fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

قصة طفلة زوجة: “وإذا الموؤدة سُئلت”

تلك الليلة، كان كل شيء حولي مذهولا مثلي، قلبي، جسدي، جلدي، أحلامي، بواكير صباي، كتبي المدرسية، الستارة البيضاء السمكية في غرفة النوم والسرير العريض في وسطها، ضوء المصباح الخافت، قطرات المطر في الخارج، أزقة الحارة المقفرة وصمت المقبرة القريبة.

كنت خائفة من كل شيء، من نفسي، منه، من ليلتي الأولى معه، من صباح اليوم التالي، من المجهول الذي قذفوني إليه، من الحياة الجديدة التي ألزموني بها. كانت كل خلية في جسمي ترتجف، وعظامي تصطك من فرط الخشية.

وقفت في المساحة الضيقة بين السرير وخزانة الثياب، ضعيفة، باردة، عارية مثل شجرة انتهت دورة حياتها، الأرض تحتها نبذتها والسماء فوقها تخلت عنها. أكتم ما فسرته لاحقا أنه كان غضبا، أضع يدي على فمي كي لا ينطق بألمي، أحرض قلبي على حبس حزنه وحسرته، أتوسل عيني أن تؤجلا دموعهما إلى وقت آخر وأغالب رغبة قدمي في الهروب.

أدركت حين أمرني أن أنزع ما بقي على جسمي من ثياب وأن أتمدد على السرير قربه، أن جهنم التي يتحدثون عنها صارت ههنا، بلصقي، وأن جسدي سيكون طعاما لنارها.

اقرأ أيضاً: “مائدة” الايرانية رقصت فسجنت والحرس الثوري يرصد مستخدمي السوشيال ميديا

لا يمكن لأي حدث في العالم، ولا لأي كارثة إنسانية أن تنسيني ما حصل تلك الليلة، ساعة تكوم فوقي وتوغل في جسدي، ونهشت أظافره جلدي. لا يمكن لنعمة النسيان أن تطرد من ذاكرتي لهاثه المتواصل، حشرجته ورائحة اللزوجة التي تحركت في عتمة الغرفة مثل ديدان مجتمعة على طبق عفن.  

كم بكيت ليلتها، وليال أخرى توالت وطالت، كان الحزن يسبقني إلى السرير، ينام على وسادتي، يبدأ حبة صغيرة ثم يصبح عناقيد. الحزن يعرش على وسادات المكلومات ويرتوي بدمعهن، ويكبر يكبر حتى يصبح أشجارا، فيعشن في ظله، وحين تطول إقامته يصبحن هن ظلالا.
واعتدت على نمط حياتي الجديدة، كما يتآلف سجين مع زنزانته، صرت أرتب صورتي في النهار، كمن يتهيأ للوقوف أمام عدسة مصور محترف، أركب الضحكة في مكانها، أطرد ظلال المرارة عن عيني، أتقمص سمات الأمل والسعادة والرضا، وفي الليل أتلاشى أذوب مثل تمثال من الثلج باغتته شمس الصيف.

حين عرفت أنني حامل، لم تتملكني مشاعر الأمومة، كرهت طفلي قبل أن أراه، كرهت نفسي أيضا، شعرت بالذنب لأني سألد طفلا من عملية اغتصاب قذرة. سرعان ما تخلصت من هذا الذنب، ساعدني طفلي على ذلك. قدومه أمدني برغبة رفيقة في الحياة، في البحث عن هوية، عن صفة، فقررت أن أصبح أما، بعدما أنكرت كل هذه المدة أن أكون زوجة.

كم بكيت ليلتها، وليال أخرى توالت وطالت، كان الحزن يسبقني إلى السرير، ينام على وسادتي، يبدأ حبة صغيرة ثم يصبح عناقيد. الحزن يعرش على وسادات المكلومات ويرتوي بدمعهن، ويكبر يكبر حتى يصبح أشجارا، فيعشن في ظله، وحين تطول إقامته يصبحن هن ظلالا.

 

أسعدني لعب دور الأم، خفف تعلقي بطفلي وتعلقه بي عبء الليالي السوداء، التي كانت تتنظرني خلف باب الغرفة على مدى سني مراهقتي،  لكنه لم ينسني أنني أعيش حياة لم أخترها، وتجارب قاسية كنت بالغنى عن خوضها.

صحيح أن أمومتي لم تنسني ما أنا فيه، لكنها شجعتني على البحث عن صفات أخرى تناسب المرأة التي في داخلي، فقد مللت من كوني ضحية، وجدت نفسي أميل إلى صفة ناجية. نعم أنا ناجية، وسعيدة بذلك. وسعيدة أيضا أني اكتشفت في داخلي طاقة رهيبة على رسم قدري كما أشاء، وقدرة على تغيير العالم، على تدميره أيضا، بإمكاني أن استجمع قواي وأبصق في وجهه، وأعترف أمامه بكل الأسرار التي أنهكتني، من دون خوف أو تردد أو حتى حياء.   

أنا لن أسامح ولن أنسى، لكني سأحكي، الحكي دواء، والكتمان مرض، كان يجب أن أحكي من زمان، أن أمارس الصراخ والاحتجاج والاعتراض والغضب، كما أمارس الصبر والحكمة والطبخ والنفخ والشطف والغسيل والكوي والجلي وحتى المشي.

سأحكي عن نفسي وعن كثيرات مثلي، أفقدتهن التقاليد الاجتماعية والسنن الدينية أحلامهن، حيواتهن العادية.

كل يوم، ربما كل ساعة، كل دقيقة، في مكان ما من هذا المكان من العالم، تبتلع هاوية الزواج الإجباري، فتاة صغيرة، من دون أن يشعر الفاعل سواء كان أبا أم أخا أم زوجا، بالذنب أو بالحرج من أنه بذلك انتهك براءتها واستباح طفولتها ولوث نقاءها وحولها إلى كائن مسكون بالذعر والهشاشة والألم.

سأحكي عن نساء صغيرات، مررن بشهور الحمل وعظامهن ما تزال أكثر طراوة من سيقان الورود، وتجاوزن آلام المخاض كمن ينجو من مذبحة،  عن أمهات عاش أطفالهن في أحضانهن بفضل العناية الإلهية، لجهلهن العناية بهم، عن قاصرات موؤودات الأحلام والضحكات وحتى التفاهات،  عن أرواح هشة تسكن أجسادا طرية، تصطنع الغلاظة لتستمر في الحياة، عن أيد صغيرة تستفيق قبل الشمس لتعتني بتفاصيل كبيرة، عن قلوب محطمة وخواطر مكسورة وأفواه مكتومة وعيون تحجرت لكثرة ما شهدت وشاهدت قسوة هذا العالم.  

سأحكي عن فتيات صغيرات أصبحن زوجات عنوة، لكنهن لم يتخلين عن رغباتهن الجميلة، ومازلن متمسكات بأحلامهن ومتقينات من تحقيقها يوما ما في مكان ما، عن مقاتلات متخفيات، حقيقيات، يغيرن بهدوء وفي الظل مصائر أخريات، كل الأخريات.

اقرأ أيضاً: 59 مليار دولار تم سحبها وإيران تتهم السعودية بهزّ العملة الايرانية

إقرأ أيضاً