fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد منصور - حقوقي وكاتب مصري

خالد منصور - حقوقي وكاتب مصري

مقالات الكاتب

ليس مجتمعاً مدنياً وليست دولاً حديثة!

تسافر المفاهيم الفلسفية والمنطقية بسهولة أكبر عبر التاريخ، مقارنة بالمفاهيم الأكثر تاريخانية أي تلك النابعة، ربما كليةً، من قلب تطور اجتماعي واقتصادي في ظروف تاريخية معينة. هذا ما يخطر للواحد منا وهو يقرأ مقالة بعد أخرى وكتاباً بعد آخر عن الدولة أو المجتمع المدني في المنطقة العربية، أو يتابع صراعاً محتدماً بين نخب تقود نظام حكم في بلد عربي ما، وبين منظمات المجتمع المدني فيه، أو بين هذه المنظمات وأخرى.

وكان آخر هذه الصراعات ما حدث خلال مؤتمر في بروكسيل الأسبوع الماضي، عندما صدر بيان عن اجتماع حضرته منظمات من المجتمع المدني في سوريا (سمّاه مكتب الأمم المتحدة المعني “بيان المجتمع المدني” بالف ولام التعريف” فصب زيتاً لغوياً رديئاً على نار كان سوريون كثر معنيين بالشأن العام المنكوب في غنى عنها). وانتقدت منظمات كثيرة، عن حق غالباً، ما ورد في البيان بصفته لا يعبر عنها بل يميل ربما تجاه سردية النظام الحاكم. ومن ناحية أخرى، احتج مشاركون من منظمات معارضة وقالوا إنهم لو لم يشاركوا لتركوا الساحة وهذا الاجتماع، غير المؤثر كثيراً في الحقيقة، لتسودها ما يُسمى بالمنظمات الحكومية غير الحكومية – أي منظمات مجتمع مدني موالية أو داعمة نظام الحكم القائم في دمشق، والقائم، هو ذاته، على تدمير المجتمع السوري أو تمزيقه منذ عقود، قمعاً، ومنذ سنوات قصفاً وقتلاً وتشريداً.

هذا جدل يستحق النظر والتفكير المتمعن. من يمثل من؟ ومن يتحدث باسم من؟ وما دور منظمات احترافية مهنية غير قائمة على العضوية في الصراع والتسوية السياسية، بخاصة لو كان معظمها منظمات تُعني أساساً بمسائل اجتماعية أو ما فوق سياسية (مثل زيادة الوعي بالمواطنة أو سبل الحوكمة الرشيدة… إلخ)؟ وما الفارق بين منظمات مجتمع مدني معنية بقضايا مثل الدفع باتجاه سياسات عادلة أو منصفة في مجالات الضرائب والخدمات مثلاً وتلك التي تقدم خدمات حيوية للفقراء أو في ظروف كارثة إنسانية مديدة وعميقة؟

هناك حاجة حقاً إلى ضبط المفاهيم وتجذيرها في بلادنا، ولكن أيضاً التعامل معها على أنها ابنة زمنها وقابلة للتغيير.

من المفيد أن نعرف كيف تطور مفهوما المجتمع المدني والدولة الحديثة في الغرب منذ القرن السابع عشر مع الانفصال المتزايد للدولة عن المجتمع وتمايز وظائفها، بل وانفصالها تدريجياً عن طبيعة النظام الحاكم (لم يعد هناك من لويس رابع عشر يصرخ قائلاً: “الدولة هي أنا”). ومقالة ياسمين إبراهيم في درج مثال جيد. من المفيد أن نعرف هذا التاريخ ولكن الأفيّد أن نعي حدود واشكاليات ما صار أسمه المجتمع المدني ومنظماته في بلادنا.

ولكن لنضع العربة أمام الحصان (فهذا وضعها السائد في بلدان عديدة في منطقتنا) أولاً ونتحدث عن الدولة. الدول العربية، في معظمها، متماهية مع النظم التي تحكمها ويضعف فيها أو يختفي دور مؤسسات الدولة الحديثة ومبادئها، مثل احتكار العنف تحت حكم قانون يتساوى أمامه الجميع صورياً، وأهمية أن يتمحور دور الدولة حول خدمة مصلحة عامة وأهداف وطنية عليا (حقيقية أو مدعاة ولكن متفق عليها بشكل ما). هذه المصلحة العامة والأهداف الوطنية تقررها– نظرياً- مؤسسات السلطة والنخب الحاكمة مع أقل استخدام ممكن للعنف وداخل إطار القانون. هذا هو الوضع المثالي.

