fbpx

هنا القصة الثالثة

زينة علوش - خبيرة في الرعاية الأسرية

مقالات الكاتب

ما زال صوت بكاء ذلك الطفل يئن في أذنيّ

ظهر في فيديو، تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، طفل يحاول الإفلات من يدي سيدة، تضع حجاباً على رأسها. حاولتْ ثنيه بما أوتيت من قوة ومساحة على التحرك. بكاؤه حمل قهر السنين ووجعها. هو قهر لا يعرفه سوى من اختبر دور الأيتام وخباياها. هو قهر أن تشتهي لقمة تأكلها حين تريد، وليس في الموعد المحدد لك. هو حرمان من لمسة حب حين تئن وحيداً من الوجع. هو أن تجبر على الغناء سعيداً في جوقة الدار، فيما تتألم. هو أن يفرَض عليك الابتسام أمام المتبرع وأنت تبكي اشتياقاً إلى أمك التي بدورها، أجبرت على التنازل عن حضانتك لكي تحصل على طلاقها من زوج يضربها. فانتهى بك الأمر هناك. هو أن تتوق إلى رائحة رحم أمك بينما تجبر على تنشق ذل العمل الخيري، والتصدق، والتمنين. فهم يؤمّنون لك الملبس والمشرب والمسكن، وربما تعليماً مهنيا مبكراً. فلا بأس ببعض الضرب من حين إلى آخر، أو إهانة عابرة لكرامتك، أو ربما تحرش، أو اغتصاب.

هو حرمان، أن تكون يتيماً. ولكن مهلاً، فالطفل ليس يتيماً، وله أخوة، ووالد. وها هو الأب مستصرحاً على شاشات التلفزيون، وهو يشيد بمناقبية الدار. كما أنه يؤكد كم السعادة التي يعيشها أطفاله الثلاثة في الدار عينه. فإذا كانت شهادة الأب تصلح في تبرئة الدار، فهو حكماً أهل لرعاية أطفاله الثلاثة. السؤال هنا لا بد من أن يفرض نفسه: لماذا الطفل في دار الأيتام أصلاً؟ أو ربما هذا ليس دار أيتام أصلاً؟

يعود بي الفيديو هذا بالذاكرة إلى تموز/يوليو 2015، حين تداول البعض فيديو يوثق أصوات ضرب وتعنيف في دار الأيتام الإسلامية. حينها توجهنا، “جمعية بدائل” و”المفكرة القانونية”، برسالة إلى رئيس مجلس الوزراء بهدف إجراء التحقيقات الضرورية للتأكد من صحة الوضع واتخاذ الإجراءات المناسبة. إلا أننا لم نلق جواباً. وكما تجري العادة في قضايا مماثلة، يمضي الوقت ونتلهى بقضايا أخرى أكثر إلحاحاً ومن ثم نذهب إلى أمور أخرى.

هكذا تبقى قضايانا معلقة. وفي الوقت المستقطع مزيد من الأطفال يقعون ضحايا الفصل القسري عن العائلة عبر إيداعهم في مؤسسات رعائية بغير سبب موجب، ولا بحسب قرار قضائي يعلل ضرورة الفصل. هي مؤسسات رعائية ممنوعة بحسب المعايير الدولية، لأن ضررها على الأطفال هو أعمق وأكبر بكثير من بقائهم في كنف العائلة، مهما كان الخطر في العائلة كبيراً. فلقد أكدت الدراسات أن الأطفال المفصولين قسراً عن الوالدين، المتروكين في دور الرعاية، هم أكثر عرضة للمشكلات السلوكية، وخطر الإدمان، والدخول في نزاع مع القانون. كما تشدد الدراسات على أن خريجي دور الرعاية يشكلون نسبة لا تقل عن الـ40 في المئة من نزلاء السجون، وتؤكد أن تجربة الفصل لها آثار متوارثة على الأجيال المتلاحقة. فلقد تبين أن نسبة كبيرة من خريجي دور الرعاية يتخلون عن أطفالهم في ما بعد لمصلحة نظام الرعاية.

هكذا تبقى قضايانا معلقة. وفي الوقت المستقطع مزيد من الأطفال يقعون ضحايا الفصل القسري عن العائلة عبر إيداعهم في مؤسسات رعائية بغير سبب موجب، ولا بحسب قرار قضائي يعلل ضرورة الفصل. هي مؤسسات رعائية ممنوعة بحسب المعايير الدولية، لأن ضررها على الأطفال هو أعمق وأكبر بكثير من بقائهم في كنف العائلة، مهما كان الخطر في العائلة كبيراً.

