fbpx

هنا القصة الثالثة

بيسان الشيخ

مقالات الكاتب

“مطبخ غربة”الطعام يجمع ويواجه المنفى والوحدة

لم تتوقع (ريتا باريش) حين خرجت من بلدها سورية في 2013 إلى مدينة فرانكفورت الألمانية أن تصبح “قائدة حزب” قوامه أكثر من 9 الاف شخص ينتظرون اطلالاتها اليومية، ويتواصلون فيما بينهم على مدار الساعة. يتفاعلون وينشرون الـ “بوستات”, يلتقون ويختلفون ويوسعون نشاطهم الى أفرع جديدة في المدن والبلدان التي يسكنونها، حتى إنهم يخوضون انتخابات داخلية حامية.
صور المرشحين تنافس صور انجازاتهم على جدران المجموعة، سلفي فردي أو مع أفراد الحملة الانتخابية، كاريكاتور أو أغنية ساخرة، كل ما من شأنه أن يعزّز فرص المرشح ضدّ منافسيه في “العرس الديموقراطي” الذي تشهده المجموعة، في غمزٍ واضح من التسمية التي شاعت في سورية وأُفرغت من معناها لعقود.
لكن ما الذي يمكن أن يجمع هذا العدد الهائل من السوريين اليوم حول قضية واحدة؟
فـ 9 آلاف ليس بالعدد القليل في ظرف يشهد فيه النسيج الاجتماعي والسياسي السوري ما يشهده من تشرذمٍ وبون. “إنها المائدة”, تقول ريتا بضحكة صغيرة على الطرف الآخر من اتصال “سكايب” أجريته معها، أنا العضوة الصامتة في المجموعة. أتلصص، وأراقب، أتعلم، ولا أجرؤ على المشاركة بعد.
و”مطبخ غربة” بحسب التعريف الرسمي، هو غروب مغلق على موقع “فايسبوك” “متخصص بالطبخات المنزلية السورية التقليدية المعدة في بلاد الاغتراب بهدف مشاركة الخبرات، وإحياء تراث المطبخ السوري، وتحدي صعوبات إيجاد المكونات من خلال استعمال مواد بديلة بحسب ما توفره بلدان المهجر”. ولعل أهم ما فيه يبقى “التجمع سوية على مائدة تخلو من الطبخات السياسية”.
وتقول ريتا “المطبخ وإعداد الطعام هو أفضل مشروع لبناء السلام، مع إن ذلك كله لم يكن في البال حين أطلقت صفحة “مطبخ غربة” على فايسبوك قبل نحو 3 سنوات”. أما اليوم، فتضمّ الصفحة كل أطياف الشعب السوري وإن كانت صاحبتها لا تخفي موقفها السياسي الواضح والصريح. وتقول “وجدت نفسي أدير صفحة فيها موالين ومعارضين، وأشخاص لا شيء يجمعهم، فأصبح المطبخ قناة تواصلٍ فعلي على رغم بعض المواضيع الإشكالية التي يطرحها أحياناً، كالتضامن مع منطقة محاصرة أو تمرير رسائل سياسية عبر تجارب حياتية علماً إن إنشاء مجموعة متجانسة سياسياً لم يكن مطروحاً أصلاً”. وتضيف “عندما تنشب اختلافات في وجهات النظر، وهي قليلة، أبقى دائماً مصرة على أن يدافع كلُ ذي رأيٍ عن رأيه من دون أن أتدخل في البوستات تنقيحاً أو حذفاً، فهذا بنظري تمرين أولي على الديموقراطية”.
