هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

مرض أميركا: التشبث بالحق في الأسلحة أخطر من الأسلحة ذاتها

أظهرت نتائج استطلاع جديد أجرته شبكة سي بي اس نيوز، تأييد 44 في المائة من المستجيبين “السماح للمزيد من المعلمين والمسؤولين في المدارس بحمل السلاح داخل المدارس” (وعارضه 50 في المائة).
بطبيعة الحال لا بد من أخذ نتائج الاستطلاعات بقدر من التحفظ وحتى التشكيك في أعقاب أي حدث إخباري كبير، ولاسيما عندما يكون شيئاً عنيفاً أو صادماً، كعملية إطلاق نار داخل مدرسة.
وكون أن الفكرة كثيراً  ما تم تناولها على نطاقٍ واسعٍ في وسائل الإعلام الوطنية في الأيام القليلة قبل عملية الاستطلاع، فذلك يؤثر بالتأكيد على رأي المستجيبين، وكما هو الحال في كثير من الأحيان في استطلاعات الرأي المتعلقة بالأسلحة النارية والمطالبة بالتحكم فيها، هناك تجاذب حزبي ضخمٌ.   
ومع ذلك فإن نسبة التأييد في الاستطلاع مخيبة للآمال، وهي تشير إلى وجود موقف أقلية قوية بما فيه الكفاية تسمح للجمهوريين في واشنطن وفي بعض مراكز الدولة بالدفع قدماً لاعتماد هذه التدابير تحديداً ، مما يسمح – بل ويشجع – السيد سميث، المدرس في الصف العاشر في مادة التاريخ العالمي، بأن يحتفظ بقطعة سلاح معبأة بالذخيرة  في خزانة الإمدادات، أو مدسوسة في حزام سرواله الكاكي.
أنا من أنصار التحكم في الأسلحة النارية عموماً، على الرغم مما لدي من شكوك حول فعالية التشريعات الجزئية التدريجية في دولة تنتشر فيها  300 مليون قطعة سلاح. وكما هو معتاد في الثقافة السياسية الأميركية، فإن “قضية” السلاح تُناقش بشكل كبير بمعزل عن “القضايا” الأخرى، على الرغم من أنه أصبح من المألوف مؤخراً ربطها بما يسمى بالصحة العقلية، وهو مصطلح زئبقي ليس له معنى محدد، يُستعمل في الغالب لتعزيز الشائعة الكاذبة التي تزعم بأن المشكلة لا تكمن في الأسلحة بقدر ما تكمن في المجانين الذين يستخدمون الأسلحة. والدليل الوحيد الخاص الذي عثرت عليه أن الأميركيين هم في مجموعهم أكثر جنوناً من أي شعب آخر على وجه الأرض، هو أن  لدينا الكثير من هذه الأسلحة الملعونة، لكن دعونا نترك ذلك جانباً.
في الأساس، الاعتبارات السياسية الوحيدة المسموح بها في النقاش حول موضوع الأسلحة، هي تلك التي تبرئ أصحاب الأسلحة وموزعيها وصانعيها. هل من المفيد القيام بفحوصات أدق عن شخصيات المعنيين، ورفع عتبة السن المسموح به لحمل السلاح، وتعديلات الحظر بشكل محدد؟ إنها تحسينات هامشية بالتأكد، لكني أعتقد أنها تتجنب بعض المشاكل الاجتماعية الأساسية.
هذا العام، ستُنفق الولايات المتحدة نحو تريليون دولار لتمويل الحرب – أكثر من 700 مليار دولار للإنفاق في مجال “الدفاع” الأساسي وحده. وفي نتائج المراجعة الخارجية التي أجريت مؤخراً، لم تستطع وكالة لوجستيات الدفاع (ذراع المشتريات والمقتنيات في  البنتاغون)  أن تبرر مئات الملايين من الدولارات التي أنفقت. يبدو أنها لا تحتفظ بالفواتير. وفي عام 2016، خلص مكتب المفتش العام إلى أن الجيش قد أنفق 6.5 تريليون دولار في تعديلات محاسبية خاطئة – ما يعادل قيمة عشر سنوات من اعتمادات الدفاع – في سنة واحدة. ومع ذلك يستمر تدفق الأموال، باطراد كل عامٍ. ولا يزال الجيش المؤسسة التي تحظى بالقدر الأكبر من الاحترام والمحبة في الحياة العامة، على الرغم من هذا الفساد المستشري وهذا التبذير الهائل في الإنفاق. وعلى الرغم من بعض الجهود المبعثرة أثناء رئاسة أوباما، لكبح هذه الممارسة، فإن الكثير من الأجهزة العسكرية المستخدمة والفائضة تصل إلى أيدي الشرطة. وتعتبر شرطتنا، بدورها، من