هي حلقة مفرغة وتراجيديا مكتملة الأوصاف: تمتنع الدولة عن دعم الطفل في أسرته، بينما تنفق أكثر من ثلثي موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية على مؤسسات مهترئة وتعتمد نموذج رعاية ممنوعاً دولياً. فعلى سبيل المثال، أقفلت حكومة كندا آخر مؤسساتها الرعائية عام 1996 مع تكاثر التقارير الواردة حول حوادث الاغتصاب فيها. وبعد الإغلاق، قام حوالى 6000 شخص اختبروا دور الرعاية بتقديم شهادات حول تعرضهم للاغتصاب هناك. 6 آلاف شهادة وثقت عذاب الانتهاك ووحشية الصمت مكللين بضرورة إبداء الامتنان والعرفان بالجميل: فهذه المؤسسات لها عراقتها وقد أمّنت المأكل والملبس والمأوى… هل يذكركم هذا بشيء؟

في العودة إلى الفيديو الأخير، لست بصدد توجيه لوم للمشرفة فأنا لا أعرف ظروف الحادثة. كما أنني أعلم علم اليقين أن المشرفة في هذا الفيديو هي الحلقة الأضعف كونها امرأة، ومحجبة، وتعمل حكماً في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية ومهنية قاسية. هي ظروف تمنع عنها إمكان التصرف كأم بديلة.

ولكنني رأيت طفلاً يبكي، ويحاول الهرب… فلماذا كان يهرب، وإلى اين يهرب، وما مصيره الآن؟

متى تراجع وزارة الشؤون الاجتماعية وبشكل نهائي سياستها الرعائية؟ متى تقفل دكاكين الرعاية علماً أن 99 في المئة من الأطفال يودعون في دور الرعاية في لبنان بسبب الفقر.

متى يتوقف هذا التواطؤ الضمني بين وزارة الشؤون الاجتماعية، والمؤسسات الدولية، والجمعيات المحلية، والمؤسسات الرعائية؟

متى ينفصل الشأن السياسي والطائفي عن السياسة الرعائية في لبنان؟ متى يتوقف بكاء هذا الطفل؟ صوته يئن في أذنيّ. فمتى نتحمل مسؤولياتنا.

طبعاً وكما في كل مرة، يقع اللوم على الطفل فهو مشاكس وطبعه صعب ومطرود من أكثر من مدرسة. هكذا تقول مديرة الميتم على هواء التلفزيونات بعد تمجيد الوالد تمجيد دور الميتم.

هي حلقة مفرغة وتراجيديا مكتملة الأوصاف: تمتنع الدولة عن دعم الطفل في أسرته، بينما تنفق أكثر من ثلثي موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية على مؤسسات مهترئة وتعتمد نموذج رعاية ممنوعاً دولياً.

نعم ستُجري وزارة الشؤون الاجتماعية تحقيقاً، وسوف يتبين أن الحق على الطفل و”يا دار ما دخلك شر”. وهنا لا بد من التأكيد أن لبنان مطالب بوضع سياسة لإصلاح قطاع الرعاية المؤسساتية منذ أكثر من 10 سنوات. ويتضمن ذلك وضع خطة لإقفال دور الأيتام بشكلها الحالي المأسوي بصورة تدريجية، واعتماد معايير رعائية تضمن حماية الطفل، وتشديد معايير التحويل إلى الرعاية البديلة على ألا يكون الفقر سبباً للفصل. فعام 2006، عبّرت لجنة حقوق الطفل الدولية عن قلقها العميق إزاء تقارير لبنان حول وضع الأطفال في دور الرعاية وحول الأعداد المتزايدة والمقدرة بحوالى 28 ألف طفل ضمن هذه الدور، بينما يقدر عدد الأطفال الذين يحتاجون فعلياً إلى رعاية بديلة مقيمة بـ5 آلاف فقط. وكانت دراسة أعدها عام 2008 “مركز الدراسات والأبحاث”، بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية و”يونيسيف” أشارت إلى أن غالبية هؤلاء الأطفال مودعون في الدور ليس بسبب اليتم بل بسبب الفقر. كما لفتت الدراسة إلى واقع هزيل للرعاية البديلة في لبنان، فضلاً عن أن كلفة دعم العائلات الفقيرة مالياً لتمكينها من إبقاء أولادها في كنفها (إسكان، تعليم، غذاء…)، تقل عن الكلفة التي تترتب على دعم مؤسسات الرعاية.تقول الحكاية إن ليلى لم يكن يغمض لها جفن، إلا عندما كانت تتكور هناك في حضن ملاكها الحارس، كجنين في رحم أمه، هناك كان يغطيها يحميها يدفئها يداعبها يلاعبها. كان سماؤها الزرقاء الفسيحة، تطير فيه، وتأمن من خطر الطيران في كنفه… كان كل ما تبقى لها من رائحة أمها. وفي ذلك اليوم قررت مسؤولة الرعاية أن تأخذه منها. غطاؤها الأزرق الجميل أصبح ممسحة بالية ممزقة…

هناك على الأرض ومنذ ذلك الوقت عندما سُلخت عن غطائها، باتت ليلى تتكور الأرض بحثاً عن لحظة لقاء ضائعة…

هناك ليلى لا تنام.

 

 

 

إقرأ أيضاً