fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم درويش

مقالات الكاتب

مرتا وحيدة في حلب: منزل المرأة قبرها

حال مرتا، المرأة التي غادر أولادها حلب وبقيت لوحدها في المدينة، هو امتداد لغربة هائلة أصابت أبناء المدن المنكوبة. هنا سيرة امرأة من حلب هي سيرة موازية للمدينة وللوحشة التي أتى بها خراب المدينة.

لم تعد مرتا تعرف كيف تمضي نهارها لتصل إلى الليل. نهارات حلب هذه الأيام، طويلة، وهي يئست من ألا تملك شيئاً تفعله فيها، حتى نبتاتها ما عادت تسقيها، تمد رأسها إليها كل صباح من زواية الشرفة على أمل بأن تفعل، لكنها تدير ظهرها عنها وهي تتذكر قول حماتها لها: “يا مرتا الزرع بأهله، الزرع بده ناس”. لا ناس لدى مرتا أو هكذا بات يتهيأ لها. ابنة أختها التي باتت تقيم في شقتها الواسعة الفارغة منذ وقعت في الحمام ولوت كاحلها قبل شهرين، ليست ناساً. لم تطلب منها أن تأتي ولا تقول لها أن ترحل. لا هي ولا غيرها. ما من شيء قادر على أن إنجاز فرق في حياة  مرتا. حتى فنجان القهوة صحبة أي زائر لم يعد له طعم؛ البن مر تقول لهم، “يرحم زمان اللي كان فيه بن ينشرب”. تضع الحق على البن ولا تفسر، خسرت حتى قدرتها على الحكي. كلما أرادت أن تسمعهم صوتها سيقولون لها أن تصبر، وهي لا تريد أن تصبر، “أنا صابرة خلقة الله يا أم طوني ومن زمان من قبل الحرب بكتير، ما كنت مستنية من الله يكافيني بهيك نهاية ع صبري”، ترد بانفعال على ابنة عمها والدمعة تختنق في عينيها. 

تقلب النهار ساعات وساعات ولا ينتهي، أصوات القذائف ومشاهد الخراب لدى الجيران لم تعد تشغل بالها، بالها كله بات واقفاً منذ ثلاث سنوات وأكثر في مكان آخر، تماماً في اللحظة التي غادرها أولادها واحداً تلو الآخر، “مسحت إيدي بالحيطان يا أم طوني، عجبك بعد هالعمر؟!”.

خسارتها أولادها لم يعد يردمها شيء، حتى المكالمات الهاتفية معهم باتت بلا لون ولا رائحة، أحياناً كثيرة لا ترد وإن ردت تغص بالكلام الذي لا تستطيع قوله لأن لا أحد يريد سماعه، وتقفل الخط على عجل وهي تتحجج بانشغالات منزلية يعرف الجميع أنها ما عادت موجودة.

ظهيرة اليوم وهي تغلق أبجور النافذة لترد الشمس التي ملأت الصالون سمعت أصوات ضوضاء كثيفة أسفل شرفتها المطلة على مدرسة ميخائيل كشور، منذ زمن لم تعد تسمع هكذا أصوات. حين عادت ابنة أختها مساء علمت أن بيت أبو هوفيك سيهاجرون، انكسر قلبها، قرارها بالبقاء خسر مجدداً؛ “معقول هنن كمان، دخيل اسمك يا هالرب، هيك بدك تاخد مني كل شي تعلقت فيه؟!”.

تقول لها ابنة أختها إن عليها أيضاً التفكير في الهجرة، تعض على شفتها السفلى وتروح تندب بحسرة: “يا حيف عليي أنا يا لينا، ياحيف عليي!”.

الليل الذي تنتظره ليأتي منذ طلوع الشمس يخلّصها من هذا كله، على رغم كوابيسه التي تتقلّب بين الأحياء والموتى، إلا أنّ الليل يبقى أرحم ما في الأيام. في ليالٍ كثيرة، تزورها أختها التي ماتت في بلاد غربة أولادها، تقول لها: “أنت ما بتحبي الوداع يا مرتا، وأنا متت بعيدة حتى ما ودعك”!

مع أول الليل تضيء شمعة صغيرة إلى أيقونة العذراء على “الكوميدون” وتروح تتأملها وطفلها الصغير وتصلي، مرات كثيرة لا تصلي، بل تكتفي بالتحدّث مع العذراء، كل ليلة تعود إلى نفسها فتاة في بيت أهلها، تزوجت في الفقر وربت أولادها من لا شيء، تتذكرهم ولداً ولداً، تمسد شعر هذا وتضع اللقمة في فم ذاك، “دخيلك يا أمنا كيف حملت كل هاد، أنا وعدتك بالصبر بس ماعاد فيني” تقول للعذراء التي أمامها. يختنق الدمع في حلقها، تشتهي أن تبكي ولا تفعل!

