإنفاق على أهله لأن “الجوع كافر .. مضبوط؟”

أطفال الحجر الأسود يعرفون أن البلد ليس بلدهم والشرطة ليست هناك لتأمينهم ويعرفون آليات الفساد، فيسأل الصبي رفيقه كم دفع أبوه للشرطة ليخرج، فيرد عليه الطفل الآخر انه لن يتحدث في هذا الموضوع في وجود الكاميرا.

ويعجز محمد ضعيف البصر عن الذهاب إلى طبيب عيون ولكنه يواصل العمل طوال الأسبوع لينفق على أمه واخوته الخمسة بتعاطف وحب لا تدري من أي كهف عميق داخل حياته القصيرة البائسة حصل عليهما. تشعر بغضبه وهو يشير إلى أخوته وهم أطفال، كبيرهم يعاني من مرض نفسي غير واضح يجعله مختفياً وراء خباء طوال اليوم وأوسطهم يبدو وكأنه صار يمارس الدعارة وهو ما زال ابن تسع سنوات. تنظر أخته، 16 عاماً، والتي تعاني من نوبات اختناق تنفسي، ولا تجد تفسيراً إلى الكاميرا وهي ترد على سؤال حول احتمال زواجها قائلة إنها كانت تود لو صارت محامية لكنها لا تستطيع حتى قراءة لافتات الحافلات ولا تمتلكة أي شيء “ف ليش اجيب ولاد.”

يمكن الحديث برومانسية عن بعض المشاهد التي يلعب فيها الأطفال معاً في الشارع، ويساندون بعضهم بعضاً، ولكنهم أيضاً قساة واعتادوا قسوة الآخرين. تقول طفلة عمرها عشر سنوات بعد ان ضربت طفلاً يفوقها حجماً: “ما بحب المدرسة”. وحكت كيف كان عاملون في المدرسون يحاولون انتهاك الفتيات جنسياً مقابل ليرات قليلة، وكيف قُتلت رفيقتها في المدرسة بعد ان فشل رجل في اغتصابها. تقاتل الطفلة، يسرا، طفلاً اضخم منها وتهزمه ثم تحكي عن أبيها الذي كان يضربها بالكرباج حتى خبأته فصار يضربها بالعصا ولكنه الآن يحبهم بعد اأن دخل إلى السجن “لأنه قتل أخته… خالتي”.

وفي فيلمي أسامة محمد ونبيل المالح يمكن التعرف إلى بعض ملابسات نازحين من الريف وضغوطهم ورغباتهم وإحباطهم، باحثين عن عمل وحياة في المدينة. يكاد الواحد يلمس أسباباً وارتباك مشاعر كفيلين بتجنيد وتعبئة وعقاب وتوحش، شكلت كلها في نهاية المطاف شخصية ذلك السوري الخارج إلى الشارع ليطالب ببساطة أن يتوقف إذلاله، والسوري الحامل مدفعاً يقتل أي معارض حتى أهله، والسوري طويل اللحية شاهر المدية قاطع الأعناق، والسوري فائض العدمية، والسوري فائض اليقين. الشبيح والداعشي.

يغني رجل عجوز في دقائق “خطوة خطوة” الأولى للسيد الرئيس الأب قائلاً، “يا حافظ ما ني قدك ويرحم بيك مع جدك… تلات وردات على خدك… انت السيد وأنا عبدك”. ربما عجز الرجل عن خدمة سيده، ولكن فتى شاب فشل في الدراسة في مدرسة قرية الرامة قرب اللاذقية حيث صُور الفيلم، “لأن المدرس كان يضربه وكان العمل في الفلاحة صعباً”، راح إلى الشام لينضم إلى جيش العاملين بالمياومة في بناء عمارات الطبقة الوسطى العليا، وفي أثناء إجازة من خدمته العسكرية رد على سؤال أمام الكاميرا ماذا يفعل إذا صار أهله من المعارضة، فقال إنه مستعد لقيادة دبابة إلى بيت أهله وهدمه إذا تلقى أمراً بذلك، وأكد أنه مستعد لقتل أهله كلهم. وقال رفيق مجند إنه مستعد لقتل أخيه بالمسدس في رأسه إذا تفوه بأشياء تضر بأمن الدولة.

من قلب هذه الأفلام يمكن تلمس جذور قسوة عارمة وعنف لا يردعه وازع، جذور مدت أفرعها مستعينة بعض الأحيان بمرجعيات فقهية ودينية لتنتج لنا كتباً مثل “إدارة التوحش” و”فقه الدماء”، وهي من أدبيات الدواعش النظرية. هذه الجذور أتت في جانب ليس بالهيّن من بذور توحش ودموية ولصوصية وعيش كالضباع على أجساد وعرق الأطفال تغاضت، وهذا الجانب الذي لم يكن يتحدث عنه الناس كثيرا أو علناً في بلاد الشام، شجعته وتورطت فيه واستفادت منه تشكيلات عصابية وتجارة خردة وآباء أنانيون وجهاديون مهووسون وأجهزة أمنية قمعية ونخب متواطئة وحكومات مجاورة وأخرى بعيدة. كل هؤلاء، بطرق وأشكال معقدة وبسيطة، مسؤولون عن جحيم الحجر الأسود وعما صاره، وكل هؤلاء صنعوا لأنفسهم ولنا جميعاً بئراً عميقة من الغضب والثأر الذي لن يختفي بالضرورة مع تسوية حي الحجر الأسود بالأرض.

بذور العنف العدمي ما زالت هناك ودم القتلى يرويها لتنبت لنا مزيداً من الضحايا أو الزبانية. وما أضيق المسافة بينهما، ما أضيقها!

إقرأ أيضاً