fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - NY Books

مقالات الكاتب

مسؤوليّة روسيا في إدلب

يُرجّح أن تصل نهاية الحرب في سوريّا إلى منطقة إدلب في الشمال الغربيّ، على الحدود التركيّة، حيث يعيش الآن قرابة 2،3 مليون إنسان في فخّ منصوب. ففيما القوّات الروسيّة – السوريّة تنهي استعادة المنطقة الجنوبيّة الغربيّة الأصغر التي هي درعا، فإنّ إدلب ستكون آخر موقع مهمّ في أيدي المناهضين للحكومة. وإذا مضت القوّات الروسيّة – السوريّة في سحق المدينة والمنطقة المحيطة بها من الجوّ، فإنّ مدنيّيها قد يواجهون الخيار المرعب للعيش في الأقبية أو المحاولة اليائسة لعبور الحدود التركيّة والتي أغلقت عمليّاً منذ 2015.

مؤخّراً، على أيّ حال، ظهر بعض الدلائل على أنّ روسيّا قد ترغب في التصرّف على نحو أكثر إيجابيّة. فالرسميّون الروس باتوا يبحثون عن مساعدات المانحين الغربيّين لإعادة بناء سوريّا. وبحسب مصادر قريبة من أجواء المفاوضات التي تديرها الأمم المتّحدة بين أطراف الصراع السوريّ، فإنّ روسيّا حرّكت فكرة مفادها وقف التقدّم العسكريّ نحو إدلب وربّما تسليم تركيّا درجة من السيطرة شبيهة بتلك التي تمارسها اليوم على منطقة عفرين المجاورة، مقابل التزام غربيّ كبير بالمساعدة على إعادة بناء المدن والبنى التحتيّة السوريّة المدمّرة. وهذا ما قد يمنح الغرب تأثيراً جديداً في وقف الانتهاكات التي تحصل في سوريّا. لكنّ السؤال هو كيف تستخدم ذاك التأثير؟

لقد كانت الحرب السوريّة بشعة على نحو استثنائيّ لأنّ القوى الجوّيّة الروسيّة – السوريّة راحت تهاجم المدنيّين من غير تمييز، وفي بعض المناطق كانت تستهدفهم مباشرة كما تستهدف المدارس والمستشفيات. كذلك استعملت القوّات السوريّة، بدعم روسيّ، وبشكل منتظم، أسلحة ممنوعة كالذخائر العنقوديّة والأجهزة الحارقة والأسلحة الكيماويّة. لا بل ثمّة براهين دامغة على أنّ القوّات الروسيّة نفسها استعملت قنابل حارقة. وتحظّر قوانين الحرب بوضوح هذه الهجمات، معتبرةً إيّاها جرائم حرب، لكنّ الرئيسين السوريّ بشّار الأسد والروسيّ فلاديمير بوتين مزّقا بأعمالهما تلك القوانين.

إنّ السلوك العسكريّ هذا هو السبب الرئيسيّ في أنّ نحواً من نصف مليون قد قُتلوا، فيما أكثر من 50 بالمئة من سكّان سوريّا ما قبل الحرب قد اجتُثّوا.

سمعة الأسد شيء لا يقبل الإصلاح، إذ أنّ طموحه الرئيسيّ هو البقاء في السلطة وتجنّب الاعتقال. لكنّ بوتين لا يزال يطمح إلى أن يُعامَل كقائد كونيّ محترم. لهذا ينبغي إقناعه بأنّه سيفشل في مسعاه هذا ما دام يعزّز ارتكابات الأسد.

وقد مثّلت القوّات الجوّيّة الروسيّة بصورة خاصّة الشريك الذي لا يُستغنى عنه في إحداث هذه المذبحة، مقاتلةً منذ 2015 إلى جانب الطائرات السوريّة ومعزّزةً على نحو بارز فعاليّة القوّات الموالية للحكومة. وهذا إنّما كان سبباً حاسماً في تفسير أنّ الأسد، الذي كان في موقع حربيّ ضعيف، يبدو اليوم على وشك الانتصار. فمثلاً كان لروسيّا دور مهمّ  في حملات القصف الجوّيّ التي اعتمدتها الحكومة السوريّة وقادت، في 2016 و2018، إلى استعادة حلب الشرقيّة والغوطة الشرقيّة، وهما الموقعان الشديدا الكثافة السكّانيّة اللذان سبق للقوّات المناهضة للحكومة أن استولت عليهما. وفي كلّ من هاتين المنطقتين قتلت الضربات الجوّيّة مئات المدنيّين.

