هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

ما بعد الانتخابات اللبنانيّة الأخيرة!

قد نتسلّى كثيراً، ولوقت طويل، بالحسابات الداخليّة التي سبقت الانتخابات اللبنانيّة الأخيرة، وبالنسب التي دلّت إليها. بدرجة “شدّ العصب الطائفيّ” وأوضاع “المجتمع المدنيّ” وتفاهات قادة الطوائف وسوى ذلك.

لكنّ ما استوقف العالم هو شيء واحد: أنّ اللبنانيّين صوّتوا لحزب الله.

هذا حقّهم تماماً. لكنّه مسؤوليّتهم أيضاً.

فالتصويت للحزب ولحلفائه وتابعيه يعني، في هذا السياق تحديداً، تصويتاً لأمور ثلاثة:

– للحرب في سوريّا والتدخّل الحزب اللهيّ فيها،

– لزمن الوصاية السوريّة من خلال بعض أبرز رموزها اللبنانيّين،

– والأهمّ راهناً، لاستعمال لبنان ساحةً في الصراع الإيرانيّ – الإسرائيليّ، وساحةً بالمطلق.

إنّه، إذاً، تصويت إقليميّ للحالة الحربيّة التي لا تريد للبنان أن يستقرّ.

وهذا، بين أمور أخرى، ما سوف يضعف قدرة الدولة اللبنانيّة على حماية لبنان، وعلى تمييز شعبه عن “حزب الله” بوصفه شعباً مغلوباً على أمره بقوّة السلاح. التمييز هذا غالباً ما استُخدم حيال الدول والمؤسّسات، العربيّة والدوليّة، السياسيّة والاقتصاديّة. أغلب الظنّ أنّه سيفقد مفعوله بعد اليوم.

“الشعب”، بكامل وعيه وحرّيّته، اختار الخيار الانتحاريّ هذا. ونتيجةٌ كتلك قد تكون منطقيّة جدّاً بوصفها تعبيراً أقصى عن الحالة الطائفيّة القصوى.

فشجرة الطوائف حجبت غابة العالم. حجبت حقيقة أنّنا نعيش احتمالات حرب إسرائيليّة – إيرانيّة كان يُستحسَن أن نصوّت ضدّ جرّنا إليها، ولإضعاف القدرة على “تشريع” ذلك و”مأسسته”.

صحيحٌ أنّ تحوّلات إقليميّة ودوليّة كبرى أوصلت وضعنا إلى ما هو عليه، وصحيح أيضاً أنّ أخطاء هائلة الضخامة مارستها القوى السياسيّة المناوئة لـ “حزب الله” صبّت في الوجهة نفسها. لكنّ هذا، في النتيجة، لا يغيّر الحقيقة الصافعة التي كشفتها النتيجة الانتخابيّة الأخيرة:

إنّ شعار “الشعب يريد”، مطبَّقاً على الحالة اللبنانيّة، يعني الطلب على الحرب. يعني التصويت للبنان – الساحة بدل لبنان – البلد. لا يغيّر في هذه الحقيقة الكبرى وجود آلاف قليلة من الشبّان والصبايا الشيعة الرافضين لسياسات “حزب الله”، أو وجود آلاف قليلة من الشبّان والصبايا المعوّلين على “مجتمع مدنيّ” والحاملين لقيم نبيلة تناهض الذكوريّة والأبويّة. بل لا يغيّر فيها إحراز طرف كـ “القوّات اللبنانيّة” كتلة نيابيّة وازنة.

إنّ مسألة المسائل تقيم في مكان آخر: مع لبنان الساحة والحرب، وهو ما صوّتت له أكثريّة اللبنانيّين، أم ضدّه.

هنا ترتسم في الأفق عناوين – احتمالات ثلاثة:

– أن يتمّ التقيّد بالديمقراطيّة ويسوق هؤلاء المتقيّدون أنفسهم إلى الحرب التي صوّتوا لها،

– أن لا تُحترم نتائج الانتخابات، تماماً كما لم يحترم “حزب الله” نتائج انتخابات 2005 و2009. لكنّ هذا استغراق في المهاترة، ولو مسلّحةً بحجّة قويّة. وهو استغراق لن يؤثّر بتاتاً في قرار طرف صار يجمع بين السلاح والتمثيل النيابيّ،

-أن تُطرح مسألة الاجتماع الوطنيّ اللبنانيّ على المحكّ. فحين تتباعد الخيارات السياسيّة إلى هذا الحدّ، وتكون الأطراف المتباعدة ذات مواصفات اجتماعيّة (هنا: طائفيّة مناطقيّة) مختلفة، لا يعود لـ “الشراكة في الوطن” أيّ معنى. الوطنيّة، والحال هذه، تغدو شراكة في الموت. الذين لا يريدون الموت يحقّ لهم، بالتالي، أن يطعنوا بهذه الشراكة. “الشعوب اللبنانيّة” قد تتململ أكثر تحت قشرة “الشعب اللبنانيّ” الواحد.

إقرأ أيضاً