هنا القصة الثالثة

سمير يوسف

مقالات الكاتب

لنتحدّث إلى النساء العاديات

تواجه النساء سلوكاً ذكوريّاً في الحياة العامة، وذكورياً وقبليّاً في الحياة الخاصة، قد تتطور إلى جرائم، وهي جرائم يغطيها ضعف وانحياز القوانين، ما يثبت أن المرأة تنتمي اليوم إلى الصنف الأقل “جودة” من البشر، لا إلى الصنف الأفضل، حيث يتواجد الآخرون. هذه بداهة يظهرها الواقع، بنسب متفاوتة، في العالم العربي والهند وباكستان ودول أفريقية، ولكن أيضاً في أوروبا الغربية. في البلاد النامية نسمع بجرائم الشرف وختان النساء وزواج القصر، أمّا العنف الأسري وجرائم الاغتصاب والقتل فليست حكراً على مجتمع دون آخر…
 والحال أن هذه الاعتداءات والجرائم التي لها أسباب وتفسيرات اقتصادية واجتماعية ودينية وسيكولوجية، لا تلجمها النصوص القانونية كما يفترض أن تفعل ولا تطبيق هذه النصوص إن وجدت أساساً. فسرقة متجر مجوهرات عبر الكسر والخلع، وسرقة الآخرين عبر الغش أو التزوير أو الاحتيال، والتلاعب في البورصة أو اختلاس الأموال الحكومية، كل هذه السرقات على اختلاف أشكالها تعتبر جنحاً يعاقب عليها القانون. أيْ أن هناك اجتهاداً قانونياً للتعريف بأنواع السرقة والتعدي على ممتلكات الغير، إذ أن الدافع الذي يقف خلفها هو سلب الآخر والسطو على ما يمتلكه.
في المقابل، لا يبدو أنَّ ثمة تعريفاً قانونياً لجرائم قتل النساء، يمكن فصله عن الجريمة العادية بمفهومها الكلاسيكي. القتل، بحسب القضاء الفرنسي مثلاً، قتلٌ، بغض النظر عن جنس الضحية. العدالة ترى في الضحية إنساناً مجرّداً من جنسه، مع أن الدافع الذي يقف خلف القتل في الجريمة الحميمية الشائعة، هو الكره الجندري. فالزوج يقدم على سفك دماء الزوجة، لأنها امرأة قبل أي شيء آخر، بما تتضمّنه مفردة امرأة من إرث وتاريخ وإدراك بالنسبة إلى القاتل. قد يقتل الرجل امرأة لا تربطه بها علاقة لأنه قاتل وعنيف ببساطة، هذا صحيح. ولكن الإحصائيات تشير إلى أن أكثرية الجرائم تحدث ضمن إطار العلاقة، أي أن الزوج يقتل امرأته لأنها تخطّت خطّاً أحمرَ ما. وهو يسفك دماءها ليثبت أنه الأقوى وأن كلمته هي العليا وأنه متفوق عليها. كذلك تقتل العائلة الباكستانية ابنتها التي لم تبلغ سن الرشد بعد لأنها حمّلت على اليوتيوب شريطاً ترقص. فالعائلة تريد التبرؤ من الابنة التي دنّست “شرف” أفراد العائلة، خصوصاً الرجال، ولذا تتخلّى عنها وتحرمها من حقها في الوجود فداء السُّمعة وتفادياً لألسنة الآخرين. ليس بمقدور العائلة محاربة الجيران والأقارب، فتلجأ إلى التخلص من المراهقة. وفي جرائم قتل النساء في الهند، تموت آلاف العرائس سنوياً بسبب انخفاض المهر. في الهند لا ترفض أرقى طبقات المجتمع تقليد المهر، علماً أن القانون منعه منذ العام 1961، وتمارس عوائل العرسان أبشع طرق القتل من حرق بالنار ، وحرق بالأسيد بحق