في ذلك النهار المستعاد والمتذكر وحين نهضت من سريرها بعد الظهر وجدت المنزل فارغاً، فقط عيدان السجائر تملأ الأواني المتناثرة في الصالون والنافذة في صدره مفتوحة. الطقس صيف لذا لم تغلقها، فقط ردت الستارة البيضاء المخرمة وبدأت محاولة التنظيف على رغم ألمها. ليس من عادته أن يعنّفها، لكنها حين عاتبته لأنه سبّ العذراء وكان قد أكثر من الشرب، جن جنونه، في أوقات مثل هذه لا تناقشه، فقط تهز رأسها، لكن العذراء ابنة قلبها، تنكسر كلما أهانها أمامها. كلما أحسّت بأن كل شيء أغلق على فهمها وأنّه ما عاد لديها شيء لتنتظره، تعود لتتذكر ذلك الصباح البعيد. إنّه الأحد، الأولاد وأبوهم في البيت وعليها الاستيقاظ لتعد نفسها وإياهم للذهاب إلى كنيسة مار جرجس القريبة ومن ثم يعرجون لتناول القهوة والبقاء إلى الغداء في منزل حميها المطل على الباحة الخلفية للكنيسة، لكن الظلام والألم اللذين يثقلان على عينها اليسرى يمنعانها من النهوض، ثم إنها لا تريد أن تُري أولادها هذا كله. تكتم مرتا آلامها في قلبها، تخفيها في مكان لا يصله أحد سواها، تعودت على هذا منذ زمن بعيد، حتى باتت كثيرات من نساء العائلة يحسدنها على جبروتها كما يسمونه، من دون أي قدرة على لمس معاناتها أو فك ألغازها.

تروح وهي تتنقل بين الغرف وترتبها تتحدث إلى نفسها بصوت عال، تفرج عن همها، لا تستطيع فعل ذلك مع أحد، لذا تفعله مع نفسها، تقرأ صلواتها، السلام عليك يا مريم، “دخيلك ياعدرا، احميلي هالولاد وصبريني ع تربايتن” تقول وهي تكنس فتات الكعك في غرفة الأولاد. هذا جوزيف، مهما أنبته، يأبى إلا أن يأكل الكعك ويجول به في كل المنزل. تدمع عينها حين تتذكره، تريد أن تقسو عليه كما تفعل مع أخويه ولا تستطيع، “جوزيف كاسر قلبي يا أم طوني من مرض لمرض، عيوني رمدت بتربايتي هالصبي” تقول لابنة عمها التي زارتها في مرض جوزيف الأخير.

تستعجل خطاها لتعود إلى سريرها قبل أن يعود الأولاد وأبوهم من منزل جدتهم، قد يخف الألم واللون الأزرق حول عينها حتى المساء وبهذا تتجنب الأولاد وأسئلتهم عما حصل لها. 

تغلق عينيها في سريرها ولا تنام، دقائق ويأتيها صوت ابنها البكر باسيل، هذا الولد لا يستطيع التوقف عن الكلام؛ يغني ويحكي ويتكلم حتى وهو مريض أو نائم، تنتظر صوت جوزيف، فهو لم يشف تماماً من الحمى التي باغتته قبل أيام، فيأتيها صوت باسيل فوق رأسها: “ماما، ماما، لسا نايمة لهلق، قومي، جبت نانا معي!”.

تنذهل وترفع رأسها مذعورة، ليس من عادة حماتها أن تأتي فجأة، بخاصة وآلام ركبها لم تعد تسمح لها بصعود درج منزل ابنها إلى الطابق الثالث. 

تهم لتنهض من السرير فتجد حماتها على باب الغرفة، “كيفك يا بنتي، باسيل شغل بالي عليكي، كيف صارت عينك؟!”.

في ظنها أن الأولاد لم يعرفوا ما حدث لها، لكن باسيل الذي يستيقظ لأدنى سبب رآه وكتمه ثم أسر به إلى جدته. 

“أنا منيحة يا مرة عمي، هاد باسيل اللي يصلحه خبرك، ارتاحي مرة عمي ارتاحي، الله يصلحك يا باسيل ع هالعملة”.

تجلس الحماة والعرق يتقطر من شعرها إلى الكرسي البني بجانب الباب المفضي إلى الشرفة فتلمح نبتات مرتا، هي علمت مرتا حب النبات والاعتناء بها حين كانت تسكن معها. تنقل عينها بين زهر الفل الذي يملأ الشرفة وعين مرتا المزرقّة وتقول لها: “كتبتك هي من الله يا مرتا، بس خفي ع حالك شوي ولا تكتمي بقلبك اكتر من هيك، الله بعالي سماه ما بيرضاك تضلي لوحدك هالقد!”.

