fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

مخيم اليرموك: “المقاومة” و”الممانعة” تدمّران عاصمة اللاجئين الفلسطينيين!

قبل أيام قليلة خرج اللاجئون الفلسطينيون المتبقون في مخيم اليرموك منه، في حادثة مأسوية أخرى، بعدما تعرضوا لقصف وحشي مشدد ومبرمج استمرّ أياماً (أواخر الشهر الماضي)، يفهم منه أن هذه العملية تتوخّى تدمير المخيم، ومسحه، وجعله غير قابل للسكن مجدداً، وذلك بحجة وجود مئات “الدواعش” فيه.

الجدير بالذكر أن هذا المخيم يعتبر عاصمة اللاجئين الفلسطينيين، إذ يسكنه حوالى 200 ألف لاجئ، بين مليون نسمة هم مجموع المقيمين فيه، وفي الأحياء المجاورة (الحجر الأسود والتضامن والتقدم وببيلا ويلدا) من فلسطينيين وسوريين. وطبعاً لا تتوقف المسألة عند عدد اللاجئين، فقط، وإنما تتعلق، أيضاً، بكون هذا المخيم مركزاً مدينياً متطوراً، يُقارَن بالعاصمة دمشق، نظراً إلى وجود عددٍ وافر من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والكتاب والمدرسين والعمّال المهرة، كما أنه مركز تجاري مهم، إضافة إلى كونه أحد أهم مراكز الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقها في منتصف الستينات.

الفكرة هنا، أولاً، إن هذا المخيم لم يكن الأول من نوعه الذي يخضع لتدمير على يد النظام السوري، أو بمساهمة وتغطية منه، إذ حدث ذلك قبل ظهور “داعش”، وأي من أخوته، بل وقبل اندلاع الثورة السورية. ولنتذكر أنه بتغطية من هذا النظام بالذات دُمِّر مخيما تل الزعتر وضبيه في بيروت (1976)، وبدعم وتغطية سياسية وعسكرية منه قامت “حركة أمل” الموالية له، بشن حرب وحشية، دامت ثلاثة أعوام (في منتصف الثمانينات)، على مخيمات بيروت (برج البراجنة وصبرا وشاتيلا)، بحيث تم تدمير أجزاء واسعة منها. وعام 2007 تم تدمير مخيم نهر البارد وإجلاء سكانه بدعوى وجود حركة “فتح الإسلام”، التي كانت ولدت في أحضان النظام السوري، حتى أن زعيمها شاكر العبسي اختفى في ظروف غامضة بعد تلك الحرب، واختفت معه آثار حركته، بطريقة تثير تساؤلات كثيرة، على نحو حوادث مماثلة، في سوريا ولبنان والعراق، لا مجال لذكرها هنا (مثلاً قصتا ميشال سماحة في لبنان وأبو القعقاع في حلب).

ثانياً، هذه الذريعة (داعش) كانت حاضرة منذ بداية الصراع السوري، وهي ذاتها بمثابة ذريعة متنقلة في كل مكان، بوجود هذا التنظيم أو غيره، فمنذ بداية حصار المخيم، إثر دخوله من قبل جماعات مسلحة وسيطرتها على المخيم وجواره، في عملية سريعة ومثيرة للريبة والشك، بعد قصفه بطائرة الميغ (17/12/2012)، التي أنكرها النظام وحلفاؤه، تم تبرير ذلك بدعوى أن ثمة أفغانيين وشيشان فيه، حتى على لسان قادة في تنظيمات فلسطينية يسارية وضعت نفسها في خندق النظام، باعتباره القلعة الأخيرة للمقاومة والممانعة!

