هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

لوحة ب ٤٥٠ مليون دولاراً.. هل تشترونها؟

يتساءل الكثيرون من عالم الفن بصوت عال وبدرجات متفاوتة من الإحباط، لماذا تركز الكثير من وسائل الإعلام تغطيتها على مزادات القطع الشهيرة وأسعارها الجنونية. الجنون الذي استمر ٣٦ ساعة بعد بيع لوحة دار مزادات كريستي “سالفاتور مندي” (التي تعود لعام ١٥٠٠ تقريباً)، أو ما تسمى “بآخر أعمال دافينشي”.
الآن، صار الجميع يعرف أن اللوحة بيعت بمبلغ خيالي: ٤٥٠مليون دولاراً متضمنة قسط المزاد، متفوقة على ضمان اللوحة الذي بلغت قيمته١٠٠ مليون دولار أي أربعة أضعاف ونصف تقريباً. ومنذ ذلك الحين، اُضطر كل من يهتم بالفن ولو بقدر ضئيل، إلى التعامل مع تلك النتيجة غير المتوقعة، حتى ولو جرى ذلك فقط من خلال التعبير عن  قدر الاهتمام أو المال الذي يمكننا كجنس بشري أن نكرسه لأمور أخرى، أكثر أهمية .
وبغض النظر عما إذا كنت قد دفعت نفسك إلى تجنب سوق الفن تماماً، أو تشعر بأنك قد تصالحت مع فكرة تأثير الأموال الطائلة على الثقافة، فرؤية سعر لوحة سالفاتور مندي لا يزال يشبه أخذ كلبك في نزهة الصباح العادية فقط ليختطفه حيوان مجنح في الشارع.  إنها نتيجة تتجاوز حدود فهمنا للمعالم الأساسية المُحددة للواقع.
لا يعني هذا أن على الجميع الاهتمام بحل مشكلة مجرمي السوق الفنية الذين تندلع معاركهم في كل مرة تُباع فيها قطعة فنية بارزة في مزاد  بسعر يتجاوز التوقعات بشكل كبير.
ولكن اللعبة يجب أن تتم، إذ أن الملابسات المحيطة تشير بشكل كبير إلى أن المالك الجديد للوحة سالفاتور مندي لم يكن فقط مهتماً بالحصول على “آخر أعمال دافينشي”، أو حتى الأعمال الفنية الشهيرة من أي نوع، بل بدا كما لو كان يرغب في نيل لقب “جامع القطع الفنية الأشهر في العالم”.
منذ شهرين، فرضت دار مزادات كريستي عبر هيكل الرسوم المنقح الخاص بها على الأسعار التي تتجاوز٤  ملايين دولار قسطاً نسبته ١٢.٥% من المشتري. لذا فبمجرد وصول سعر اللوحة في المزاد إلى ١٦٠ مليون دولار، ضَمَنَ الفائز التفوقَ على صاحب لوحة بيكاسو “نساء الجزائر”والتي بيعت في ٢٠١٥ بسعر إجمالي بلغت قيمته ١٧٩ مليون دولار، وهو أكبر مبلغ مالي دُفع مقابل عمل فني في بيع علني على الإطلاق.
ثم بعدما تجاوز المزاد ٢٦٧ مليون دولار، عرف الفائز أنه سيتفوق بذلك على كين غريفين، الذي يُقال إنه اشترى لوحة “التبادل” لويليام دي كونينغ بمبلغ ٣٠٠ مليون دولار في صفقة خاصة العام الماضي. فجأة، نال المزايد امتياز الحصول على أكبر مبلغ على الإطلاق في أي مزاد. (ناهيك عن أن البعض تكهن بأن غريفين قد يكون وراء شراء لوحة دافينشي كذلك).
ولكن إليك الجزء المثير للدهشة في هذا كله: استمر المزاد لحوالي ١٣٣ مليون دولار إضافية بعد ال ٢٦٧ أي ما يعادل نصف المبلغ الإجمالي السابق لأغلى عمل فني بيع في العصر الحديث على الإطلاق.
الأكثر من ذلك، أن ٣٠ مليون دولار بأكملها جاءت من محاولة المزايدة الأخيرة، عندما أشار الشخص الموشك على الفوز وقتها إلى وكيله، للقيام بالقفزة الكبرى من ٣٧٠ إلى ٤٠٠ مليون دولار.
