هنا القصة الثالثة

يوسف بزّي

مقالات الكاتب

محمد صلاح يخرج من الملعب دامعاً.. وغضب وخوف في مصر

إنفجر غضب المصريين واعتراهم القلق إثر تعرض اللاعب محمد صلاح (25 عاماً) لإصابة مؤلمة في الكتف، بعد مرور نصف ساعة من المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، التي جرت مساء السبت بين فريقي نادي ريال مدريد الإسباني ونادي ليفربول الإنكليزي، في العاصمة الأوكرانية كييف.

في الدقيقة ثلاثين خرج نجم ليفربول والمنتخب المصري باكياً من الملعب، بعد احتكاك عنيف مع المدافع الإسباني وقائد ريال مدريد سرجيو راموس، أدى إلى خلع في كتفه.

وإذ أدركت جماهير ليفربول أن خروج محمد صلاح سيقلب مجريات اللعبة، بافتقادهم لهدّاف الفريق وأفضل لاعب في إنكلترا لهذا الموسم (44 هدفاً في جميع المسابقات)، وصاحب الرقم القياسي في تاريخ ليفربول بمسابقة أبطال أوروبا (10 أهداف بموسم واحد)، إلا أن الشعب المصري كان أكثر انفعالاً وتأثراً لما أصاب “بطلهم القومي” ونجمهم الكروي وفخرهم الوطني. فما أن تمدد صلاح متألماً على أرض الملعب حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي غضباً وسخطاً على سرجيو راموس، فانصبت اللعنات والشتائم على اللاعب الاسباني، المعروف بتدخلاته القاسية والعنيفة (نال أكثر من 24 بطاقة حمراء، رقم قياسي)، فيما عبّر الآخرون عن تعاطفهم مع “الفرعون”، وخوفهم من تأثير إصابته على مشاركته في مونديال روسيا، هذا الصيف. وإذ بالغ البعض بالتعبير عن أن الحادثة “مدبرة” أو هي “مؤامرة”، إلا أن بعض المعلّقين الرياضيين أكدوا أن راموس تعمّد الخشونة، فقد أمسك اللاعب الإسباني بقوة بيد صلاح وسحبه مشتركاً معه في الوقوع على الأرض فوقه، بضغط هائل على الكتف.

 

لا شيء أكثر كابوسية بالنسبة للجمهور المصري، وللكثير من الجماهير العربية، من غياب محمد صلاح عن “الكتيبة” المصرية في مسابقة كأس العالم. فهذا اللاعب، الذي بات رمزاً للأمل في بلد مصاب بالاحباطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبات يمثل روح الشباب المتوثب لتحقيق النجاح والشهرة

 

كان سرجيو راموس قائد الريال وقلب دفاعه، يتولى مسؤولية تكتيكية واضحة، هي إحباط هجمات صلاح والحدّ من خطورته، ومنعه من دخول منطقة الجزاء أو الاقتراب منها. وكانت واضحة في النصف ساعة الأولى سيطرة لاعبي ليفربول على المباراة واستحواذهم على الطابة وخلقهم لفرص خطيرة واقترابهم من تحقيق أولى أهدافهم، وكان صلاح بدأ يشكل تهديداً جدياً على دفاعات الريال، لذا، تعمد راموس على الأرجح التدخل بقسوة ورعونة والالتحام العنيف باللاعب الأحب على قلوب جماهير “الحمر” (الريدز، ليفربول) وقلوب المصريين.  

لا شيء أكثر كابوسية بالنسبة للجمهور المصري، وللكثير من الجماهير العربية، من غياب محمد صلاح عن “الكتيبة” المصرية في مسابقة كأس العالم. فهذا اللاعب، الذي بات رمزاً للأمل في بلد مصاب بالاحباطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبات يمثل روح الشباب المتوثب لتحقيق النجاح والشهرة، والذي صار يحمل لقب “فخر العرب”، لم يُحرم فقط ليلة السبت المشؤومة من فرصة مساعدة فريق ليفربول “الريدز” في نيل كأس أبطال أوروبا، لكنه يواجه اليوم أسوأ ما قد يصيب لاعب كرة قدم: الحرمان من اللعب مع فريقه الوطني في أهم تظاهرة عالمية.