وكانت ريتا التي هاجرت إلى ألمانيا لتعمل في القطاع المصرفي تعود في المساء إلى المنزل منهكة… ووحيدة. بدأت تطهو وجبات من بلدها مستعينة ببعض البهارات من صنع والدتها حملتها معها في حقيبة الهجرة، متعمدة جعل رائحتها تفوح في مسكنها الجديد فتجعله أقلّ وحشة. وبدأت ريتا تصور الأطباق وتنشر الصور على صفحتها الشخصية على “فايسبوك” أو ضمن مجموعة ضيقة من الأصدقاء. وتقول “بات ذلك موعد بيننا… وصرت أمضي وقت العشاء محاطة بأصدقائي وكأننا على مائدة واحدة، لكن بشكل افتراضي، وكل من بلده”. ومع الوقت توسعت المجموعة وازداد التفاعل بين أعضائها حتى بدأت المناكفات بين “مدارس” الطبخ ومناطقه، فقرّرت ريتا إنشاء صفحة خاصة أطلقت عليها “مطبخ غربة” تضم اليوم نحو ١٣ ألف عضو من كافة المناطق السورية، بعضهم لا يزال في الداخل فيما الغالبية موزعة على بلدان اللجوء والاغتراب. ورويداً رويداً بدأ الأعضاء ينشؤون مجموعات داخلية مثل “فرع مطبخ غربة في بوسطن”، أو “الامارات” أو “مونتريال” وغيرها، وينشرون الوصفات والفيديوهات ويطلقون “ثيمة” دورية للنقاش والتداول والمنافسة أحياناً.
وفي حين يشكل السوريون الغالبية الساحقة من الاعضاء، ظهرت بوادر ضمّ أصدقاء وصديقات جدد من جنسيات عربية أخرى غالباً ما تربطهم بالسوريين جيرة أو زيجات أو مجرد فضول. فبات بإمكان المتصفح أن يطالع وصفات بنكهات مختلفة مشرقية ومغربية، تترافق غالباً مع سرد للخلافات الزوجية التي تنشب بسبب أكلات بعينها، أو منافسة بين الزوجين واختلاف ذائقة كل منهما.
لكن بالعموم تبقى الوصفات واختلاف طرقها أكثر ارتباطاً بحواضن المطبخ السوري وذاكرته، دمشقياً كان أم حلبياً، مع بعض التنويعات الطفيفة لجهة الساحل واعتماده على مآكل بزيت الزيتون، أو لجهة البادية وحوران حيث المناسف واللبن المطبوخ.
وتقول ريتا “في البداية كان الطهي بالنسبة إلي نوع من العلاج النفسي. فقد كنت أصبّ اهتمامي وتركيزي على إنجاح طبق وأنسى لبرهة الهموم الأخرى، خصوصاً أن الطبخ والمونة تحديداً تعطي أملاً بأن الغد قادم”. وتروي ريتا كيف عالج أحد “نجوم” المجموعة اكتئاب انتقاله الى السويد بتعلم الطبخ والمواظبة عليه من دون أن يخجل بذلك. وتقول “تكشف هذه المجموعة العلاقة الجندرية بالمطبخ وكيف قلبت الغربة الأدوار. فالمرأة تطبخ لتطعم، وتسدّ جوع من حولها، أما الرجل فيطبخ لمزاجه وليس لحاجة، وغالباً يكون ذلك في المناسبات، حين يتوفر الجمهور والتشجيع. ذلك كله تغيّر مع تجربة الاغتراب واختلاف الأدوار داخل الأسرة السورية”.
والواقع إن زائر الصفحة لا يمكن أن يغفل عن العدد الكبير من الشبان الناشطين يسألون ويتفاعلون وغالباً ما يتفوقون على الصبايا خصوصاً لجهة تقديم الأطباق وتنميقها. وبمقارنة سريعة بين ما ينشره هؤلاء على صفحاتهم الشخصية وما ينشرونه في “مطبخ غربة”، يمكن ملاحظة الفرق الهائل بين الانخراط في نقاشات السياسة والشأن العام، حيث الجدوى ضئيلة والأفق مسدود، وتساؤلات هنا عن نوع بهارات او صنف أعشاب صادفهم في السوق، ولا يعرفون له تدبيراً.
وإلى ذلك، فإن غالبية هؤلاء الشباب خرجوا بمفردهم من سورية، حيث كانت أواصر العائلة والأصدقاء متماسكة وحاضنة فإذا بهم في شقق مشتركة مع غرباء في تجمعات للاجئين، أو مدن باردة لم يستعدوا لشروط العيش فيها، فلا يدفئهم في غربتهم تلك إلا طبق منزلي يعيدهم إلى أبخرة مطبخ الأمهات.

إقرأ أيضاً