fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

مذكرات بولند أجاويد وتوظيفاتها السياسية المتباينة

صدر، قبل أيام، كتاب “مذكرات أجويد: أحاديث الوداع التي ظلت سراً طيلة اثني عشر عاماً” للكاتب الصحافي محمد جتينغولاج. ويتضمن خلاصة الحوارات التي أجراها مع رئيس الوزراء التركي السابق، على مدى السنوات الثلاث الأخيرة من حياته. حاورت صحيفة “هرييت” (الحرية) الكاتب، بهذه المناسبة، فتحدث عن بعض مضامين الكتاب. ومن ذلك أسرار تكشف للمرة الأولى أمام الرأي العام، تلقي ضوءاً جديداً على أحداث سبقت صعود “حزب العدالة والتنمية” إلى السلطة عام 2002، وتعطينا فكرة عن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا، وربما تؤكد ما كان مجرد تحليلات وتكهنات بشأن الصعود المفاجئ للحزب الإسلامي الذي طالما حاربته المؤسسة العسكرية الأتاتوركية المرتبطة بعلاقات وثيقة مع الأميركيين.
يجب التنويه إلى أن مشروع جتينغولاج الأصلي كان إصدار حواراته مع أجويد في فيلم تسجيلي، على أن يليه الكتاب. لكن أحداً لم يقبل بتمويل هذا المشروع، فاقتصر الأمر على الكتاب، مع احتفاظ المؤلف بالتسجيلات المصورة، الأمر الذي يمنح الكتاب صدقيته، في ما نقل عن القائد السياسي الراحل من كلام.
“في شهر كانون الثاني (يناير) 2002 سافر بولند أجويد إلى واشنطن حيث التقى بالرئيس الأميركي جورج بوش الابن، ليخبره أن تركيا تعارض الحرب على العراق. في حين أنه كان من شأن موافقة تركيا أن تسهل العمليات العسكرية الأميركية عبر الحدود. لزم الأميركيون الصمت في ردهم على أجاويد. وبعد انقضاء ثلاثة أشهر ونصف على عودته من واشنطن، نقل أجاويد إلى المستشفى بسبب شكواه من “آلام في البطن”. بعد ذلك مباشرةً انقسم “حزب اليسار الديموقراطي” الذي كان يرأسه، بتحريض من وزير الدولة للشؤون الاقتصادية كمال درويش الذي جاء إلى مقعده الوزاري آتياً من الولايات المتحدة حيث كان مستقره قبل ذلك. واشتعل الخلاف، في الوقت ذاته، بين شريكي الائتلاف الحكومي “حزب الحركة القومية” بقيادة دولت بهجلي، وحزب الوطن الأم بقيادة مسعود يلماظ. ووفقاً لمراسل صحيفة “هورييت” في واشنطن، في ذلك الوقت، سافر مسعود يلماظ إلى واشنطن حيث سعى إلى لقاء الرئيس الأميركي. كذلك سافر كمال درويش إلى الولايات المتحدة، حيث أمضى اثني عشر يوماً، فشل أجاويد خلالها في الاتصال به”.
“كانت خيبة أمل أجاويد بكمال درويش كبيرة جداً، فهو الذي كان قد جاء به لإنقاذ الاقتصاد الذي كان في حالة انهيار، وكان من المتوقع أن يلعب أدواراً مهمة في مستقبل البلد” يقول مؤلف الكتاب، وينقل عن أجاويد هذه الجملة الغريبة بخصوص درويش: “لقد كان متورطاً في ترتيبات شيطانية!” وهي جملة لا تتسق مع طريقة تفكير أجاويد المألوفة. فبعد عودته من الولايات المتحدة أخذ درويش يتحدث عن ضرورة إجراء انتخابات مبكرة. وفي لقاء مع أجاويد على انفراد، تمادى فطلب من رئيسه أن يقدم استقالته، بدعوى أن هذه الاستقالة ستكون لمصلحة تعافي الاقتصاد التركي.
وفي تلك الفترة، طلب مسعود يلماظ من أجاويد إخراج “حزب الحركة القومية” من الائتلاف الحكومي، وإدخال “حزب الطريق القويم” بدلاً منه. لكن أجاويد رفض الاستجابة. وفي تموز (يوليو) 2002 طالب رئيس “حزب الحركة القومية” دولت بهجلي بإجراء انتخابات عامة مبكرة، أجريت فعلاً في تشرين الأول (أوكتوبر) من العام ذاته، وخرجت منها أحزاب الحكومة الائتلافية الثلاثة بنتائج هزيلة فشلت بموجبها في دخول البرلمان، لينفرد “حزب العدالة والتنمية” المؤسس حديثاً بغالبية برلمانية سمحت له بتشكيل الحكومة الجديدة بمفرده.
