هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني

مقالات الكاتب

ماركس”ـي” في مئويته الثانية

صورة ماركس التي رفعها أخي على زجاج مكتبة والدنا كانت أصغر كثيراً من تلك التي علقناها لتشي غيفارا على صدر جدار غرفة المعيشة في بيت أهلي. كانت صورة ماركس تُظهر رجلا خمسينياً بالزي الأوروبي التقليدي يضع يده في فتحة سترته، وينظر مبتسما ابتسامة خفيفة الى عدسة آلة التصوير. لحية كثة وشاربان كثيفان وستارة تحتل الجانب الأيسر من الصورة. اما غيفارا فكان يحدق في الأفق معتمراً البيريه الشهيرة وعليها النجمة الخماسية.

لا مجال للمقارنة بين ما كان يعنيه كل من الرجلين لنا. ربما يعكس التباين بين حجم الصورتين المشاعر والأفكار التي كان يحتلها ماركس وغيفارا في نفوسنا الشابة. الثورة هي السلاح  والقتال وهما ما يقدمهما “التشي”. الأسس النظرية للثورة وللنزول الى الميدان اعطانا اياها – مشكورا- الرفيق الملتحي الملصقة صورته كعربون امتنان على زجاج المكتبة. تنتهي العلاقة معه هنا اذ لا يهم كثيرا فهم من هو هذا الرجل وحقيقة ما اعطى ومعناه، ما خلا قراءة سريعة للبيان الشيوعي وبعض الكراريس الحمراء التي كانت تصدرها “دار التقدم – موسكو”. كتاب سميك يضم المؤلفات الكاملة لارنستو غيفارا هو مرشدنا الحقيقي.

ثم أننا لسنا في حاجة الى ايلام رؤوسنا بقراءات معقدة، ما دام هناك في الحزب من قرأ وفهم ما تفضل به السيد ماركس وبنى لنا خطا سياسيا مؤسسا على نهجه وما علينا الا السير به. او هكذا كنا نبرر عدم رغبتنا او قدرتنا على الغوص في ما يزيد عن المؤلفات المختصرة لماركس الذي ظل غامضا ومحجوبا وراء غيفارا وخصوصا وراء وهج فلاديمير لينين الذي كانت مجموعة تزيد عن خمسين كتابا من أعماله مترجمة الى اللغة الفرنسية تحتل قسما معتبرا من مكتبة البيت.

في تفسير مريح في بدائيته، كان ماركس عندنا هو من وضع الفكرة ولينين من شق الطريق وغيفارا من سار على الطريق مستلهما الفكرة. نقطة انتهى. النقاشات والاقتراحات والكلام كله كان يبدأ وينتهي في دائرة من الصواب المطلق. لا جدال ينفع مع حقيقة مجسدة في افكار واعمال هؤلاء الثلاثة. كنا نفضل اضفاء الالتباس والتجاهل بدل الادانة على شخصيات مثل ستالين او ماو ممن تناهى الى علمنا انهما وغيرهما ارتكبوا “تجاوزات” او هنّات هيّنات من مثل قتل الرفاق واعدام الملايين من مواطنيهم او افتعال مجاعات. المهم ان الثورة انتصرت وبنت الدولة النموذج وان هذا الاخير قابل للتصدير والتعميم وعصي على النقد.

مع تقدم العمر والقراءات ومع الانهيارين، السوفياتي والمحلي، وبعد اتفاق الطائف والمصائر المحزنة لآمال واحلام كثيرة والتفاف البؤس بكل معانيه حولنا، بدأت تظهر عندي قناعة ان اليقين صنو الجهل واننا كنا على ضلال مبين وان ما كنا نؤمن به هو شيء ديني لا سياسيا ولا فكريا. كان جزءا من طقوس “المجتمع النقيض” الذي عشنا فيه وظننا ان العالم خارج رقعتنا  المسورة والآمنة والخالية من الشكوك، ليس كما ظننا وفكرنا وعملنا وحاربنا. كان شيئا آخر كليا.