ولكن دولنا العجيبة في منطقتنا المنكوبة هي من عينة دول صدام والأسد وناصر والقذافي والبشير، ومن خلف بعضهم، وأسلافهم من أمثال محمد علي والأمير فيصل والشريف حسين وآل سعود. كل هؤلاء خلقوا أو قادوا دولاً تمثل نمطاً آخر تحتكر فيه الدولة العنف المشروع، ولكن ممارسة هذا العنف لا تخضع حقاً لقانون– ولا حتى أحياناً على سبيل الحفاظ على مظاهر الحداثة. وتتضعضع الأيدولوجيات المهيمنة (ولكن المتداعية والمتهاوية سريعاً في العقدين الأخيرين مثل الوهابية والقومية العربية والإسلامية) وتفقد سيطرتها بل وتفشل تدريجياً في خدمة نخب حاكمة صارت في حقيقة الأمر تجمعات نهب عصابية تسيطر على مقاليد الأمور على رغم تبنيها، هنا أو هناك، خططاً طموحة مذهلة تعبر عن مصلحة عامة مفترضة، تتغير بزئبقية غير مفهومة من طريق عمليات ومفاوضات تدور في أروقة معتمة.

قبل قيام دولنا “الحديثة” هذه خلال الغزو الاستعماري وعقبه، كانت– وما زالت هناك– تجمعات أهلية تعمل للمصلحة العامة (لا تستهدف ربحاً في السوق ولا تريد ان تسيطر على السلطة، ولكنها إما أن تقدم خدمات أو تمثل عامل ضغط على السلطات الحاكمة من أجل تغيير توجهاتها). وما زالت هذه الجمعيات قائمة وعلى رغم أن معظمها ذو أساس ديني، إلا أنها ليست جماعات إسلاموية أو مسيحية تبشيرية. وكانت نظمنا بعد الاستقلال ولسنوات قليلة ربما تسعى إلى خدمة صالح عام متفق عليه بصورة ما (طبعاً هناك تعميم واسع هنا حيث يختلف المغرب عن تونس عن مصر عن العراق عن السعودية وأحياناً بصورة درامية).

وكذلك منظمات المجتمع المدني الحديثة في بلادنا، فميلادها ونشأتها يشبهان ما حدث في بقية العالم الحديث مع تفكك حركة الحقوق المدنية في السبعينات وانحسار اليسار السياسي بقسوة مع انهيار الاتحاد السوفياتي في الثمانينات. ولكن تطوراتها اللاحقة تختلف. ففي الحالتين برزت منظمات المجتمع المدني متمايزة عن الأحزاب السياسية ويعتمد معظمها على توافق عدد قليل من الأعضاء أو المؤسسين وتمويل عدد محدود من الهيئات أو المؤسسات أو حتى الحكومات من داخل البلاد أو خارجها. ولكن المؤسسات الوسيطة ظلت قائمة وفاعلة في الدول الحديثة، بينما ضمرت واضمحلت بل واختفت في معظم دول المنطقة.

وتلعب هذه المنظمات دوراً مهماً للغاية في تقديم الخدمات الاجتماعية، وفي توثيق التطورات الاجتماعية (أو الانتهاكات القانونية)، وفي المدافعة عن تغيير السياسات وتسليط الضوء على أداء الحكومة، وفي الضغط على الحكومات. ولكن مطالبتها المضمرة بأن يحل دورها محل الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية أو المهنية أو جماعات العضوية الضخمة القائمة على مصالح أعضائها (أمازيغ أو نوبة أو عرقيات وأقليات مختلفة أو سكان ريف أو من المزارعين، إلخ) هي مطالبة عجيبة حقاً وتنطوي على سوء فهم عميق لعمليات التغيّر الاجتماعي في بلداننا وغيرها.

