fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Economist

مقالات الكاتب

ما حجم القلق المطلوب تجاه ما يحصل في تركيا؟

مرّ وقت ساد فيه الاعتقاد أن تركيا العلمانية الديموقراطية ستنضمّ في النهاية إلى الاتحاد الأوروبي، وتنضمّ إلى نادي الدول الليبرالية الغنية المعروفة بـ”الغرب”. ومرّ وقت أيضاً، قبل بضع سنوات، عندما كانت تركيا محبوبةً من قبل المستثمرين في الأسواق الناشئة.

تلك الأيام خَلت منذ زمنٍ طويلٍ. فعلى الصعيد السياسي، كانت البلاد تحيد بعيداً من الغرب لسنواتٍ، في محاولة لتصبح أكثر إسلاميّة وصرامة، وتتجاذب صراعاتٍ مع حلفائها في الناتو، وتتحوّل بنفسها إلى حكمٍ استبدادي افتراضي تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان. فقد عُطلت السياسات الاقتصادية الراسخة. واعتمدت معدلات النمو المرتفعة على الاقتراض الأجنبي، إذ تضاعف حجم ديون الشركات الأجنبية من العملات الصعبة منذ 2009. وكان أردوغان، الذي يعتقد أن معدلات الفائدة المرتفعة هي سببٌ سحريٌ في التضخّم وليست علاجاً له، منع البنك المركزي من التصرّف بعقلانيةٍ.

بلغت كل هذه الاتجاهات ذروتها الآن. عانت تركيا من أزمةٍ في العملة، عجّلت جزئياً بفرض الولايات المتحدة عقوباتٍ بسبب رفض أردوغان الإفراج عن القس أندرو برانسون، المتهم بتهمةٍ سخيفةٍ، وهي الإرهاب. زاد الرئيس دونالد ترامب الأمور سوءاً عبر تعهده برفع تعريفاتٍ جمركيةٍ أعلى على المعادن التركية. فقدت الليرة خُمس قيمتها هذا الشهر، ما أشعل التضخّم، وزاد عبء الديون بالعملات الأجنبية، وهدّد سلامة النظام المصرفي في تركيا.

تبدو العلاقات مع أميركا سامةً، فأردوغان يلقي باللوم على مؤامرةٍ أعدّها أعداءٌ أجانبٌ سبّبوا مشكلات تركيا الاقتصادية، وفرض رسوماً انتقاميةً على السيارات الأميركية، والكحول، وحتى مستحضرات التجميل. تطرح الأزمة ثلاثة أنواع من المخاطر: بالنسبة إلى الأسواق الناشئة الأخرى، أصبحت تشعر بالقلق من فرار المستثمرين مع انتشار العدوى؛ وبالنسبة إلى الاقتصاد التركي، الذي يتّجه نحو ركودٍ عميقٍ؛ وبالنسبة إلى الغرب، الذي قد تنهار علاقاته الواهنة مع تركيا أخيراً. لذا ففي كل حسبةٍ، إلى أي مدى ستسوء الأمور؟

عندما يعطس أردوغان

نبدأ بالأخبار السيئة. تَسبّب انهيار الليرة في تذبذب الأسواق الناشئة الأخرى التي قد تتشارك في واحدة أو أكثر من سمات تركيا، بما في ذلك عدم كفاية معدّل الادخار، والعجز الكبير في الحساب الجاري، والديون الضخمة بالعملة الصعبة، والتضخّم المرتفع. فمع انهيار الراند الجنوب أفريقي، بلغت الروبية الهندية أدنى مستوى قياسي لها هذا الأسبوع. وفي الأرجنتين، التي تعاني عملتها المحلية أزمة فعلية هذا العام، رُفعت أسعار الفائدة مرةً أخرى. لذا انخفضت أسهم المصارف التي تعاملت مع المقترضين الأتراك.

أصبحت بيئة الأسواق الناشئة أقل تسامحاً، إذ أدى تشديد السياسة النقدية الأميركية إلى تعزيز قيمة الدولار، مع تزايد المخاوف تجاه الاقتصاد الصيني. لكن لا يزال من غير المحتمل حدوث سلسلةٍ من أزمات العملة، يرجع ذلك أساساً إلى أن ضعف تركيا حادٌ للغاية. وبالنظر إلى الاقتصادات الكبرى في الأسواق الناشئة، لم تتضاعف نسبة التضخّم إلا في الأرجنتين ومصر فقط (كلتاهما الآن تحت جناح صندوق النقد الدولي). ليس هناك دولة لديها عجزٌ كبيرٌ في الحساب الجاري، على رغم اقتراب باكستان منه. لدى الأسواق الأخرى مجالٌ أكبر للمناورة السياسية. وقد أظهر الذين يعانون من مشكلات أكثر تشابهاً، مزيداً من الهمّة في التصدّي لها. كحقيقة أن تصرف البنك المركزي الأرجنتيني برفع أسعار الفائدة، هو مصدر للراحة.

