fbpx

هنا القصة الثالثة

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

متى نستبق قتلة النساء؟

كنا جالسين على الأرض في غرفة صغيرة معتمة، نظر إلي بعينيه الضيقتين وسحب نفساً طويلاً من سيجارته وقال،” قلتلها رح أقتلها. ما قالتْ شي، طلبتْ تشربْ مي. شربتْ وقرأتْ الشهادة وبعدين ذبحتها”.
لنْ أنسَ ما حييت وجهَ صاحب هذه الجملة.
التقيتُه قبل سنوات ٍطويلة، وتحديداً عام ٢٠٠٠ في سياق عملي على انجاز وثائقي عن جرائم قتل النساء في الأردن. زرتُ محمد في منزله في ضواحي عمان، حيث كان يعيش مع زوجته وأولاده بعد أن سجن لأشهر قليلة، ثم خرج مستفيداً من العذر المخفف، وهو مظلة قانونية لقاتلي النساء بذريعة الشرف، كي يخرجوا من السجن سريعاً.
ومحمد قتل شقيقته التي تعرضت لاعتداء جنسي، من قبل شقيق ثان ٍهرب من المنزل، فكان أن تحملت الفتاة التي لم تتجاوز السادسة عشرة وزر الاعتداء، فقرر الشقيق الأكبر قتلها وهذا ما حصل فعلا. سُجنَ محمد فترة قصيرة، ثم عاد إلى زوجته وعائلته وعمله واستأنف عيشه.
حين كان يخبرني محمد بما ارتكبه، كانت زوجته تجلس معنا من دون أن تنبس بكلمة، لكن الأهم أن ولديه، وهما صبي وفتاة، ولم يكونا حينها قد تجاوزا العاشرة، كانا جالسين في زاوية قريبة بصمت يستمعان لكل تفاصيل الحكاية.
سألتُ نفسي حينها عما يمكن أن يرسخ في عقل طفل وطفلة، يصغيان إلى أبيهما يروي كيف قتل شقيقته المراهقة!
أيُّ قيمٍ ومعانٍ وأدوارٍ اجتماعية يقترح عليهما!
الأرجح أن استمرار جرائم قتل النساء هو الجواب الواضح لتساؤلي آنذاك.
حين قابلتُ محمد، كانت الأردن تتبوأ صدارةَ الدول التي تُرتكب فيها جرائمُ قتل النساء في المنطقة العربية، حالياً، يدخلُ لبنان باب المنافسة الدامية هذه وبقوة. فخلال، أقل من شهرين قتلت ٨ سيدات لبنانيات على يد أزواجهن. كان يمكن ان يكون العدد تسعة، لكن سارة نجت من الموت. وسارة امرأة لبنانية شابة، خاضت شجاراً قبل أيام مع زوجها، فما كان منه إلا أن استل سكيناً ووضعه على النار ليجعله حامياً، ثم طعن سارة عدة طعنات.
سارة نجت من الموت، لكن هل ستسامح زوجها!
هذا ما يحصل مع كثير من السيدات اللواتي يتجاوزن العنف والاساءة إما استسلاماً أو ضغطاً من قبل العائلة، ويعدن الى كنف الزوج العنيف. فالعنف مقبول ومباح اجتماعياً ودينياً، لكن الويل والثبور لأي امرأة قررت أن تنتفض.
في المنطقة، لا يزال قتل النساء شأناً غير ذا بال. وهنا في لبنان، صحيحٌ أن مساحات التعبير والحرية فيه عالية نسبياً، لكن حين يتعلق الأمر بحقوق النساء نصبح في موقع آخر، وهذا ليس من دون دلالة. وفي هذا السياق، طلب وزير الاعلام اللبناني ملحم رياشي قبل أيام من الصحافة عدم “المبالغة”، في تصوير الجرائم التي تحصل، لأن ذلك ينفر السياح من لبنان. لا ألوم الوزير الذي تذمر من الاعلام واعتبر أنه “يبالغ” في تصوير الجرائم، فهو يدرك أن الجدار الطائفي والديني قوي في بلادنا، وبإمكانه أن يقتل المزيد من النساء ومن دون  كسر هذا الجدار، فلن تكون سارة، وكثيرات غيرها بمأمن، وإلى أن يحصل ذلك، علينا أن لا ننفر السياح بمآسي نسائنا وأوجاعهن..
نعم، ستتجيش الصحافة ضد قتل النساء، وسيترافق ذلك مع موجات غضب على السوشيال ميديا، وتسير تظاهرة وربما أكثر، لكن وماذا بعد؟ الجميع يتضامن مع الضحية بعد تسليمها الروح، لكن ما قيمة الدعوات التي تتصاعد بعد كل جريمة لضرورة “نصب المشانق” او تسليح النساء للدفاع عن انفسهن..
هل هذا هو الحل!
هل علينا أن ننتظر حتى تقتل النساء كي نرفع الصوت. سارة لم تمت، لكنها مرشحة لأن تكون ضحية دائمة، وكم من سيدة وفتاة تعيش موتها الخاص، الذي يحاصرها من خارج ضجيجنا. فالمرأة غير متساوية في الحقوق مع الرجل، وهي غالباً لا تملك استقلالاً اقتصاديا ولا حتى اجتماعيا، وهي مطاردة بقوانين أحوال شخصية ترتكز إلى المقدسات، التي تمنع عنها حرية امتلاك قرارها وجسدها وحريتها.
من يراقب بلداننا التي تغرق في حروب أهلية كثيرة، يشعر أن هذه البلاد تعيش حرباً موازية على النساء، قتلا واغتصاباً وسبياً وفرضاً للقيود على العيش واللباس والحركة والعيش.
لحظة قتل المرأة هي ذروة مسار الاجحاف السياسي والاجتماعي، الذي لم تنجح لا الأنظمة ولا المجتمعات العربية، ما خلا تونس، من تغييره، وما كشفته الوقائع هو أن المرأة في صلب حروبنا الأهلية وجزء من الإنقسام المذهبي، والمشاعر التي تُشحن فيها مجتمعاتنا حيالها، لطالما ولّدت من المآسي ما يرقى إلى المآسي الموازية التي خلفتها الأنظمة.
من دون مواجهة لجذر المشكلة، في قوانين الأحوال الشخصية وفي ثقافتنا الدينية والمجتمعية، سيبقى قتلة النساء أسرع منّا.

إقرأ أيضاً