ثالثاً، المشكلة أن لا أحد يسأل كيف دخلت جماعات “داعش” إلى المخيم، في حين أنه محاصر من كل الجهات، ومغلق تماماً، منذ صيف 2013، أي منذ خمسة أعوام؟ ولا أحد يسأل من أين يأتي التموين لهذه الجماعات والذخيرة والسلاح؟

رابعاً، لعل أكثر ما يؤلم ويبعث على المرارة والشعور بالخذلان بين فلسطينيي سوريا، هذا الإنكار لمعاناتهم وعذاباتهم من قبل فلسطينيين آخرين في الضفة وغزة والأردن ولبنان وفلسطينيي 48، ومن قبل مثقفين يروّجون إلى أن ما يحصل هو بسبب شيشان وأفغان، علماً أن فلسطينيي سوريا لم يقصّروا يوماً ودفعوا النفس والنفيس في سبيل قضيتهم وتمسكهم بهويتهم وفي سبيل صعود حركتهم الوطنية.

خامساً، السؤال المسكوت عنه هنا هو: إذا كان نصيب مخيم اليرموك، بكل دلالاته، التاريخية والبشرية والسياسية والرمزية، التدمير، بسبب وجود عشرات أو مئات الإرهابيين، على افتراض أن ذلك صحيح، فما الذي يمكن قوله لإسرائيل إذاً، في حال قامت بمثل هذا العمل إزاء أي مخيم؟ وهل يمكن تبرير تدمير مخيم اليرموك وتشريد سكانه بسبب هذه الحجة الواهية؟

من نافل القول، طبعاً، التذكير هنا بأن من لا يرى، أو لا يريد أن يرى، مأساة الشعب السوري، وضمن ذلك تشريد ملايين السوريين، وقتل مئات الآلاف منهم بالقصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة، وتدمير عمران أحياء كاملة في مدن كثيرة، لن يهمه، أو لن يرى ما يحصل في مخيم اليرموك. ومن الواضح عند هؤلاء، أن المهم هو القضية، أو عدّة “الشغل”، وليس البشر، أو حيوات الناس، ومعاشهم، ما يفسر وقوف هؤلاء مع نظام استبدادي، حوّل الجمهورية إلى نظام وراثي، وصادر حرية شعبه، وامتهن حقوقه، بدعوى المقاومة والممانعة، واختصر الوطن والوطنية في شخص الرئيس، الذي حكم وأبوه منذ أكثر من نصف قرن، لا سيما أن هؤلاء لا يرون البتة الشعار المهين: “سوريا الأسد إلى الأبد”، ولا أجهزة المخابرات التي مرمطت الفلسطينيين، وفصائلهم، وقياداتهم، مثل الضابطة الفدائية، وفرع فلسطين.

هؤلاء أيضاً، تناسوا أن هذا النظام “الممانع” و”المقاوم”، مسؤول عن سقوط هضبة الجولان، وعن هزيمة حزيران (1967)، وعن التلاعب بقضية فلسطين، وتوظيفها كورقة للمساومة على وجوده، وكورقة لابتزاز الأنظمة الأخرى والمزايدة عليها، ناهيك بتدخلاته في الشؤون الفلسطينية، وتشكيله فصائل موالية.

باختصار إن تدمير مخيم اليرموك يفضح، في ما يفضح، خواء فكرة “المقاومة” و”الممانعة”، كما أنه يفضح السر الذي يقف وراء اعتبار إسرائيل أن هذا النظام هو أفضل لها من أي نظام آخر، بعد أن اختبرت أدواره المختلفة، التي صبت كلها في خدمتها، وحراسة حدودها واستقرارها، وضمن ذلك يأتي تدمير المخيمات، مع ما يعنيه ذلك لها من تدمير للشاهد على النكبة، وتدمير حق العودة، علماً أن ذلك كله يحصل باسم المقاومة والممانعة! المهم هل يفهم بعض الفلسطينيين من المحسوبين على تيارات اليسار والمقاومة والممانعة ذلك؟ أو ما الذي سيتبقى لهم من قضية اللاجئين وحق العودة مع نظام مثل نظام الأسد، علماً أن الفصائل الموالية لنظام الأسد سكتت تماماً عن عملية تشريد اللاجئين الفلسطينيين في العراق وطردهم، التي كان قام بها نظام مقاومة وممانعة آخر؟

إقرأ أيضاً