fbpx

هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

حسين قتل محمد بسكين … فما هي قصة جرائم السكاكين؟

افتتح محمد زهر (25 سنة) قبل أشهر محلاً صغيراً في حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية، ووضع فيه طاولات ومقاعد بلاستيكية، مع معدات بسيطة لتحضير القهوة والعصائر. تتوسط محله شاشة صغيرة كان يجلس مقابلها شبان الحي لمشاهدة مباريات كرة القدم وهم يدخنون النرجيلة.

هذا المحل أمضى محمد أشهراً وهو يجمع أموال إنشائه، إلا أن المحل البسيط جداً بمظهره، والذي كان يؤمن ما بين الأربعين إلى الخمسين دولاراً مردوداً يومياً له، تحول إثر نتائج مباراة لكرة القدم إلى مسرح جريمة، وسيبقى مغلقاً إلى أجل غير مسمى.  

فمحمد المتحمس لفريق البرازيل تعرض لطعنة قاتلة أودت به من قبل مشجع لفريق ألمانيا وهو حسين بريطع الذي بلغ السابعة عشرة قبل أشهر، بعد شجار حول نتائج المباريات وانحياز كل منهما لفريقه. كسرت الواجهة الزجاجية في محل أحمد خلال الحادثة.

أما السكين التي قُتل بها محمد، فهي “مطوة”، ولا تشبه السكين التي تُستخدم في الطبخ. هذا النوع من السكاكين متوفر في المتاجر التي تبيع المعدات الحربية وهي منتشرة بكثرة في الضاحية الجنوبية.

محمد وحسين يسكنان في المبنى نفسه في حي الجامعة وهو شارع يحاذي الجامعة اللبنانية الواقعة في حي السلم، والذي تسيطر عليه كما بقية الأحياء في حي السلم العشائر البعلبكية، والتي بدورها تخضع لولاءات “حزب الله” و”حركة أمل”.

لم تكن العلاقة بين القاتل والقتيل وطيدة، إلا أن القاسم المشترك بينهما، أنهما عاشا طفولة صعبة، فالوضع المعيشي للعائلتين متواضع جداً وهو ما انعكس في حصولهما على تعليم محدود، وانتقالهما إلى العمل نتيجة ظروفهما المعيشية الخانقة.

تغيب الدراسات المختصة بشق الجرائم والبحث عن أسباب اختيار المجرم أدوات معينة دون غيرها في ارتكاب الجريمة. فجرائم الطعن بالسكين، قُرع جرس الإنذار حولها في المملكة البريطانية المتحدة

القاتل، حسين بريطع، من عائلة محافظة دينياً، ووالده سائق أجرة. وبحسب مجريات مثل تلك الجرائم، يبدو أن حسين سيمضي الأشهر المقبلة في الإصلاحية ريثما يصل إلى سن الثامنة عشرة، ليحال إلى السجن، وتباشر محاكمته، وقد يمضي أكثر من عشر سنوات في السجن، وفقاً للأحكام القضائية المتعلقة بالجرائم من الدرجة الأولى.

الجريمة، ألحقت ضرراً بالغاً في نسيج عائلتين يقطنان في المبنى نفسه، فجريمة القاتل ومستقبله الذي بات خلف قضبان السجن سبب صدمة ونكسة كبرى لعائلته. فوالدته وهي سيدة خمسينية، باتت مرغمة الآن على الاعتياد على زيارة ابنها دورياً في السجن. أما عائلة الضحية فتعيش فجيعة الخسارة بكل آلامها.

ركز الإعلام اللبناني على خلفية الانقسام بشأن كرة القدم كدافع للقتل فيما تم إغفال أداة الجريمة. فقد شهد لبنان في العامين الماضيين الكثير من جرائم القتل التي نفذت بوسائل مختلفة، ولكن عام 2018، برزت حالات قتل متعددة نفذت كلها طعناً بالسكين.

فبعد أيام من مقتل المشجع البرازيلي، وجد سليمان الأتات مذبوحاً بالسكين، في محلة برج البراجنة، وفي منتصف شهر حزيران/يونيو طعن حسين رحال زوجته دعاء الحرز بالسكين.