اللواتي يتقدّمن بمهر منخفض، من دون نسيان أولئك البائسات اللواتي يدركن مصيرهن، فينتحرن ليستبقن موتهن المحتّم. ثمّ أنّ هناك نوع آخرَ من الجرائم ضد النساء، ربّما يكون الأقل شيوعاً في العالم، ويُعرف بالجرائم غير الحميميّة، مثل تلك التي ارتكبها مارك ليبين في كيبيك في نهاية الثمانينيات، وراح ضحيّتها ١٤ امرأة نسويّة. في المحصّلة يمكن القول إن الدافع الأساسي الذي يقف خلف هذه الأنواع الأربعة من الجرائم هو الكره الجندري، أو أقلّه، تصوُّر وإدراك حيوانييْن وغريزييْن لقيمة المرأة ولفكرها.
من غير المُستغرب أن تكون هناك مطالبات نسوية في دول أوروبية عدّة لإدراج “جريمة قتل النساء، Féminicide،  في قانون العقوبات، أسوة بثمانية عشر بلداً وقعوا على معاهدة بليم دو بارا  (بيت لحم بالبرتغالية) في البرازيل منذ نحو عشر سنوات. فالغرب الذي ينادي بتعزيز حرية المرأة في بلدان يراها أقلَّ انفتاحاً منه، منفقاً المال على مشاريع إنمائية في هذا المجال، ما يزال، بدوره، في بحث متواصل ومتنازِع عن تشريعات تضع المرأة على قدم مساواة مع الرجل. وفيما نحن على وشك الاحتفال بمرور خمسين عاماً على أحداث أيّار/مايو 1968 وحركة التحرُّر الجنسي التي شهدتها تلك الحقبة، يتضح لنا، في ضوء ما يجري، أنه لا تمكن مقارنة تجربة التحرر الجنسي اليافعة، كذلك لا تمكن مقارنة التجربة الهادفة إلى المساواة بين الجنسين، بتاريخ طويل من الاضطهاد والعسف والظلم الكنسي الذي طال المرأة الأوروبية، مطالِباً إياها بالتمثل بصورة العذراء مريم. “قبح الشيطان أقل فظاعة من قبح المرأة” هذا ما كتبه الأديب البريطاني ويليام شكسبير، وهو ليس الوحيد، فهناك “كبار” آخرون كتبوا أموراً صادمة، لنستعيد تعبير شكسبير، أكثر “فظاعة”. فيثاغورُس وضع المرأة في الخانة ذاتها مع “الظلام” فيما قال سقراط إن “الصمت المتواضع هو شرفها”. بلغة الشارع، طلب سقراط من المرأة أن “تغلق فمها”. وواقع اليوم ما زال فيه من ترسبات الماضي، إذ لم يعدْ خافياً عن أحد أن المرأة الأوروبية تعاني من التمييز الجندري أيضاً. ما زالت رواتب الرجال أكثر ارتفاعاً بشكل عام. كذلك لم تعد خافية، بعد الحملات والفضائح الأخيرة، كميةُ التحرش والابتزاز والإهانات التي تتعرض لها المرأة في البلدان التي تقول إنها تنتمي إلى “الحضارة”. إن إلقاء نظرة إلى دوائر السلطة في الدول الكبرى وإلى نسبة مشاركة النساء فيها تكفي لتوضيح الصورة.  في فرنسا، من ناحية الجرائم، تبدو الأرقام مخيفة. في العام الفائت ماتت نساء، بمعدّل امرأة كلّ ثلاثة أيّام، تحت ضربات أزواجهن أو أصدقائهن، السابقين والحاليين.