تقف على كتف النهر حين تتعب فتلمح وجوهاً كانت معها في الغطاس. تلقي نظرات إلى مجرى النهر الشاحب، فترى نفسها وحيدة أكثر مما تخيلت حين قررت ارتداء ثوبها اﻷسود المخرم من على الصدر اليوم. شعرت بالمزيد من الوحيدة فيما كانت ترمي ابتسامات المجاملة على وجوه معارفها في الكنيسة. تذكرت ذلك الصباح مجدداً اليوم وهي عائدة من كنيسة مار جرجس بعد انتهاء مراسم الغطاس فضاع الدرب منها وظلت تمشي أكثر من ساعة في محيط الكنيسة بين حيي السليمانية والعزيزية في حلب، من دون أن تدري إلى أين هي ذاهبة. مع أنها تعرف أنه لم يعد لديها مكان تذهب إليه سوى البيت. بيتها المعلق في الطابق اﻷخير من بناء ملاصق لمدرسة ميخائيل كشور. 

في البيت مع الثوب اﻷسود كما في الكنيسة، أرادت كعادتها كلما تفاقم شعورها بالوحدة، ألا تفكر في الذي أوصلها إلى حالها هذه. لكن هنا والنهر ميت واﻷرصفة ملأى بهذه الوجوه الشاحبة، لا مفر من فتح الماضي على مهل. 

لا تقتنع مرتا بأن هذه حرب وقعت على الجميع وهجرت كثيرين ورمت آخرين إلى الوحدة أو فيها. 

ترى أنها على هذه الهيئة منذ زمن بعيد وأن الحرب كشفت عن حياتها ستارها وعرّتها حتى النهاية وأنها تدفع اﻵن ثمن تحملها أشياء كثيرة في زوجها وأولادها وأهلها. لم يجد تحملها نفعاً.

تترك النهر خلفها وتعود أدراجها عبر شارع المقاهي. تمر في طريقها من أمام كنيسة الصليب المقدس. تأخذ تنورتها التي تركتها قبل أسابيع لدى الخياط أبو جورج ليضع لها سحاباً جديداً. 

تأخذها وترد حين يلح في سؤالها عن اﻷولاد:

“الله يسعدن وهنن بعاد وما عاد بدي شي”.

تكمل طريقها ولا تصل مدخل البناء إلا وهي تعد نفسها أن لا تنزل من بيتها من جديد. وما نفع ذلك؟ ها هي مرة أخرى تكتشف أنها لم تعد تريد رؤية أحد. كل هذه الوجوه تضغط على أعصابها، وتزيد من آلامها ولا تمنحها مثقال ذرة من ألفة ما. ألفة فقدتها حتى مع نبتاتها. 

تصعد الدرج وتستريح بين كل طبقة وآخر. قلبها بات أوهن بكثير من أن يحتمل صعود هذه الطبقات الثلاث. 

حين تصل تجلس على الكرسي في مدخل البيت. وترمي كيس التنورة الخفيف إلى اﻷرض. 

تعود إلى صباح ليلة زفافها. حين جلست أمام المرآة لتفك تسريحة شعرها. حينها رأت كل هذا الذي تعيشه. رأت نفسها وحيدة وغريبة. لكنها رددت في نفسها ما كانت تقوله أمها لأختها الكبرى:

“بنتي بيتك قبرك… طلاق ما عنا… قعدي وتحملي”.

وعلى رغم أنها طيلة حياتها حاولت وتحملت وراودتها أحلام كثيرة، لكن لا شيء منعها من وصول محطتها هذه. 

وما دامت وصلت، فليكن بيتها قبرها. ولن تستجيب لتوسلات أبنائها، الذين بات كل منهم في بلد، بأن تغادر البيت والمدينة إلى اﻷبد.

تقوم بتثاقل لتغلق نافذة المطبخ التي نسيتها مفتوحة قبل ذهابها ويدخل منها هواء ثلجي. 

على حافة النافذة تتكئ وتبكي وتطلب من ربها أن يسامحها لأنها لم تعد تحتمل كل هذه الخسارات.

في هكذا مساءات تلجأ إلى الصور. الصور أسماء الذين تركوها واحداً تلو الآخر، أصواتهم، محياهم وهم يلقون عليها الوداع، تفاصيلهم التي لشدة ما اعتادتها في كل واحد منهم غرزتها تحت جلدها وما فكرت يوماً بأنها ستفقدها إلى الأبد.

