fbpx

هنا القصة الثالثة

حنان زبيس - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

“فتنة” أم ثورة تحرر :تقرير لجنة الحريات في تونس يثير الجدل

“وجب على الدولة القائمة بمؤسساتها أن تأتي بأعضاء فريق “بُشرى الشؤم” جميعاً في مكان عام وتقوم برجمهم حتى الموت لتطهرهم وتطهر البلاد من نجسهم تطهيراً”. هكذا علّق عادل العلمي، رئيس حزب تونس الزيتونة، المعروف بتشدده الديني، في تدوينة له على صفحته على “فيسبوك”. تتالت بعد ذلك محاولات التحريض ضد لجنة الحريات الفردية والمساواة.  

وكان قد صدر في 8 حزيران/يونيو 2018 تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة التي كان شكلها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي للنظر في مسألة المساواة في الإرث والحريات الفردية، سرعان ما أسفر نشر التقرير عن حملة واسعة شُنّت ضد اللجنة ورئيستها، بشرى بلحاج حميدة باتهامها بمحاولة تغيير نمط عيش التونسيين ومخالفة الشرع. وقد اعتبرت جمعيات دينية التقرير يتعارض مع الشرع وهو “مشروع انقلابي يتعارض مع نمط المجتمع”، إلا أن هناك قناعة لدى شريحة واسعة في تونس أنه لو تم أخذ مقترحات التقرير في الاعتبار فستتحقق ثورة ثقافية وحضارية مهمة في البلاد.

انقسام مجتمعي حول التقرير

تلقّف الرأي العام التونسي نتائج التقرير بانقسام كبير بين مستحسن للاقتراحات التي جاءت فيه ومستهجن لما تم اعتباره “مبادرة الفتنة”. وتوالت مبادرات المجتمع المدني المدافعة والمناهضة، وأصدرت 34 جمعية منضوية ضمن “التحالف المدني من أجل الحريات الفردية” بياناً أعربت فيه عن مساندتها تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة و “مقترحاتها اللافتة والمعززة للديمقراطية وللدولة المدنية”، على رغم تحفظها على عدم حسم اللجنة في بعض المسائل وأهمها مسألة المساواة في الإرث بفتح باب الاختيار للمُورّث.

اقرأ أيضاً: “الحرقة” أو الهجرة غير الشرعية في تونس: نزيف من الأرواح لا ينتهي….

على الجانب الآخر، تحركت الجمعيات الدينية المتشددة لمهاجمة التقرير وأعضاء اللجنة. في هذا الإطار، أعدت التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة، رداً مكتوباً جاء فيه أن مشروعي القوانين المقترحين “يستهدفان السلم الاجتماعي والأمن الثقافي للمجتمع التونسي”، وأن مبادرة رئيس الجمهورية تعدّ “مشروعاً مثيراً للفتنة وللصراع الاجتماعي”. واعتبرت التنسيقية أن للمقترحات الواردة في التقرير انعكاسات كارثية على المجتمع التونسي منها “السماح بحرية جنسية مطلقة وبالتالي الانغماس في الرذيلة وتعدد الخليلات”. وذهب عضو التنسيقية، نور الدين الخادمي الذي شغل منصب وزير الشؤون الدينية إبان حكم الترويكا (2011- 2013)، إلى اعتبار أن التقرير “يبيح الشذوذ ويلغي القوامة ويحرم المرأة من حقها الشرعي في النفقة”، داعياً ديوان الإفتاء إلى إصدار فتوى ضده. وتستند التنسيقية في موقفها إلى مبدأ أنه تم تغييب كل اختصاص شرعي ضمن لجنة الحقوق الفردية والمساواة وأن “أحكام الأحوال الشخصية تفصيلية في القرآن ولا مجال فيها للاجتهاد”.

حملة عشواء تم أيضاً شنها على رئيسة اللجنة، النائب بشرى بلحاج حميدة في وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في المساجد حيث تم التحريض ضدها ونعتها بأسوأ النعوت.

وتعتبر بلحاج حميدة، أن اللجنة قامت بالمهمة التي أنيطت بعهدتها على أكمل وجه وأن روح التقرير تندرج في إطار “تحقيق ما تم إدراجه في الدستور التونسي من ضمان لحقوق الإنسان والمساواة بين الأفراد وما التزمت تونس بتنفيذه من مبادئ في إطار الاتفاقيات التي صادقت عليها”. وتضيف “ما سعينا إليه هو تفعيل مفهوم المواطنة في بلد شهد ثورة وصياغة دستور جديد. فهل نريد اليوم تطبيقه أم سنتركه حبراً على ورق؟”.

أما في ما يخص الحملة التي تتعرض لها، فتقول بشرى بلحاج حميدة، أنها لا تهتم كثيراً بذلك، بخاصة أن الانتقادات التي وُجّهت إليها جاءت من “أناس يدّعون الإسلام ولا يتحلون بالخلق الكريم الذي يفترضه الدين الإسلامي، كما أن التهجم مبني على “جهل بمحتوى التقرير وليس على أساس الحوار ومقارعة الحجة بالحجة”.

مبادرة رئاسية

فكرة إنشاء لجنة الحريات الفردية والمساواة جاءت بمبادرة من رئيس الجمهورية، حيث أراد السبسي أن يقوم بخطوة إيجابية ليبرز من خلالها تفاعله مع الحوار المجتمعي الذي أطلقته بعض منظمات المجتمع المدني التقدمية حول مسألة المساواة في الإرث. كان اختيار توقيت الإعلان عن إحداث هذه اللجنة ذا مغزى، إذ اختار الرئيس تاريخ 13 آب/اغسطس 2017 وهو تاريخ الاحتفال بإطلاق مجلة الأحوال الشخصية في تونس (1956)، تلك المجلة التي أحدثت ثورة في تونس والعالم العربي بإلغائها لتعدد الزوجات ووقف العمل بحقّ الولي في إجبار المرأة على الزواج وتم فرض الطلاق القضائي. ولا يخفى طموح الباجي قايد السبسي بتخليد اسمه في التاريخ كما فعل ذلك الزعيم الحبيب بورقيبة من قبل.  