في هذه الغضون، فرضت القوّات الموالية للحكومة حصارات شاملة على الأرض لإبقاء المساعدات الإنسانيّة وعاملي الإغاثة بعيداً من المدنيّين. وهكذا كانت أرقام الموت والألم كافية لإسقاط المنطقتين.

وتُعدّ [مؤسّسة] روسوبورأونإكسبورت، وهي مُصدّر الأسلحة الرسميّ في روسيّا، أكبر مزوّدي الجيش السوريّ بالسلاح، كما أنّ الديبلوماسيّين الروس يزوّدون الأسد بدعمهم السياسيّ ويمارسون الفيتو على الجهود المبذولة لإحالة سوريّا إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة، محاولين، من غير نجاح في النهاية، وقف أعمال التحقيق الرسميّ لتحديد أيّ القوى هي التي تستخدم السلاح الكيماويّ. أمّا الوسائل الإعلاميّة التابعة للدولة الروسيّة، مثل أر تي وسبوتنيك، فكانت في طليعة العاملين على تبييض الارتكابات التي أقدم عليها التحالف العسكريّ الروسيّ – السوريّ.

لقد وفّرت إدلب، حتّى الآن، ملجأ لبعض السوريّين. ففيما كانت المواقع المناهضة للحكومة تتساقط، أعطت القوّات السوريّة للناجين الخيار بين الركوب المهين في الباصّات الحكوميّة الخضراء والسيّئة السمعة التي تلقي بهم في إدلب، أو العيش في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة حيث يمكن أن يواجههم تهديد الانتقام، توقيفاً وتعذيباً وقتلاً، إذا ما شُكّ في خصومتهم للحكومة. ولأسباب واضحة، اختار الكثيرون منهم إدلب. ويكاد يكون ما يقارب نصف السكّان المدنيّين في إدلب اليوم مقتَلَعين من مناطق أخرى في سوريّا. وهؤلاء إنّما انضمّت إليهم مجموعة من الميليشيات المناهضة للحكومة التي غالباً ما يكون عناصرها هم أيضاً سيّئين: ينفّذون إعدامات فوريّة ويسيئون معاملة مساجينهم ويحدّون من وصول المعونات الإنسانيّة ويخطفون طلباً للفدية. وإذ تبدو إدلب اليوم معتَصَرة بين القوّات الموالية للحكومة على الأرض والقصف الجوّيّ للتحالف العسكريّ الروسيّ – السوريّ، فإنّه لم يبق في سوريّا إلا أمكنة قليلة يمكن الهرب إليها. ففي السابق كان المدنيّون الذين يبغون الفرار من الهجمات الروسيّة – السوريّة يعبرون الحدود بين محافظة إدلب وتركيّا حيث يعيش الآن حوالى 3،5 مليون نازح سوريّ. لكنْ منذ تشرين الأوّل (أكتوبر) 2015، شرعت قوّات الأمن التركيّة، وعلى نحو روتينيّ، تعترض على الحدود المئات من طالبي اللجوء، وأحياناً الآلاف، وتعيدهم فوراً إلى إدلب. وإلى السياجات التي تلازم الحدود، فإنّ قوّات الأمن التركيّ باتت تطلق النار على طالبي اللجوء ممّن يحاولون العبور غير الشرعيّ، فتقتل كثيرين وتجرح آخرين.

ويبقى من المبكر التكهّن بما إذا كانت تركيّا ستمضي في إغلاق حدودها أمام القادمين الجدد في ما لو استُهدف للذبح آلاف السوريّين على الضفّة الأخرى. لكنْ إذا تعرّضت تركيّا لدفق كبير وجديد من طالبي اللجوء، وليس بينهم إلاّ قلّة من الراغبين في العودة للعيش في ظلّ حكم الأسد، فإنّ أنقرة، حيث تنمو المشاعر المناوئة للجوء، ستواجه ضغطاً داخليّاً لتعليق الاتّفاق المعقود مع الاتّحاد الأوروبيّ، والقاضي بالحدّ من تدفّق طالبي اللجوء عبر بحر إيجه إلى اليونان. هكذا سيكون منع حصول مذبحة في إدلب خياراً أفضل كثيراً.