الأبد عند مرتا فكرة، فكرة تغزلها من لحظة بكائها وهي طفلة في الغرفة الجنوبية لبيت أهلها الواسع فترضيها السكاكر الحلبية الملونة التي كان يجلبها والدها لها من سوق المدينة، وتكبر هذه الفكرة لتصبح ستارة خمرية اللون تغطي حياتها كلها، لا تتذكر من فرحها إلا وهي تصحب أولادها إلى سوقي المدينة والسويقة العتيقين لتشتري لهم السكاكر الملونة القديمة التي كان والدها يشتريها لها. 

زمن طويل مر على مرتا قبل أن تخبر أولادها حكاية هذه السكاكر، طويل إلى حد أنها باتت معه تنفر من المذاق الحلو في الأطعمة كلها، وأورثت الذوق المستجد لديها لأولادها الثلاثة منذ صغرهم، فظلت هذه السكاكر الملونة التي يشترونها من الأسواق العتيقة حبيسة “المرطبانات” الفخارية الملونة التي تزين “الفيترين” البنية في صالون البيت، تنتظر ضيوفاً.

الزمن الطويل الذي مر على مرتا، مر على المدينة أيضاً. كانت في السابق تسير في مشوارها إلى سوق المدينة من منزلها في السليمانية إلى التلل وهي تتأمل واجهات المحال الملونة وتشتري لأولادها عرانيس الذرة الساخنة عند كازية سوريا أو البوظة النبيل عند دوار عبد الأحد، ومن هناك كانت إما تكمل مشياً إن لم تتعب قدماها ويتذمر الأولاد، أو تأخذ سيارة أجرة بخمس عشرة ليرة فتضعها أمام الجامع الكبير. 

تتأمل الصور التي وضعتها قرب سريرها، ويعود إليها هذا كله، تتذكر جوزيف متشبثاً بتنورتها السوداء طيلة الطريق، تتذكر باسيل يقرأ كل اللافتات ويخلق حكاية عند كل زاوية، تتذكر الياس الصغير يقفز ويركض ويضيع بين المارة وتظل تلحقه وتمسك يده اليمنى، تتذكر نفسها. “كنتُ جميلة” تقول في سرها، لا تزال تتذكر كيف ظنوها في عرس ابن حماها العروس، على رغم مرور عشر سنوات على زواجها. يومها حين عاد زوجها إلى البيت والناس لم يعد لهم في ذلك العرس من حديث إلا مرتا وجمالها، طالبها ألا “تتمكيج” مرة أخرى، وعلى رغم أنه العرس الوحيد الذي حضرته منذ زفافها، منعها من حضور الأعراس. قال لها: “أجرة الخياطة أولادك أولى فيها، وأنا كل هالحر واللوص ع وجهك ما بطيقه”.

الصور لا تغادر يديها الآن صباحاً ومساء. هي ليست صورها وحدها، بل جمعتها أيضاً من ألبومات أمها وأخواتها. كيف لم تفكر في ذلك الزمن أن تلتقط صوراً أكثر، تناست بتعلقها بأطفالها واهتمامها بهم كيف تبدأ الحياة وكيف تنتهي، ظنت أنهم سيبقون صغاراً، تأخذهم إلى السبيل أو المدينة متى تشاء، وأن أكبر مشكلاتهم ستظل دروسهم ونوبات البرد التي تصيبهم في الشتاء. 

فوجئت حين كبروا، حاولت مراراً أن تعوّد نفسها على فكرة أنهم كبروا، ولم تستطع. ليس أولادها من كبروا وتغيروا وحسب، حلب أيضاً كبرت وتغيرت، هم هاجروا، وحلب أيضاً هاجرت، رويداً رويداً كانت تفتقد أولادها ومشاويرها في حلب القديمة حتى فقدتهم وفقدت المدينة تماماً.

تقلب الصور بالأبيض والأسود في غرفة نومها الصغيرة، ترى نفسها وحيدة، ترى حلب وحيدة. تتذكر تلك البنت بشعرها الخرنوبي تبكي في الغرفة الجنوبية لمنزل أهلها، لكن لا سكاكر ملونة ولا أيد حنونة ولا طرقات. لا يتوقف بكاء تلك البنت، وقلب مرتا لا يهدأ، إلى أن انطفأ في فضاء المدينة ضوء أخير أتاها عبر نافذة غرفتها الشرقية، التي تطلّ على النسرينة التي تحبها في جنينة بيت أبو هوفيك. وتناثرت الصور التي في يدها على سجادة الغرفة التي كانت آخر ما اقتنته من حلب القديمة.

 

إقرأ أيضاً