جمعية أنصار السنة المحمدية (تأسست عام ١٩٢٦) والجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة المحمدية (تأسست عام ١٩١٢)، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية (تأسست عام ١٩٥٠) مثلاً، كلها جمعيات مصرية تقوم بنشاط حيوي يخدم ملايين الأشخاص منذ عشرات السنين، إضافة إلى عدد كبير من الجمعيات، تم تدشينها في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، على خلفية انسحاب الدولة من أداء أدوارها الاجتماعية، في مجالات الصحة والتعليم، وكفالة الفقراء والعاجزين، والأطفال والمسنين والعاطلين. لدى الجمعية الشرعية، مثلاً، ألف حضانة لرعاية الأطفال المبتسرين، و34 مركزاً طبيّاً مختصاً، بينما توجد جمعية أنصار السنة في 18 محافظة ولديها 30 مركزاً طبياً. وفي تونس، حققت جمعيات المناصرة والدفاع عن سياسات اجتماعية وحقوق الإنسان، مثل جمعية النساء الديموقراطيات أو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أو “أنا يقظ” مزيداً من الحماية الدستورية والقانونية والفعلية للنساء ومختلفي الميول الجنسية وشفافية أكبر في عمل الجهاز الحكومي. وفي بلدان الصراعات، فإن المخفف الرئيسي لآلام ومعاناة ملايين الناجين هي روابط أهلية وجمعيات محترفين تعمل من داخل البلاد أو دول الجوار في سوريا وليبيا واليمن.

هذه منظمات مسؤولة في أغلبها أمام من أسسوها (وأمام ضمائرهم ونزاهتهم المهنية) وأمام من يمنحوها الأموال، ولكن مسؤوليتهم تجاه الفئات التي يخدمونها ويدافعون عنها، ضعيفة وغير مفروضة بشكل منهجي. وعلى رغم أن معظم تمويل هذه المنظمات محلي وبخاصة ما يعمل منها في مجال الخدمات المادية، فإن فقر المجتمعات أو قمع النخب الحاكمة هو الحائل الرئيسي في ألا تكون هذه المنظمات وبخاصة تلك التي تعمل في مجال رصد ومحاولة تغيير السياسات مدعومة وممكننة من جانب الشعوب أو النخب الإصلاحية.

وإذا نحينا جانباً المنظمات المزيفة أو العاملة بشكل زبائني لدى حكومات محلية أو خارجية، فإن المنظمات الأهلية المحلية تفتقر إلى ما تتمتع به المنظمات المناظرة في الدول الحديثة وهو حق تنظيم مستقر والعمل كرديف في بعض الأحوال للمؤسسات الوسيطة مثل الأحزاب والنقابات العمالية والمهنية من أجل دفع سياسات معينة إلى الأمام أو إجراء تغييرات محددة. فلا حق التنظيم مستقر ومحمي في المنطقة العربية (باستثناء تونس وإلى حد ما لبنان والمغرب) ولا مؤسسات وسيطة قوية يمكن العمل من خلالها مثلما هو الحال في مثل تلك البلدان.

سنضيع وقتنا (كتّاباً وقراء) إذا حاولنا أن نطبق مفاهيم وصفية أو نقدية للدولة أو المجتمع المدني، نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية اقتصادية مختلفة على بلادنا. ولكن لو أصر البعض على هذا وانتهى إلى نقد حاد لمنظمات المجتمع المدني بصفتها تعبّر عن ممولين في غرب ما، أو مسؤولة عن الفراغ السياسي في بلداننا المتصحرة سياسياً، أو عاجزة عن جلب الديموقراطية أو، يا لحماقة التوقع، فاشلة في التوصل إلى حل سياسي للانهيار المدوي في دول عدة في المنطقة، أو أنها مجرد مسكنات اجتماعية تضعف دور الدولة حيناً أو تحجب فشل الدولة وتخليها عن وظائفها الاجتماعية حيناً آخر، يتعين أن يكون الجواب برد الحوار إلى أرض الواقع. فتلك المنظمات والأفراد الفاعلون في الفضاء العام الخراب والمقيد والمأزوم في مجتمعاتنا، هي منظمات فاعلة ومهمة للغاية ولكنها ليست مجتمعاً مدنياً حقاً (بالمفهوم الغربي) ولا تعمل في دول حقيقية (بالمفهوم الحديث) وهي لم تخنق السياسة أو تحل محل حركات التحرر والحقوق المدنية (مثلما حدث في أوروبا والولايات المتحدة). لسنا منطقة فريدة ولكن بعضاً من الاحترام لاختلاف التاريخ والتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية سيمكّننا من فهم وتحليل أفضل لأحوالنا، وربما في هذا الطريق نتمكن أيضاً من بداية سجال جدي، وليس تراشقاً لفظياً لا ينتهي ولا يثمر.

إقرأ أيضاً