“جريمة” راموس أوجعت قلوب عشرات الملايين من المصريين والعرب، الذي وضعوا آمالهم الكبيرة على وجود صلاح لتحقق مصر إنجازاً في المونديال، أن تصل إلى الدور الثاني على الأقل بعد مرحلة المجموعات.

على الفور تحولت إصابة صلاح إلى قضية قومية في مصر، ومنذ منتصف ليل السبت، بدأت السلطات المصرية اتصالاتها بالفريق الطبي الذي يتولى علاجه. وبعد ساعات أعلن خالد عبد العزيز، وزير الشباب والرياضة المصري، عن توقعه أن يستغرق العلاج أسبوعين فقط. وكتب، على صفحته في فيسبوك، أن الاتصالات بين المنتخب الوطني المصري ونادي ليفربول أكدت أن إصابة صلاح هي “جزع فى أربطة مفصل الكتف”، وليس خلعاً في الكتف. كما طمأن المصريين أن صلاح سوف يكون ضمن تشكيلة الفريق المصري في كأس العالم.

وبدوره سارع الاتحاد المصري لكرة القدم في الإعلان، عبر “تويتر”، أن صورة الأشعة التي أجريت لكتف صلاح تبعث على التفاؤل بأنه سوف يتمكن من اللحاق بمنتخب الفراعنة مع انطلاقة المونديال. لكن في صباح الأحد، أعلن يورغن كلوب، مدرب ليفربول، أن إصابة صلاح “خطيرة” قائلاً: “لا يبدو الأمر جيداً.. هذا هو الحال”.

ستظل الشكوك حول مشاركة “مو” (وفق تسمية الإنكليز له) في المونديال قائمة لأيام عدة، قبل أن يتأكد الفريق الطبي من نوعية الإصابة ومدى خطورتها وسرعة الاستجابة للعلاج. لكن، حتى ولو كان صلاح جاهزاً للعب في الوقت المناسب، سيبقى التساؤل قائماً حول استعادته الكاملة للياقته البدنية والذهنية والنفسية.

حالة “الفرعون المصري” شديدة الأهمية على مجمل أداء المنتخب المصري ومعنوياته. لقد قاد صلاح هذا المنتخب في التصفيات المؤهلة للمونديال، وساعد على نحو حاسم في نيل بطاقة التأهل لمصر بعد غياب عن بطولة كأس العالم استمر 28 عاماً، فتألق هذا اللاعب وتواضعه وابتسامته الدائمة وحبه لأهل بلده وارتباطه العاطفي بأبناء بلدته بسيون، وأهالي قرية نجريج التي نشأ فيها، وسخاءه عليهم، جعله “أيقونة” في أعين المصريين.

في هذا الموسم، تحول “ملك مصر”، كما يلقبه البعض، إلى ظاهرة كروية. إذ ليس هيناً على أي لاعب أن يبرز ويتألق في الدوري الإنكليزي الصعب والشاق. وليس هيناً على الإطلاق كسر أرقام قياسية في الدوري الأعرق بالعالم. ما كان أحد من متابعي هذا اللاعب يتوقع انفجار مواهبه إلى حد مقارنته بليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو. نال لقب أفضل لاعب في إنكلترا بعد تسجيله 32 هدفاً في الدوري، و44 هدفاً في مختلف المسابقات.

وعلى الرغم من أنه يلعب عادة كجناح أيمن وليس رأس حربة، تحول إلى أخطر مهاجم في الملاعب الإنكليزية. حيويته وسرعته وذكائه في اتخاذ القرار، ومهاراته في التمرير والمراوغة، وشراسته في اقتحام منطقة الجزاء بل وضراوته في اختراق الدفاع وتسجيل الأهداف، جعلت منه اللاعب الأساسي الذي يعتمد عليه المدرب يورغن كلوب في حسم نتيجة أي مباراة.

في كل مباراة لعبها مع “الحمر” كان جلياً للآخرين أنه لاعب لا يمكن إيقافه. ربما لهذا السبب، اضطر سرجيو راموس أن يقترف اعتداءه المشين، لينهي محمد صلاح موسمه الباهر مبللاً بالدموع.

 

 

إقرأ أيضاً