وفيما انبرى عديدون للدفاع عن الرسالة التي نشرتها صحيفة “لوموند” الفرنسية ووقّعت عليها مئة امرأة، بينهن الممثلة الفرنسية كاترين دونوف، حول “حرية الرجل بالمضايقة” لأن في ذلك، بحسب الرسالة، “ضرورة للحرية الجنسية”، بدا أن النقاش انعطف سريعاً إلى مكان آخر، إلى نقاش في الآراء النسوية الأكثر تطرفاً وفي كراهية الرجال وفي “محاكم التفتيش الكنسيّة”. في هذه الانعطافة تجاهلٌ لرأي المرأة العادية والمواطنة العادية، غير النسوية والحزبية، وحتى غير الضحية، التي لا تحمل “سلّم الثقافة بالعرض” والتي لا تشعر، بالضرورة، بأن من واجبها إطلاق النظريات والآراء أو تدوين شهادات الاغتصاب علانية. والحال أن الأخيرة لا تطالب بكل هذا البذخ الفكري، الذي لا يطاق أحياناً، ولا ترغب إلّا في حقوقها البسيطة، كركوب المترو من دون أن تتعرض للتحرش، وكشرب كأسين في الحانة القريبة من شقتها، والعودة إلى البيت سيراً على الأقدام في ساعة متأخرة من الليل بعد العبور في ذلك الزقاق المظلم من دون أيّ خوف. وتتحمّل النسويات المتطرفات قسطاً من مسؤولية ضياع النقاش وتشعّبه طبعاً، بينما يتحمل القسم المؤيد للرسالة المنشورة في “لوموند” مسؤولية عدم إدراك وضع المرأة الحالي، وأيضاً تجاهل السياق التاريخي والزمني لمكتسباتها، الجنسية وغير الجنسية، وهي مكتسبات ما تزال منقوصة في بلاد عديدة، ومعدومة في أخرى. كذلك يتحمل الطرفان معاً مسؤولية “جندرة” مفرطة للنقاش.  ولكن ثمة مسؤولية أخرى تقع على عاتق وسائل التواصل الاجتماعي. فالرأي العادي، غير الحزبي والمتطرف، يتحجّم شيئاً فشيئاً في زمن هذه الوسائل. أي أن الرأي بشكل عام، كلّما كان أكثر عنفاً كلّما برز أكثر. تعمل خوارزميات المنصات بهذا المنطق لأنه الأكثر استهلاكاً وهذا أخطر ما في الأمر. الرائج اليوم هو “السكوب” و”الباز” و”المثير للجدل”. المصطلح الأخير، للمفارقة، يعطينا الانطباع بأن أيّ جدل أُفرِغ من مضمونه، ولذا فمن الصائب طرح السؤال عن براءة النقاش حول المرأة في فيسبوك مثلاً. وبينما قد تفسّر طريقة عمل منصات التواصل الاجتماعية الابتعادَ عن النقاش في حقوق النساء حول العالم، لإبراز نقاش آخر نحن بغنى عنه، شبّه البعض الحملات التي تمّ إطلاقها على وسائل التواصل الاجتماعي كحملة «أنا أيضاً» و«افضحي خنزيركِ» بمحاكم التفتيش التي عملت بها الكنيسة خلال القرون الوسطى. والحال أنّنا نواجه المشكلة ذاتها في هذه النقطة أيضاً. فوجهة النظر هذه ليست خاطئةً تماماً إذ لا أحد يمكنه إنكار رغبة نسويات في وضع كل الرجال في سلة واحدة مع الخنازير. ولكنّ المحاكم قائمة على وسائل التواصل الاجتماعي في مسائل التحرش وغيرها أيضاً. الأمر لا يتعلق بالمرأة فقط. الانتقال من الكلام المفرط داخل الفقاعة الافتراضية إلى قانون العقوبات والقضاء يشكل المدخل الوحيد للمساواة الحقيقية بين الجنسين في أوروبا وغيرها. للقيام بهذا الأمر، يجب بالتأكيد غض النظر عن نبرة العسكرة التي تشوب بعض الخطابات النسوية والتحدث إلى النساء العاديات كي نعرف أكثرَ عن يوميّاتهن ومخاوفهن.

إقرأ أيضاً