أعنف الأجهزة الأمنية في العالم. من الصعب الحصول على إحصاءات موثوقة، لكن التقديرات المتحفظة نسبياً وضعت عدد الأميركيين الذين قتلوا من قبل رجال الشرطة في ما يقرب من 1000 في السنة. من المستحيل معرفة عدد المواجهات العنيفة غير القاتلة التي يواجهها المواطنون سنوياً مع سلطات تنفيذ القانون. وفي الوقت الذي تقوم فيه بعض الحركات مثل بلاك لايفز ماتر (التي تدافع عن الأميركيين من أصول إفريقية) والائتلافات المتنامية لإصلاح العدالة الجنائية، بتوجيه الاهتمام العام صوب هذه القضية، تستمر ثقافتنا – وخاصة ثقافتنا الشعبية – في تبجيل الجندي الشرطي  البطولي، وفرق القوات الخاصة التي تهشم أبواب البيوت، مرتدين الخوذات على رؤوسهم والنظرات السوداء على أعينهم، ومدججين بالأسلحة على أهبة الاستعداد لإطلاق النار.
لدى اليمين المتطرف في أميركا تعبيرٌ خاصٌ به يقول “تنبثق السياسة عن الثقافة”، وغالباً ما يرفض اليساريون هذا التعبير باعتباره سطحي، ويقولون بأن الكثير مما نعتبره ثقافياً هو نتاج خيارات سياسية واقتصادية محددة. وأعتقد أن هذا الرأي الأخير صحيحٌ في معناه العام، ولكني أعتقد مع ذلك أن شعار اليمين المتطرف مفيدٌ ويشير، حتى وإن لم يكن عن قصد، إلى حلقة مفرغة من ردود الأفعال المجنونة في الحياة الأميريكية.
إن الخيار السياسي والاقتصادي الذي يخصص الكثير من موارد مجتمعنا لتمويل بلا نهاية الحروب واسعة النطاق، وإمداد رجال الشرطة المسلحين والسجون الهمجية، له تأثيرٌ كبيرٌ على حياتنا الثقافية.
ومن بين أمور أخرى، فإن هذا التوجه يجعل الحرب – ثقافة البندقية-  أمراً يومياً عادياً، ويجعل أسلحة الحرب أدوات عادية تماماً، ويصور شخصية رجل الشرطة في التلفزيون وهو يطلق النار على المشتبه بهم الذين يعتبرون، بطبيعة لحال، مذنبين دائماً، أمراً طبيعياً؛ ويجعل فكرة تحويل المعلمين والمديرين (والحراس والمستشارين التوجيهيين!) إلى عملاء مسلحين للدولة، يوجدون في تلك الأماكن لحماية الأطفال من المواطنين المسلحين بنفس الشكل، موضوعاً للنقاش السياسي بدلاً من فكرة مجنونة تماماً مثل الهبوط  الوهمي على القمر  والأرض المسطحة. وهذا، بدوره، يجعل المليارات والتريليونات التي ننفقها على الحرب، في الداخل والخارج، تبدو بالمثل وكأنها شيءٌ آخرٌ،  مخالفٌ تماماً للجنون الواضح الذي نشاهده في واقعنا اليومي.
إن النظر في هيمنة العنف المسلح في المجتمع الأميركي بمعزل عن الأسئلة الأوسع نطاقاً المتعلقة بكيفية تخصيص مواردنا الجماعية – كيف نحدد القيمة الاجتماعية – يجعل النقاش محدوداً وقاصراً. وقد تؤدي الحركة القوية المناهضة للأسلحة، إلى تحقيق بعض المكاسب الهامشية؛ وسيكون من دواعي سروري أن أرى ولو جهداً متواضعاً لنقل مسألة الصحة العقلية من اختصاص الشرطة والسجون وإعادتها إلى حضنها الطبيعي، إلى مجال الإرشاد والطب.
ولكن في ظل غياب أجندة يسارية أشمل لنقل موضوع الأسلحة والحرب من موقعها المركزي في حكومتنا والاقتصاد السياسي، أعتقد أنه من الصعب أن نتصور إمكانية تغيير أساسي حقاً، وأخشى أن نستمر في  اتجاه هذا الانجراف البطيء نحو المزيد من الحراس المسلحين، والأبواب أكثر تأميناً، والمزيد من نقاط التفتيش، وتحويل المزيد من المهن ( الآن المعلمين ثم من: الممرضات؟ الأطباء؟ عمال النقل؟) ببساطة دور مساعدين مسلحين للدولة العنيفة، يحمل مواطنوها بدورهم أعداداً أكبر من أي وقت مضى من الأسلحة، يصطدمون بها في كل لحظة من لحظات حياتهم.

جيكوب باكراك
هذا المقال مترجم عن موقع new republic  ولقراءة المقال الاصلي راجعوا الرابطالتالي

إقرأ أيضاً