ويعلق مؤلف الكتاب على ما حدث قائلاً: “سمعت المجاز التالي من أحد السفراء المتقاعدين: إذا قال لنا أحد ما كلاماً لا يرضينا فنحن نرغي ونزبد. أما الأميركيون والأوروبيون، فلا يبدون أي رد فعل إذا سمعوا منا ما لا يرضيهم. لكن عجلة سيارتنا ستقفز بعيداً أثناء عودتنا إلى البيت”.
وينقل عن أجاويد قوله بهذا الخصوص: “لو أننا وافقنا على الطلب الأميركي بفتح أراضينا لاستخدام جيشهم في غزو العراق، لكان حزبنا أصبح أقوى، ولنالت تركيا المزيد من المساعدات الأميركية”.
في هذه الرواية إيحاء مباشر بأن الأميركيين هم الذين أسقطوا حكومة أجاويد، بواسطة كمال درويش ومسعود يلماظ وربما دولت بهجلي الذي شكل، أخيراً، تحالفاً انتخابياً مع حزب العدالة والتنمية استعداداً لانتخابات 2019 الرئاسية والنيابية والبلدية. بل إن الكلام عن “آلام بطن” أجاويد التي جعلته عاجزاً عن قيادة الحكومة، فيه إيحاء قوي بأن الأمر تم بفعل فاعل هو الأميركي.
هذا السيناريو “الشيطاني”، استعرنا هذه الصفة من أجاويد، ليس غريباً على الولايات المتحدة مع دول حليفة كإسرائيل مثلاً، حيث تتدخل “الأم الراعية” غالباً لمصلحة الحزب الإسرائيلي الذي تراه أقرب إليها. لكنه يغذي التوجس التركي التقليدي من المؤامرات، حقيقيةً كانت أو متوهمة.
لكن المفارقة هي أن البرلمان التركي قد صوت، بعد استلام العدالة والتنمية أيضاً، ضد المشاركة في الحرب على العراق (2003)، ففشلت واشنطن في الحصول على ما أرادت من التغيير الحكومي الذي خططت له وفقاً لهذه الرواية. هناك، على رغم ذلك، تحليلات رائجة في البيئات المعارضة لـ “حزب العدالة والتنمية” تعتبره “مشروعاً أميركياً”، بدلالة تجاوز واشنطن بسرعة خيبة أملها بشأن تصويت البرلمان التركي ضد المشاركة في الحرب، وتحسن علاقاتها باطراد مع تركيا العدالة والتنمية، وصولاً إلى زيارة باراك أوباما “التاريخية” إلى تركيا، في 2009، حيث تحدث عن “الشراكة الاستراتيجية” بين البلدين.
الواقع أنه لا يمكن عزل توقيت صدور الكتاب عن الحالة الحرجة التي تسم العلاقات الأميركية– التركية في السنوات الأخيرة، ولا عن بروباغندا الحكومة بشأن “تآمر” الولايات المتحدة (والغرب) عليها كلما تعرضت لخضة. ففي أعقاب ثورة منتزه غزي في ربيع 2013، اتهم الإعلام الموالي الولايات المتحدة بتدبيرها ودعمها؛ وفي أواخر العام نفسه انفجر الخلاف بين أردوغان وغولن على شكل فضيحة فساد اتهم بها وزراء في الحكومة وابن الرئيس أردوغان بالذات. فاعتبرت إقامة غولن في الولايات المتحدة دليلاً على تورط الأخيرة في “عمل انقلابي” يستهدف الحكومة المنتخبة. وأخيراً كانت المحاولة الانقالبية الفاشلة داخل المؤسسة العسكرية، في تموز 2016، حيث اتهمت جماعة غولن بتدبيرها، والولايات المتحدة بدعمها.
هل هي مجرد مصادفة أن تقوم صحيفة “هرييت” بمحاورة مؤلف الكتاب عن أجويد، وتركز فيها على السيناريو “الشيطاني” الذي أطاح بحكومته، بعد أيام قليلة من انتقال ملكية هذه الصحيفة الأوسع انتشاراً، فيما سمي بصفقة القرن، من مجموعة دوغان الإعلامية إلى مجموعة أخرى معروفة بولائها الشديد للحكومة؟

إقرأ أيضاً