بالنسبة إلى تركيا نفسها، هناك مخططٌ معياري بشكلٍ ما، يجب اتباعه عندما يمرّ الاقتصاد بمثل هذه الأوضاع الصعبة، كرفع معدلات الفائدة لتخفيف الضغط على العملة ومعالجة التضخّم، وتلمُّس تمويلٍ طارئٍ من صندوق النقد الدولي، المقيّد بحزمة من السياسات المرحّبة بالمستثمرين. هكذا فعلت الأرجنتين في وقتٍ سابقٍ هذا الصيف، ما ساعد على تخفيف أزمتها في مهدها.

لم تقم تركيا حتى الآن بأكثر من تبادل إطلاق للنيران، وقدّمت بعض المساعدة للنظام المصرفي، ما جعل من الصعب التكهّن بالليرة، وجذب وعود الاستثمار من حلفاءٍ مثل قطر، التي ستوفّر الدولارات ولكن لن تعطيها صدقيةً. فمقاومة أردوغان أسعار الفائدة المرتفعة، وحقيقة أن التحوّل إلى قِبلة صندوق النقد الدولي يتطلب بعض الركوع والتملق لأميركا، يضعف فرص أن تتخطّى تركيا الأزمة. قد يكون هذا هو الفرق بين التسوية المُدارة جيداً والانهيار الفوضوي، الذي تنتشر فيه الافتراضات وتترنّح المصارف.

يلوم أميركا على عطسته

ربما لم يدرك أردوغان الأمور حتى الآن بعقلانيةٍ. لكن أسلوبه الاستبدادي يعزّز السياسات السيئة. وقد قوّض المؤسسات التي يجب أن تقف إلى جانبه. فالبنك المركزي، الذي ينبغي أن يكون مستقلاً وتكنوقراطياً، يذعن إلى زعيمٍ ذي آراءٍ غريبة الأطوار. ويدير وزارة المالية صهر الرئيس. ووسائل الإعلام، التي يجب أن تشير إلى أخطاء أردوغان، خاضعة إلى درجة أنها تكرّر نظريات المؤامرة بدلاً من ذلك. وبسبب حرمانهم من الأخبار الحقيقية، يعتقد كثيرون من الأتراك بأن مشكلاتهم ناتجة عن مؤامرةٍ غربيةٍ. ومع عدم وجود أي شخص يكبح جماحه، ينغمس أردوغان بحريةٍ في أسوأ غرائزه.

في أوقاتٍ عاديةٍ، قد يساعد حلفاء تركيا الغربيون أردوغان عبر إخباره بتغيير المسار. لكن الحكومات الأوروبية خائفة من غضبه، خشية فتح البوابات والسماح للاجئين السوريين بالتدفق إلى أوروبا. ويخوض السيد ترامب منافسةٍ سخيفةٍ مع الزعيم التركي، حيث يقوم كل رجلٍ بتبادل التهديدات وإثارة غضب أبناء وطنه ضد الآخر. ولا يبدو أحدٌ منهما على استعداد للتراجع، خوفاً من أن يبدو ضعيفاً.

“مع عدم وجود أي شخص يكبح جماحه، ينغمس أردوغان بحريةٍ في أسوأ غرائزه”

على المدى القصير، سوف يعاني الأتراك أكثر بكثيرٍ من الأزمة. ويشعر كثيرون بالفعل بالفقر مع الارتفاع الهائل للأسعار. ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، ستعاني أميركا أيضاً. فتركيا حليفٌ مهمٌ في منطقة غاية في الأهمية، تمتدّ عبر مفترق الطرق بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. إذا كان الأمر سيئاً للغاية مع الغرب، فقد ينجرف بشكلٍ أقرب حتى إلى روسيا أو الصين. السيد ترامب محقٌ في الضغط من أجل إطلاق سراح برانسون، ولكن من الخطأ استخدام التعريفات الجمركية لهذا الغرض. فالنظام التجاري المبني على قواعدٍ يعتمد على البلدان التي لا تستخدم مثل هذه الأسلحةٍ الثلمة من دون تمييزٍ. كما يتم تقويض تحالف الناتو عندما يذكي رئيس الولايات المتحدة النزاعات مع الدول الأعضاء دون داعٍ.

يحتاج السيدان ترامب وأردوغان إلى إيجاد طريقةٍ لحفظ ماء الوجه كي يعلن كل منهما النصر ويوقف العدوان، كما فعل أردوغان مع روسيا سابقاً، والسيد ترامب مع كوريا الشمالية. الأمر الذي من شأنه أن يخلق مجالاً للغرب، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، لمساعدة تركيا على التراجع خطوة عن الهاوية. سيكون من الصعب إنقاذ دولةٍ لا يفهم زعيمها سبب تورّطه في مأزقٍ. لكن تركيا أكثر أهمية من أن يتم التخلي عنها.

هذا الموضوع مترجم موقع The Economist ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
بدايات انهيار تركيا الإردوغانيّة؟
يوم الجمعة الدامي للّيرة التركية
تركيا من حلم الجمهورية الثانية إلى واقع جمهورية الرئيس

إقرأ أيضاً