أدين لياسين الحافظ وكتابه “الهزيمة والايديولوجية المهزومة” بأول دش من الماء البارد نزل على رأسي الماركسي – اللينيني المقولب. لكن هذا الدش لم يكن ليترك أثرا لولا الضيق الشديد بما كنت امر به ومن عدم اقتناع بما كان الرفاق يقولون ويفعلون. وقبله أدين لمهدي عامل بتوسيع رؤيتي الى زوايا اعرض من تلك التي تقدمها كراريس “دار التقدم” ومجلة “الطريق”.

وبدل من رمي الطفل مع ماء الغسيل والتخلي عن كل ما عرفته على امتداد طفولتي وشبابي، وجدتني اعود الى قراءة جديدة للثنائي النضالي ماركس ولينين بعدما اختفى غيفارا من المشهد وان ظلت صورته مرفوعة في صدر دار اهلي. بعد صدمة “الهزيمة والايديولوجيا المهزومة” بدأت تتوالى الصدمات المحمولة على شكل صفحات من كتب وكلمات بالحبر الأسود. في اوائل التسعينات اكتشفت ماركساً آخر ولينيناً أخر. بل اكتشفت قارة جديدة في الفكر والنظرية وفي الممارسة العملية، من التوسير الى ادورنو ومن بول بوت الى منغستو هيلا ميريام. كان الخروج بحكم جامع مانع حيال كل هؤلاء المنتسبين مثلي الماركسية، بطبعات وصيغ وتفسيرات شتى، من المحال.

ليس عندي كلام يدعي الموضوعية عن ماركس. فالرجل ومؤلفاته وحياته الشخصية دُرسَ وقرئ ونُقد على مدى عقود. وتعرض الى الشيطنة والتبخيس والاهانة كما رُفع الى مقام القديسين وانصاف الآلهة. وبين الشيطنة والتقديس احتفظ لنفسي بنظرتي الى ماركس واعماله مع شعور دائم بالامتنان الشخصي ذلك انني اعتبره معلما اولا في التفكير، وفي السخرية من الخصوم وفي الكلام اللاذع، وفي المرح كما في العمق والدقة والثقافة واتساع الافق.

لم يعد لينين يعني لي الكثير ليس لفشل التجربة التي أسسها فحسب، بل ربما لذرائعيته وتقديمه التكتيك اليومي والممارسة المباشرة للسلطة على ما عداه. مهد كل هذا لنوع من الرعاعية الثورية التي افضت في نهاية المطاف الى تسلط البيروقراطية الحزبية الريفية على الثورة والدولة. تسلط مثله ستالين احسن تمثيل.

بيد ان ماركس ظل يعني الكثير بالنسبة لي. واشعر بحزن حيال كل كاتب لم يطلع بدقة وعمق على ماركس وعلى سيرته الفكرية والمراحل التي مرّ فيها. بل اشعر أن من يأتي الى الكتابة والثقافة من دون ان يكون له رأي جدي ودقيق بما ترك ماركس من آثار قد فاته حضور قسم رئيسي من اسس التفكير النقدي. وهذا شعور لا يوازيه الا ذلك الاختناق من اصحاب القراءات المدرسية لماركسية منتزعة من سياقاتها التاريخية والسياسية ومقدمة كوجبة جاهزة باردة تفسر العالم والكون بقدر من التعالي والاشمئزاز من جهل الآخرين. قراءة تتجاهل ماركس”ـي” الذي صورته في ذهني كمفكر مدرك لقوته ولنقاط ضعفه في آن. وقررت ان صورته هذه هي الحقيقية والاصيلة التي تأخذ في الاعتبار مواقفه المتناقضة في بعض الاحيان وميوله “غير العلمية” في احيان اخرى وضآلة مسؤوليته عن كوارث ارتكبت باسمه. لكني اضيف فورا ان السيد كارل ماركس كان ابنا مخلصا لثقافة وبيئة سلوك القرن التاسع عشر ولعل اهميته بالنسبة لي انه لم يدع اكثر من ذلك. ما يترك لنا حرية الحوار مع ارائه والسخرية منها عندما تتطرف ونقدها عندما لا تتطابق نبوءاتها مع ما حمله المستقبل.

في هذا الكلام الكثير من النرجسية، ربما، لكن فيه ايضا اعتراف بفضل معلم كبير في التفكير حُجب ما كان يفترض ان يترك من اثر على مجتمعاتنا بحجج بائسة تبناها اخصامه و”تلاميذه” في الوقت ذاته.

إقرأ أيضاً