fbpx

هنا القصة الثالثة

بكر صدقي - كاتب سوري متخصص بالشأن التركي

مقالات الكاتب

محاكمة القس برونسون ترفع منسوب التوتر بين واشنطن وأنقرة

هدد كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونائبه مايك بنس، تركيا بفرض عقوبات قاسية عليها ما لم تطلق سراح القس الأميركي أندرو برونسون الذي يحاكم أمام إحدى المحاكم التركية. وجاءت هذه التهديدات بعد قرار المحكمة بوضع القس في إقامة جبرية في بيته، بدلاً من السجن، إلى حين صدور الحكم عليه. مع العلم أن المحكمة نفسها كانت قد رفضت، قبل أسبوع واحد، طلباً لمحامي برونسون بإخلاء سبيله ومحاكمته طليقاً.وهذا ما قد يشير إلى مساومة سياسية تجري بين حكومتي البلدين لم تتحول، بعد، إلى صفقة ناجزة. ففي أحد خطاباته، قبل أيام، قال الرئيس التركي، في إشارة إلى كل من القس برونسون والداعية الإسلامي التركي فتح الله غولن الموجود في الولايات المتحدة، والمتهم بالتورط في المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 تموز 2016: “هات القس، خذ القس” أو قس مقابل قس!

مع أن الحكومة التركية طالما تذرعت باستقلال القضاء في تركيا كلما طالبتها السلطات الأميركية بإطلاق سراح برونسون. لكن تجربة الصحفي الألماني من أصل تركي “دنيز يوجل” الذي أطلق سراحه، قبل أشهر، بقرار سياسي تجاوز المحكمة، في إطار صفقة مع الحكومة الألمانية، تغري الأميركيين بتكرارها في حالة القس برونسون. لكن الفارق هو صفقة بين تركيا وألمانيا أنقذت يوجل، في حين يريد الأميركيون إنقاذ برونسون بالتهديدات.

لا أحد يعرف ما طلبه الأتراك من الأميركيين مقابل برونسون، باستثناء تصريح أردوغان المذكور، أي تسليم فتح الله غولن للسلطات التركية، وهو ما سبق لواشنطن أن رفضته مراراً بدون وجود أدلة واضحة على تورطه في المحاولة الانقلابية. هناك تكهنات تقول إن تركيا تطالب بمدير “بنك الشعب” الحكومي هاكان آتيلا الذي يحاكم في نيويورك بتهمة تبييض أموال لصالح إيران وخرق الحصار الاقتصادي عليها في السنوات السابقة. فهذا الشخص يهم الحكومة التركية أكثر من فتح الله غولن الذي تم استئصال شبكته في تركيا، بواسطة التطهيرات في جهاز الدولة التي شملت عشرات الألوف، ولن تشكل إعادته إلى تركيا أكثر من قيمة رمزية. بل إن معارضي الحكومة يذهبون إلى أبعد من ذلك بالقول إن في تلك الإعادة، إذا حصلت، وما سيليها من محاكمة، مجازفة من قبل الحزب الحاكم، إذا أفشى غولن بكل ما لديه من معلومات عن علاقته مع الحكم حين كان حليفاً له.

القس برونسون

بالمقابل، تخشى الحكومة أن يفضي آتيلا بما لديه من معلومات، أمام المحكمة الأميركية، عن ضلوع محتمل لأركان الحكم في معاملات مالية مشبوهة لها علاقة بتجارة النفط الإيراني مقابل الذهب التي كانت الوسيلة لخرق العقوبات المفروضة على إيران.

ولكن ما هي قصة القس البروتستانتي، وما التهم الموجهة إليه؟

مضى على إقامة برونسون وعائلته في تركيا 23 عاماً. جاء الرجل المنتمي إلى الكنيسة الإنجيلية إلى مدينة إزمير حيث أقام كنيسة باسم “القيامة” اتخذها مركزاً لنشاطه التبشيري. وعلى رغم مرور هذا الزمن الطويل، كانت نتيجة عمله التبشيري متواضعة جداً، فقد تراوح عدد أتباع كنيسته بين 25 – 40 شخصاً. ولم يسع برونسون إلى الحصول على الجنسية التركية، فظل يجدد إقامته من إدارة الهجرة بشكل دوري. وهو ما يعني أنه لم يخرج عن إطار الرقابة الحكومية في تركيا، فقد كان بإمكان السلطات أن تمتنع عن تجديد إقامته أو منحه الفيزا، كلما عاد إلى تركيا بعد زياراته السنوية إلى بلاده.

كل ما حدث للقس برونسون، حدث بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، في تموز 2016، ببضعة أشهر. واستند توقيفه إلى شهادات شهود سريين ترد أسماؤهم في محاضر المحكمة على شكل رموز (“دعاء” و”نار” و”نيزك”) طرحوا مزاعم خطيرة بحق المتهم بقدر ما هي عجيبة، انعكست في مطالعة الادعاء على شكل اتهامات من النوع الذي نقول عنها إنها “لا تنزل في قبان”. فيما يلي عينات من تلك المطالعة التي لم تصدر إلا بعد 18 شهراً من توقيف برونسون:

“النية في تقسيم تركيا إلى عدد من الأجزاء، تحت المظهر المخادع للتبشير الديني، وإعطاء منظمة فتح الله غولن الإرهابية القسم الصغير المتبقي”

“إقامة صلات سرية مع مسؤولين في مواقع قيادية في منظمة غولن الإرهابية، وإقامة أنشطة بالتنسيق مع أعضاء في منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية، بهدف فصل إحدى المجموعات الإثنية من الجمهورية التركية، والعمل على توجيهها وقيادتها لتحقيق غايات محددة”.

وقد زعم أحد الشهود السريين أن برونسون أراد إقامة دولة كردية مسيحية. ولتحقيق هذه الغاية كان يعمل على تنصير حزب العمال الكردستاني. في حين زعم شاهد آخر أن برونسون قد وضع على مقاعد الكنيسة لافتات كتب عليها “يمنع جلوس الأتراك”. وتنسب مطالعة الادعاء إلى برونسون رسالة أرسلها من هاتفه المحمول يعبر فيها عن خيبة أمله بفشل المحاولة الانقلابية.

هناك رواية أخرى عن صفقة محتملة على مصير برونسون، تتحدث عن اتفاق الرئيسين أردوغان وترامب، على هامش قمة حلف الأطلسي في بروكسل 11-12 تموز، على إطلاق سراح برونسون مقابل إطلاق سراح موقوفة تركية لدى السلطات الإسرائيلية متهمة بـ”التآمر مع منظمة حماس على أعمال تشكل خطراً على أمن دولة إسرائيل”.

وبالفعل أطلقت إسرائيل سراح الناشطة التركية “أبرو أوزكان” في 15 تموز بناء على طلب خاص من الرئيس الأميركي، كما يقال، وتم ترحيلها إلى تركيا.

من المحتمل، إذا صحت الرواية الأخيرة، أن الطرف التركي أراد إضافة شروط جديدة إلى صفقة برونسون مقابل أوزكان، فنقل القس الأميركي إلى الإقامة الجبرية بدلاً من إطلاق سراحه وترحيله إلى الولايات المتحدة، بقصد ابتزاز الأميركيين. وهذا ما فجر الفصل الجديد من التوتر بين واشنطن وأنقرة المنذر بمخاطر كبيرة.

اقرأ أيضاً: روسيا تختبر نفسها نووياً في تركيا

إقرأ أيضاً