fbpx

هنا القصة الثالثة

ايفون صعيبي - صحافية اقتصادية لبنانية

ايفون صعيبي - صحافية اقتصادية لبنانية

مقالات الكاتب

ماذا يعني أن يفلس لبنان؟

لمن لم تتسنَّ له قراءة كتاب “Bankruptcy of Our Nation(إفلاس أمّتنا)، فإنّ الخبير الاقتصادي الأميركي جيري روبنسن يسرد كيف كانت الولايات المتحدة الاميركية أمام مفترق طرق، وكيف أن الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2008 في بلده لتطال فيما بعد العالم جعلت غالبية الأميركيين يعانون من العجز بسبب الديون الشخصية، وكيف واجهت الحكومات المحلية وحكومات الولايات خسائر في العائدات. ويروي الكاتب كيف أصبحت الحكومة الفدرالية التي كانت تكافح لإنقاذ قطاعات الاقتصاد، فجأة، خائفة وغير متأكّدة ممّا قد يحمله لها المستقبل. ولو فكّر روبنسن بالخروج من الكواليس الأميركية وإعداد جزء ثانٍ لكتابه لاحتلّ لبنان ربما الحيّز الأكبر من الأبحاث والدراسات بما أن الحديث عن الانهيار والإفلاس بات خبزنا اليومي من رأس الهرم، أي على لسان الرؤساء الثلاثة، إلى الطبقات العامة في الشارع… فماذا يعني إفلاس الدولة وهل بات إفلاس لبنان وشيكاً؟

يُستخدم مصطلح إفلاس حين تعجز دولة ما عن سداد الديون المترتّبة عليها للخارج. وعلى خلاف مبدأ إفلاس الشركات والأفراد، فإن عجز الدولة يكون عجزاً سياديّاً. في العادة، تترتّب على الإفلاس تبعات قانونية من قبل محاكم مختصّة، ولكن، في حالة الدول، فهذا الأمر ليس وارداً. ويأتي الإفلاس إما نتيجة الديون الخارجية المفرطة، أو ارتفاع سعر الفائدة، أو ضعف نسب العائدات، أو في حال انهيار الدولة وانهيار عملتها الوطنية. في حال إعلان عجزها، تتخلّص الدولة بنسبة قد تقارب 70% من ديونها غير أنها في المقابل تفقد الثقة في الأسواق المالية كما وتلجأ وكالات التصنيف الجولي إلى خفض تصنيفها والتوصية بعدم الاستثمار فيها.

من هذا المنطلق، لا بدّ من التساؤل إلى أيّ مدى بات لبنان قريباً من إشهار إفلاسه بما أن ديونه الخارجية ارتفعت الى مستويات غير مسبوقة ومن المتوقع أن ترتفع أكثر في السنوات القادمة، كما وأن عملته باتت أكثر من أي وقت مضى مهدّدة بالانهيار، أما نسب النمو… فحدّث ولا حرج.

في تسعينات القرن الماضي، عانت “الليرة” اللبنانية من انخفاض حاد بلغ آنذاك أكثر من ثلثي قيمتها مقابل الدولار الأميركي. هذا الأمر دفع بالحكومة اللبنانية عام 1992 إلى إعادة الاستقرار إلى العملة الوطنية من خلال تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وهو ما أدّى إلى تحسّن سعر صرف الليرة تدريجاً ليصل عام 1997 إلى 1507.5 ليرة مقابل الدولار، ولا يزال حتى يومنا هذا مستقراً على هذا السعر.

منذ اعتماد هذه السياسة، بات همّ مصرف لبنان الأوّل والأخير وحتى يومنا هذا التركيز على هدف واحد رئيس، وهو تجميع احتياطي كبير من العملات الأجنبية حمايةً لسعر الصرف الثابت. هذا الأمر رسّخ عقيدة الاقتصاد الريعي بدلاً من الاقتصاد المنتج. لكن يبدو  أن “أسطورة” مناعة لبنان النقدية التي شكّلت في سنوات الأزمة العالمية ملاذاً آمناً للأموال الباحثة عن ملجأ لها قد سقطت أخيراً.