تغيب الدراسات المختصة بشق الجرائم والبحث عن أسباب اختيار المجرم أدوات معينة دون غيرها في ارتكاب الجريمة. فجرائم الطعن بالسكين، قُرع جرس الإنذار حولها في المملكة البريطانية المتحدة، إذ مع نهاية شهر نيسان/ابريل الماضي، لفتت صحيفة “ذي صن” أنظار البريطانيين إلى الارتفاع المخيف في إقبال المراهقين على ارتكاب جرائمهم بأداة السكين، وشبهت الصحيفة تلك الظاهرة، بما خلفته ظاهرة انتشار الأسلحة الخفيفة، ورعونة القوانين في الولايات المتحدة، في لجم الظاهرة بعد زيادة عمليات القتل المنفذة بالمسدسات في المجتمع الأميركي.

وفي دراسة نشرها موقع “الجريمة والعدالة” البريطاني، إضاءة على الجريمة المنفذة بالسكين. يقول الموقع إن هذا النوع من الجرائم يكثر في مجتمعات تعاني من تدنٍ في المستوى المعيشي، فبينما يستخدم أبناء المدن المتطورة المسدس، يلجأ أبناء الأحياء الداخلية الفقيرة إلى وسيلة السكين. حتى أن حيازة السكين بالجيب كما توضح الدراسة، تدل على الخوف من الآخر والتأهب لردعه، كما تمنح السكين حاملها شعوراً الأمان.

“عدم المساواة وعدم توفر الفرص والفقر والحرمان (النسبي)، الذي يعيشه أبناء الأحياء المهمشة، تسبب إحباطاً في التطلعات”. وتضيف الدراسة، عند التفكير بجريمة السكين، نحتاج إلى فهم سياق حياة الشاب. المنطقة التي يعيش فيها، والمدرسة التي ذهب إليها، طبيعة علاقته مع عائلته وتربيته والواقع الاجتماعي والمادي، ولماذا كشف نفسه للأجهزة القضائية كمشروع للمحاكمة، فالسكين تاريخياً أداة أساسية في تشكل العصابات التي تفرض نفوذها في الأحياء الفقيرة.

كادت طعنة سكين بريطع تسبب سلسلة من الثارات بين العائلتين، إلا أن تسارع الأحداث اللبنانية، ووقوع جرائم أخرى بعد أيام قليلة من جريمة حي السلم، أديا إلى تراجع صدمة مقتل محمد زهر إعلامياً. ولكن، لولا تدخل “حزب الله” الذي يحكم سيطرته على العائلات في الضاحية، وقيامه بتطويق ردود أفعال عائلة القتيل، كان سيضع اللبنانيين أمام نزاع ثأري إثر قيام أفراد من عائلة زهر بتهديد عائلة القاتل بالثأر لدم قتيلها.

فخروج ردود الأفعال عن الخطوط الحمر، كان سيجبر أبناء الضاحية الجنوبية على استعادة لحظات سيئة عايشوها مع صراعات عائلية دموية استمرت سنوات، كالنزاع بين عائلة الزغدراني الجنوبية بوجه آل زعيتر البقاعية، إضافة إلى النزاع المسلح الذي دام سنتين بين عائلة حجولة وآل زعيتر في منطقة الليلكي في الضاحية أيضاً، والذي تخلل بعض فصوله، استخدام قذائف واستهداف متعمد لمحطة وقود تعود لآل حجولة بالرصاص الحي.

لطالما عاشت الضاحية الجنوبية ببيروت على ضفة جريمة تقع وسط مشهد اجتماعي معقد، لا يقتصر على حقيقة سيطرة حزب الله على هذه المنطقة.

الضاحية هي احدى الخاصرات الاجتماعية الرخوة، وفيها يمكن اختبار العنف باشكاله المختلفة، وقصة غياب الدولة وضعف القانون مولدة لمآس موازية لتلك المأساة المتمثلة في عيش المنطقة خارج كنف دولة تضبط نزاعاتها الصغرى..

 

إقرأ أيضاً