في عرف المزادات، بدا الوضع أشبه بالمشهد الافتتاحي لفيلم توني سكوت الحركي عام ١٩٩١ “الكشافة الأخير”، عندما قام أحد لاعبي كرة القدم الأمريكية في مركز الظهير الخلفي بسحب مسدسه من حزامه وفتح النار على المدافعين القليلين الذين يفصلونه هو والكرة عن خط المرمى. لا أحد يتخذ إجراءات بهذا التطرف في وقت متأخر جداً من اللعبة.
لا شيء من كل هذا يقصد التقليل من أهمية أو فعالية حملة كريستي التسويقية الشاملة غير المسبوقة للوحة سالفاتور مندي. بالتأكيد، كانت للعلامات التجارية القوية أهمية هنا: دار كريستي، ولوحة لليوناردو، وحتى هذين الناشئين المعاصرين الحالمين لويك غوزر وروتر.
يمكن أن يقال الشيء نفسه عن جولة اللوحة في مدن متعددة قبل بيعها، ومقاطع الفيديو المنتشرة، وحتى المجاديف الحمراء الخاصة التي تم تسليمها في الغرفة للمزايدين المسجلين. لا شيء يباع بمئات الملايين من الدولارات دون جرعة مناسبة من الحماس والضجيج.
ومع ذلك، فالنتيجة التي تبلغ ٤٥٠ مليون دولار تدين بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، للعلامة التجارية الذاتية وليس الخارجية. لا أشعر بأن التسويق تفوق على التذوق بقدر ما أشعر بأن التذوق لم يمكن مهماً في الأصل.
هذا هو السبب الرئيسي الذي يجعلني أشك في أن اللوحة فازت بها شركة. بشكل عام، يتحد المشترين في شراء عمل فني فقط إذا كانوا يعتقدون إمكانية تحويله إلى أرباح ذات مغزى عند إعادة بيعه لاحقاً. في حالة اللوحة ذات الـ ٤٥٠ مليون دولار،لنتذكر أنها أغلى بنسبة ١٥٠% من أغلى قطعة بيعت في أي وقت في أي مجال من قبل، وهذه النتيجة تحوم على أطراف السريالية.
ولكن حدسي هو أن مالك لوحة سالفاتور مندي الجديد هو فرد واحد، تتفوق بالنسبة له قيمة امتلاك أغلى عمل فني في العالم حرفياً على كل شيء آخر.
في علم تصنيف فئة المشترين، أدعوه بالجامع الرمزي COINS (الجامعون الرمزيون)، سأشير إلى هذا الفرد على أنه مُكدس: وهو شخص ينظر إلى دفع ثمن باهظ في عمل واحد باعتبار ذلك أكثر أهمية من إمكانية جني الأرباح فيما بعد.
لوحة واحدة بقيمة ٤٥٠ مليون دولار لدافنشي. ولا يمكن إلا لمشتري واحد فقط أن يمتلك أغلى عمل فني في العالم على الإطلاق، وتحقيق ذلك الوضع الاجتماعي والاقتصادي النادر يدفع التجارة الفنية باتجاه سلوك مثير للدوار.
لم تكن هذه مجرد حيازة، بل یمکن القول إنها كانت أکبر عملية للتغير الاجتماعی والاقتصادی شھدھا عالم الفن علی الإطلاق، والتي صارت ممكنة بفضل مستوى فاحش من عدم المساواة في الثروة والانغماس في الاستھلاك السافر.
وهو أيضاً ما يجعلني أعتقد أن الكثير من المراقبين صاروا حريصين للغاية على التشكيك في تثمين القطع الفنية وإسنادها وترميمها. إذ يرغب الشخص العادي المحب للفن  في الاعتقاد بأن من لديه ذلك القدر من المال، إما دفع أكبر مما كان يجب، أو تم خداعه في تلك الصفقة. إذا كان أصحاب النفوذ الجدد يتخذون أيضاً قرارات مبررة باحتياطهم النقدي غير المحدود، ما هي فرص نجاح بقيتنا؟
لذلك نعم، أظن أننا سنعلم جميعاً اسم الشخص المسؤول عن ذلك الرقم القياسي المربك قريباً جداً. أما ما ينبغي أن يفعله الجميع مع عالم الفن والعالم الأوسع الذي جعل الشراء بهذا الرقم الضخم ممكناً؟ فلا أحد يعرف.

الموضوع مترجم عن الموقع التالي.

إقرأ أيضاً