fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

متحف بيروت للحرب الأهلية مسكون بالأرواح

من خلال النظر إليه من بعض الزوايا، يُظهر البيت الأصفر إعادة صياغة للأناقة العثمانية من خلال أقواسه العالية وشرفاته المرتفعة المطلة على حي من الأبنية العالية. من زوايا أخرى، يبدو بمنظر بشع، فجدرانه المهترئة المصنوعة من الحجر الرملي مملوءةٌ بطلقات الرصاص، ومحفوظة من الانهيار بواسطة عوارض من الصُلْب الرمادي. من المفترض أن يكون رمزاً للذكرى والمصالحة. يقول سعد يوسف ، “إذا اعتقد المهندسون أن هذا المبنى شُيد كي يمثلُني فإنهم مخطئون، إنه قبيح. يجب أن يُهدم”. إلا أن صديقه مصطفى خطيب اختلف معه قائلاً، “يجب أن يبقى، فاللبنانيون بحاجة إلى رؤيته في كل يوم، لتذكر ما فعلوه”.
خلال الحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر عاماً في لبنان، سيطر المبنى على مفترق طرق عُرف آنذاك بـ “تقاطع الموت”, إذ حولت الميليشيات المسيحية التي احتلتذلك  المنزل إلى مركز للقناصة.
تم تمويل مشروع بيت بيروت بمنحة قيمتها 18 مليون دولار من السلطات اللبنانية والفرنسية، وشُيد كأول نصب تذكاري من نوعه: متحف وأرشيف ومركز مفتوح للزيارة، لإحياء ذكرى الحرب الأهلية التي ضربت البلاد. وقد دمجت عملية التجديد الهيكل الأساسي للمبنى في إطار زجاجي مليء بالضوء، مضيفة مساحة أرشيفية لمجموعة كبيرة من الوثائق التي يمكن للباحثين الاطلاع عليها وفحصها، ومساحة لبعض النباتات أيضاً.
داخل المبنى السكني القديم، يوجد بعض الأسقف السوداء المحروقة وحاجز من أكياس الرمل يقسم إحدى الغرف في الطابق الثاني. في المخابئ المؤقتة، واحدة منهم سابقاً كانت مقفلة تماماً بلا أية منافذ، ومدعمة بطبقة إضافية من الخرسانة، شُقت بعض الفتحات الصغيرة داخل الحجارة، لتسمح للقتلة برؤية الشوارع المحيطة. تركوا بعض الكتابة على الجدران أيضاً. واحدة منهم حملت كلمة “الجحيم”. لكن مسائل الذاكرة والعفو التي يأمل مؤسسو بيت بيروت في بثها ونشرها، هي أمور بعيدة عن التطبيق في بلدٍ لا يزال مقسماً بشدة ولازال مفتقداً لفهم عام لسنوات حربٍ لم يتم تدريسها في كتب التاريخ. ولا توجد حصيلة رسمية للقتلى، ولا تزال آلاف العائلات بدون إجابات عن مصير الأزواج المختفين أو الإخوة أو البنات.
يقول المهندس يوسف حيدر، المهندس المعماري الذي أشرف على التجديد “كانت الفكرة هي خلق مساحة تسمح أخيراً للناس بالتجمع، فلدينا الكثير من الآثار في هذا البلد. ولكل مجتمع شهدائه ونُصُبه التي يزورها عدة مرات في السنة محمّلاً بالزهور”. ولكن على الرغم من أن بيت بيروت مفتوحٌ رسمياً الآن مُذّ عدة أشهر، إلا أن الزوار نادراً ما يأتون، بل وتظل البوابة مغلقة لعدة أسابيع في كل مرة. ولا يزال يتعين على سلطة البلدية في المدينة تعيين لجنة إدارية أو تعيين موظفين، كما أن بعض الأجنحة لازالت مغلقة حتى أمام المهندسين المعماريين، بعد أن انتهوا من أعمالهم. بالنسبة لمؤيدي المشروع، تعكس التأخيرات عدم رغبة المؤسسة السياسية في استحضار تلك الذكريات المؤلمة. ويقول المكتب الثقافي للبلدية إن المبنى في “فترة انتقالية” بينما يضع المسؤولون إطاراً قانونياً لطريقة تشغيله.