ضمت اللجنة أساتذة جامعيين مختصين في تاريخ الفكر الإسلامي والأنثروبولوجيا الدينية وخبراء في القانون والعلوم السياسية، إضافة إلى ناشطين مدنيين في مجال حقوق الإنسان. وتم تكليفها بإعداد تقرير حول “الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة استناداً إلى مقتضيات دستور 27 كانون الثاني/يناير 2014، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتوجهات المعاصرة في مجال الحريات والمساواة”. وأفضى التقرير إلى مقترحين لمشروعي قانونين أساسيين: الأول حول إحداث “مجلة الحقوق والحريات الفردية”، والثاني حول “القضاء على التمييز ضد المرأة وبين الأطفال”.

اقرأ أيضاً: “أسود البشرة وأفتخر”: بعد تجريمها قانونياً هل ستتمكن تونس من الحدّ من العنصرية؟

مقترحات ثورية

يمكن اعتبار ما جاء به التقرير من اقتراحات، “ثورياً”، إذ شمل إعادة تشكيل كاملة للرؤية السائدة حول مفهوم الفرد وعلاقته بالمجموعة من جهة، وحول بنية الأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة فيها، ثم علاقتهما بالأبناء، من جهة أخرى.

ففي مجال الحريات الفردية، انطلقت اللجنة من مبادئ الدستور وتحديداً الفصل 21 الذي ينص على أن “المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من دون تمييز، كما تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة”. كما اعتمدت في رؤيتها على مبدأ أن “السلم المجتمعي يفترض مجتمعاً متنوعاً ومتعدداً ولا يمكن لهذا المجتمع أن يكون كذلك ما لم يكن للفرد فيه مجال خاص به وفضاء فكري ومادي يسمح له بالتعبير عن خصوصيته تجاه المجموعة مهما كان نوعها”، حسبما جاء في التقرير.

تمّ تصنيف الحريات الفردية على أساس ضمان الحقوق التالية: “الحق في الحياة، الحق في الكرامة، الحق في الحرمة الجسدية، الحق في الأمان والحرية، حرية الفكر والمعتقد والضمير، حرية الرأي والتعبير، الحق في الحياة الخاصة، الحق في حماية المعطيات الشخصية، الحق في حرمة المسكن، الحق في سرية المواصلات والاتصالات، حرية التنقل والإقامة، حرية الفنون، الحريات الأكاديمية”.

ومن ضمن أهم المقترحات التي جاءت في التقرير في ما يخص الحريات الفردية، إلغاء عقوبة الإعدام وإلغاء تجريم المثلية الجنسية.

 

أما بالنسبة إلى مشروع القانون الثاني، المتعلق بالقضاء على التمييز ضد المرأة وبين الأبناء، فجاء استكمالاً لمجموعة النصوص التشريعية التي كرّست حقوق المرأة التونسية منذ إصدار مجلة الأحوال الشخصية في 1956 وذلك للقضاء على ما تبقى من أشكال التمييز ضدها، في إطار ما نص عليه الدستور التونسي عن المساواة الكاملة بين المواطنين، والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها تونس، وأهمها اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة (1979).

وفي هذا الصدد، طرحت اللجنة جملة من المقترحات من أبرزها: إلغاء نظام رئاسة الزوج للعائلة وتقاسم المسؤولية بين الزوجين في تسيير الأسرة وتربية الأبناء، وإلغاء واجب الإنفاق على الزوجة إذا كان لها دخل يغنيها عن الحاجة إلى النفقة، وإقرار حق الأم في إعطاء شهرتها لابنها. نصّ التقرير كذلك على ضرورة إلغاء التمييز في المواريث بين الجنسين مع إمكانية الإختيار بين المساواة أم التمييز. وفي ما يخص حقوق الأطفال، فقد تم اقتراح إلغاء مفهوم “ابن الزنا” لتعارضه مع ضرورة صون كرامة الطفل وتحقيق المساواة في الإرث بين الأبناء الشرعيين والطبيعيين.

في خضم هذا الجدل الكبير، تميزت الأحزاب السياسية بصمتها، بما فيها الأحزاب التقدمية بحجة “موش وقته” (ليس وقته الآن) أمام ما تواجهه البلاد من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية حادة. ولكن هنا يُطرح السؤال: إن لم يكن هذا زمن بناء مشروع حضاري لتونس جديدة، بعد ثورة على الدكتاتورية واستعباد الفرد وانتهاك حقوق الإنسان، فما هو الوقت المناسب؟

من المنتظر حالياً، أن يعلن رئيس الجمهورية، الباجي قايد السبسي في 13 آب/اغسطس المقبل عن موقفه من التقرير وعما سيعتمده من اقتراحات لتحويلها إلى قوانين تمرر إلى مجلس النواب للمصادقة عليها.

في الأثناء، يتواصل الجدل حول التقرير وحول المشروع المجتمعي الذي يريده التونسيون لبلادهم وللأجيال الآتية…

“اقرأ أيضاً: تونس: دعوات واعتصامات مطالبة بـ”حق المجاهرة في الإفطار

إقرأ أيضاً