اليوم، يواجه الاقتصاد اللبناني خطر انهيار سعر الصرف بحسب غالبية الخبراء خصوصاً وأن مصرف لبنان لم يعد قادراً على إيجاد حلول عملية بعد أن استنزف موارده واحتياطاته بالعملات الأجنبية، تارّة لدعم القطاع العقاري وطوراً للحفاظ على ثبات العملة الوطنية، إذ انخفضت موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية  إلى 33.1 مليار دولار في الأشهر القليلة الماضية  والسبب في ذلك عائد إلى “الهندسات المالية” التي ابتدعها “المركزي” وهي عبارة عن نموذج نقدي بين مصرف لبنان والمصارف التجارية بهدف جذب المزيد من الودائع بالعملات الأجنبية خصوصاً الدولار، إضافة إلى السيطرة على السيولة المتراكمة بالليرة. لكن ما يجهله كثيرون هو أنه بسبب النهج المعتمد من قبل مصرف لبنان، أصبح وضع المصارف التجارية مرتبطاً بشكل مضطرد مع الوضع المالي لمصرف لبنان. من هنا، فإن أي مشكلة نقدية، وإن كانت بسيطة، تكون نتائجها كارثية علينا ككل.

قد تعادل الأزمة التي يعاني منها لبنان نصف أزمة اليونان، إلا أن العديد من الخبراء يؤكّدون أن الوضع بات خطيراً: إذ يُتوقّع أن يبقى النمو الحقيقي للناتج المحلّي هزيلاً، بمعدّل يناهز 2%. ويترافق ذلك مع وضعٍ مالي هشٍّ للغاية، يتجلّى من خلال نسبة الدين العام المرتفعة إلى إجمالي الناتج المحلّي، والتي من المتوقّع أن تتضخّم أكثر، إضافةً إلى عجزٍ مالي يبلغ 10%. وفي غضون ذلك، سجّل تدفّق التحويلات المالية تراجعاً، في حين أن السلع المستوردة إلى ازدياد، وكذلك العجز الكبير أساساً في الحساب الجاري، والذي في الوقت الراهن يبلغ 20 %.

“يواجه الاقتصاد اللبناني خطر انهيار سعر الصرف بحسب غالبية الخبراء خصوصاً وأن مصرف لبنان لم يعد قادراً على إيجاد حلول عملية بعد أن استنزف موارده واحتياطاته بالعملات الأجنبية”

يتوقّع خبراء صندوق النقد الدولي أن تصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 180% في غضون خمس سنوات. وبحلول ذلك الوقت، ستستحوذ خدمة الدين على ثلاثة أخماس الإيرادات الحكومية. وقد حذّر الصندوق المسؤولين اللّبنانيين مراراً بمدى صعوبة الوضع الّا أنهم لم يلقوا آذاناً صاغية.

هذا ويزيد الإنفاق العام عن 33% من مجمل الناتج المحلّي، ولا يقابله إيرادات عامّة إلا بنسبة 23% من الناتج الذي يجري تمويله بزيادة المديونية العامّة، وهي ثالث أعلى مديونية في العالم نسبة إلى مجمل الناتج المحلي، وبزيادة مديونية الاقتصاد اللبناني الخارجية إلى أكثر من 200% من مجمل الناتج المحلي.

بالمختصر، لقد دق لبنان ناقوس الخطر فعليّاً، وجرحه الاقتصادي ما انفكّ ينزف. ويمكن وصف الوضع الاقتصادي كالتالي: قطاع مصرفي يجني أرباحاً “خيالية” من جيب المواطنين الفارغة أصلاً؛ وقطاع عقاري قد دخل مرحلة الموت السريري بعد أن انخفضت نسبة الصفقات العقارية المسجّلة في الدوائر الرسمية -وبحسب بعض التقديرات، فإن حجم الديون المستترة في القطاع العقاري قد يزيد على 6 مليارات دولار، وهي عبارة عن ديون بين التجّار غير مسجّلة في الدفاتر المصرفية، أي أنها فواتير غير مسدّدة بين التجّار. نسبة الديون المتعثّرة أو المشكوك بتحصيلها من هذه الديون المستترة كبيرة جداً- وقطاع سياحي شبه معدوم. وهو ما يدفع المطوّرين إلى الخشية من انهيار أكبر مقبل، خصوصاً بعدما أوقف المصرف المركزي القروض السكنية المدعومة فجأة.

“الأزمة” إذاً موجودة بالفعل، وان حاول “بعض المتفائلين” إخفاء أثرها. ولبنان الغارق في فساد سياسيّيه بات ينتظر اليوم إعلان وفاته- اقتصاديّاً- ناعياً ما تبقّى من قطاعات إنتاجية…

إقرأ أيضاً:
بين الولايات المتّحدة وإيران… اقتصاد لبنان ينأى بنفسه؟
لبنان: العونيون يفتتحون زمن “ما بعد الفساد”
لبنان على خطى نابولي: المحرقة والنفايات… والمافيا بينهما

إقرأ أيضاً