مع هذا، يبقى الاقتراح الروسيّ حول إعادة البناء اقتراحاً خلافيّاً لعدّة أسباب، وذلك حتّى لو أمكن إقناع الحكومات الأوروبيّة بأن تدفع أكلاف إعادة بناء المدن التي كانت القوّات الروسيّة والسوريّة المسؤولة عن تدميرها إلى حدّ بعيد. فهناك قلق حقيقيّ من أنّه بدل توزيع معونات إعادة البناء تبعاً للحاجات، فإنّ الحكومة السوريّة سوف تمنح الأولويّة للمناطق التي تعتبر أنّ سكّانها حافظوا على ولائهم لها إبّان الحرب. ثمّ أنّها لم تكشف إلاّ القليل عن كيفيّة إنفاق رساميل إعادة الإعمار والتعافي، وهي مشكلة يفاقمها إصرار الحكومة على تقييد وصول المنظّمات الإنسانيّة الخاصّة والمستقلّة إلى المناطق التي استعادتها. فالقوى العسكريّة والمخابراتيّة السوريّة أحدثت للتوّ تحويلاً في وجهة كميّات ضخمة من المعونات الإنسانيّة بحيث تصبّ في جيوبها وتموّل عمليّاتها. لهذا توجد كلّ الأسباب للخوف من أن تفعل الشيء نفسه حيال معونات إعادة البناء.

ما يفوق ذلك أنّ روسيا بقيت صامتة حول القيود التي فرضتها الحكومة السوريّة على عودة السكّان المقتَلَعين إلى مناطق بعينها، بما فيها مناطق استعيدت قبل سنوات عدّة. كذلك لم تعارض روسيا علناً مخطّطات التخطيط المدينيّ كالقانون 10 الصادر هذا العام، والذي يتيح للحكومة السوريّة أن تصادر أملاك السكّان وتعيد الاستثمار فيها من دون إجراءات قانونيّة أو تعويض. ثمّ إنّ روسيّا لم تفعل إلاّ القليل لوقف ممارسات الاعتقال غير القانونيّ والمتسبّب بالموت. وهذا ما يشكّل عقبة ضخمة دون عودة ملايين السوريّين الذين فرّوا من القتال.

وفي الحالات جميعاً فإنّ حياة المدنيّين السوريّين ينبغي ألاّ تعتمد على صفقات الأعطيات والرشى.

لهذا فالبديل هو إشهار التواطوء الروسيّ مع الاستراتيجيّة العسكريّة الجرميّة التي تتّبعها سوريّا، والضغط الكثيف على روسيّا لإنهاء هذه الارتكابات. فمن الواضح أنّ روسيّا تملك النفوذ الضروريّ على حكومة الأسد من أجل تجنّب حمّام دمويّ في إدلب. وعلى طيرانها أن يرفض المشاركة في هجمات مشتركة تقصف المدنيّين والبنى التحتيّة المدنيّة من غير تمييز. أمّا مصدّرو السلاح من روسيّا فعليهم وقف التزويد بالسلاح إلى أن تقف الارتكابات. وأمّا ديبلوماسيّوها ففي وسعهم التوقّف عن تأمين الحماية للرسميّين السوريّين الذين تطلبهم العدالة الدوليّة بسبب جرائم الحرب التي ارتكبوها.

إنّ المفتاح هو دفع روسيا إلى استخدام نفوذها. فسمعة الأسد شيء لا يقبل الإصلاح، إذ أنّ طموحه الرئيسيّ هو البقاء في السلطة وتجنّب الاعتقال. لكنّ بوتين لا يزال يطمح إلى أن يُعامَل كقائد كونيّ محترم. لهذا ينبغي إقناعه بأنّه سيفشل في مسعاه هذا ما دام يعزّز ارتكابات الأسد. لكنّ ذلك هو ممّا لا تظهر أدنى إشارة إلى أنّ الحكومة الأميركيّة في ظلّ دونالد ترامب تنوي فعله، وهذا ما نمّ عنه مؤخّراً طلب الرئيس ترامب لرضا بوتين في قمّة هلسنكي. والحال أنّ الاتّحاد الأوروبيّ في وضع أفضل كي يتحرّك. فإذا أرادت روسيا علاقات أفضل معه – بحيث يلوح احتمال تخفيف العقوبات وتحسين المشهد الاقتصاديّ، كان عليها أن تُظهر رغبة حقيقيّة في إنهاء سفك الدم في سوريا. وهي في وسعها أن تبدأ ذلك بتوفير الحماية لـ 2،3 مليون سوريّ في إدلب.

 

كينيث روث

هذا النص مترجم عن موقع “نيويورك ريفيو أوف بوكس” ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

 

يُرجّح أن تصل نهاية الحرب في سوريّا إلى منطقة إدلب في الشمال الغربيّ، على الحدود التركيّة، حيث يعيش الآن قرابة 2.3 مليون إنسان في فخّ منصوب.

إقرأ أيضاً