امتدت الحرب الأهلية في لبنان لسبعة عشر عاماً بين عامي 1975 و199١، تصارعت خلالها الميليشيات الطائفية مع بعضها بعضاً، وقامت قوى خارجية بتغذية العنف. وفي نهاية المطاف، أمست بيروت مدينة محطمة، وحطمت الحرب النسيج الاجتماعي للبلد. حتى أنه لم تفلت أية مجموعة من مجازر تلك الحرب. يقول حيدر “إن الذين نفذوا الحرب ما زالوا في السلطة، وأتساءل عما إذا كانوا مستعدين لذلك (لرؤية ما جنت أيديهم من خلال هذا المتحف)”. وللحقيقة، فإن كبار أعضاء الحكومة الحالية، التي تعكس نظاماً طائفياً متوازناً بدقة، تم تشكيله من خلال اتفاق ما بعد الحرب، لهم صلات بالميليشيات المسيحية والإسلامية المتصارعة. يقول حيدر “هذا مبنى يروي القصة الحقيقية لما قمنا به”.
أصبح مبنى بركات، الذي يقع على أطراف وسط مدينة بيروت، موطناً للمسيحيين والمسلمين على حدٍ سواء، حيث خلّد العديد من وجوههم في الصور المتواجدة في استوديو الصور المُدمَر في الطابق السفلي.
شُيّد هذا البناء في عام 1924، وكانت العمارة المستخدمة هي ما جلبت الحياة لذلك المكان. صُممت بعض الشرفات ذات الأسقف العالية حول الفناء المركزي حتى يتمكن الجيران من الاتكاء والدردشة. وأطلت النوافذ الواسعة على تلك المدينة الصاخبة. وكانت هذه الإطلالة الرائعة هي ما جعل المبنى في وقت لاحق مكاناً قاتلاً، إذ منحت القناصة رؤية بانورامية واضحة.
لا تكاد المنطقة التي كانوا يستخدمونها تعرف عند رؤيتها اليوم. فقد دُمر قلب مدينة بيروت إلى حد كبير خلال الحرب، ولم تنجح مليارات الدولارات التي أنفقت على تجديده مقارنةً في القضاء على الفراغ الذي يحل عليه عندما يحل الليل. فقط في بيت بيروت تم الحفاظ على آثار الدمار عمداً. في قاعدة المبنى، لا تزال الحجارة مكدسة حيث دمر المحتلون الدرج السفلي لمنع المهاجمين من الدخول. وحافظت عوارض الصلب على السلامة الهيكلية في بعض الأماكن، موضحةً للعيان تلك الأماكن التي فُقدت فيها الحجارة الأصلية جرّاء القصف أو الرصاص أو الحريق. وتقول رينا سركيس، المحللة النفسية والباحثة في مجال الصدمات الناجمة عن الحرب اللبنانية: “على الرغم من أن الممتلكات في وسط بيروت مكلفة جداً بحيث لا يمكنك الاحتفاظ بالمئات من المباني لهذا الغرض، يمكنك أن تبقي على واحدٍ للتذكير بما حدث هنا”.
لازال من غير المؤكد الكيفية التي سيتم من خلالها استخدام المبنى في المستقبل. أعرب السكان الذين يقطنون البنايات المحيطة بالبيت، عن مزيج من الذهول والإحباط. وتقول نجاة مبارك، التي كانت تجلس في متجر عائلتها مُحاطة ببعض التماثيل الحجرية لملائكة، “لم توضع أي إشارات مناسبة تدلك على البيت”. وأضافت “إذا لم يتم الإعلان عنه على نطاق واسع، فكيف يمكن أن يكون له تأثير؟”. وكانت نجاة قد أرشدت ثلاثة سواح أجانب الى كيفية الوصول إلى بيت بيروت في وقت سابق من صباح ذلك اليوم. “جاءوا هنا يسألون عن البيت الأصفر، لذلك أرشدتهم بالتأكيد”. ثم تناولت خريطة سياحية حديثة، وفتشت في الصفحات عن بيت بيروت، ولكن لم توضع عليه علامة بعد.
وتقول سركيس، التي عملت بشكلٍ مكثف من خلال مبادراتها الخاصة لإعادة تأهيل الناجين من الحرب، غالباً ما تفشل مشروعات الأفراد والمنظمات، مثل المتحف، في كسب الدعم الجوهري من السياسيين. وتابعت، “بعد الحرب مباشرة، كان أول من عبر عنها هم الفنانون، وقد أنتجوا الكثير من الأعمال. ثم جاء بعد ذلك الصحافيون والكتاب والمؤرخون”. وأضافت “تكمن المشكلة فيما إذا أردت أن تأخذ عملك أو مبادرتك إلى مستوى مختلف، فعندئذ ستحتاج إلى قرارٍ سياسي وإرادةٍ سياسية”.
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع “واشنطن بوست” لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً